أعلم أن هذا التحليل لن يرضي الكثيرين, ولكنه ماتوصلت اليه بعد معايشتي للغربيين معظم حياتي واطلاعي علي طريقة تفكير معظمهم والعقائد التي تتحكم بهم. بالمناسبة, هذا ينطبق علي اليهود كما المسيحيين, وحتي علي غالبية المواطنين الاسرائيليين أنفسهم.
الهدف الأساسي لمعظمهم هو التمتع بمباهج الحياة, علي تفاوت في تعريفها وايها أجدر باعطاء الاولوية. يأخذون عقائدهم الدينية كترياق للشك الوجودي و كباعث للطمأنينة الروحية أن ثمةرب رحيم سيحسن اليهم بعد الوفاة يطريقة أو بأخري, ولكن لاينظر معظمهم الي الدين كمنظم لحياة الناس أو محور لها.
في تعاملهم مع الآخرين يتبعون مبدأ "عش ودع غيرك يعيش" أي انهم بالرغم من نفورهم الفطري مما يختلف عن قوميتهم أو دينهم, لايكرهون الأخرين كراهية وجودية, وعندهم قابلية كبيرة للتأقلم معهم ومعايشتهم والقبول بهم كجزء من نسيجهم المجتمعي له خصوصية حضارية مختلفة.
ولهذا فالوضع الطبيعي للغربيين, مسيحيين كانوا أو يهودا أو علمانيين, هو تقبلنا كمسلمين (او صينيين او هنود او افارقة, الخ) علي تفاوت في درجات القبول تزداد غالبا كلما ازدادت درجة تعلم و انفتاح (ليبرالية) الواحد منهم, وتضمحل بانحسارهما. هذا هو الوضع الاعتيادي.نأتي للاستئنائين الرئيسين
الاستثناء الاول, هو لأقليات دينية اقصائية, كالمعمدانيين الجنوبيين بأمريكا و الهاريديم باسرائيل, ممن يعتبرون الدين محور حياتهم, ومن ثم لايقبلون بالمختلف عنهم (ولو حتي من علي دينهم) لأنهم لايعيشون الحياة كما ارادها لهم الرب.
هم في ذلك يشبهون كثيرا السلفيين الانعزاليين عند السنة (Quietist Salafists) أو الشيرازية عند الشيعة من حيث تمسكهم الشديد بانماط حياة معينة, و عدم تقبلهم للآخر. ولكنهم في الاغلب ليس لهم أجندة سياسية سوي أن يعطيهم المجتمع هامش حرية واسع ومميزات تتيح لهم ممارسة حياتهم بطريقتهم.
الاستثناء الثاني, هو لمجموعات من أصحاب المصالح الخاصة, قد يكونوا من المتدينين, ولكن غالبا هم ليسوا كذلك, الامثلة تتضمن قيادات الليكود العلماني باسرائيل أو المحافظين الجدد (علمانيين) أو الصهاينة المسيحيين (متدينيين) بامريكا. تجمعهم رؤية أن العالم ساحة للصراع يجب استخدام القوة فيها
وأن القلة التي سيكتب لها العلو والنجاح (سواء دينيا او علمانيا) لن تصل الي ذلك الا باحداث صراعات وحروب يقهر فيها المتميزون عقليا (او الموعودون دينيا) من دونهم من الاقل موهبة (او الذين كتب الرب عليهم الهلاك).
المعركة الأولي والأساسية لهذا الصنف داخلية وليست خارجية. الأهم بالنسبة لهم هو ايغار صدر الغالبية الساحقة من شعوبهم المسالمة والمتقبلة للأخر غالبا كما أسلفنا ضد باقي العالم بهدف تحويلهم الي جنود مخلصين ووقود لحربهم من اجل السيادة والعلو.
هؤلاء هم من وصفهم القرآن ب "الملأ" او "الرهط" الذين يفسدون في الارض ولايصلحون. ومنهم من يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود"
أما بعد تمكنهم من غسل أمخاخ الغالبية المسالمة المتسامحة من شعوبهم وتحويلها الي وقود ونار حرب لتحقيق العلو والكبرياء الذي يسعون اليه, فانهم يلتفتون الي المفعول به, الي باقي البشرية من الأغيار, الذين سيكونون طعاما علي مأدبتهم.
فمعركتهم معي ومعك ومع الصيني والهندي والافريقي هي المعركة الثانية وليس الاولي. وهي معركة من أجل السيادة والتحكم و الاستعباد, فاذا أحني الأغيار رقابهم ورضوا بالتحول الي مطايا لأسيادهم فلن تحدث معركة أصلا, وانما سيتم التحكم في حيواتهم وانماط سلوكياتهم بما يتسق مع علو وكبرياء السادة
متي تحدث المعركة اذن؟ تحدث فقط عندما يقاوم من يراد لهم أن يكونوا عبيدا. ومن ثم, فمن منظور هذه الفئة المتعالية, كل من قاوم وحارب هو عدو, وكل فكر أو دين أو ايديولوجية تدعو اصحابها لحمل السلاح و مقاومة الاستكبار هي فكر معاد ينبغي استئصاله او بالأقل تمييعه و تشويهه وتنفير الناس منه.
وهنا نصل الي الخلاف الاساسي مع الاسلاميين, فعداء المتكبرين في الارض للاسلام لا ينبثق من اختلافهم مع محتواه الميتافيزيقي, ولكن لمردوده السياسي, وبالتالي فهم لايمانعون (بل ويرحبون) بصيغ التدين الانسحابية, التي تبقي الدين محصورا في زوايا التعبد وحلقات الذكر.
ومن ناحية أخري, فكل ايديولوجية أو مذهب يحمل طابع المقاومة لرغبة الملأ في الكبرياء والعلو لايقل عداء لهم من وجهة نظرهم عن الاسلام السياسي السني, سواء كان الاسلام الشيعي الثوري (الذي ننظر اليه كسنة كهرطقة) أو حتي لاهوت التحرير المسيحي بامريكا الجنوبية أو الثورات التحررية اليسارية
وانا أشارك بهذا الطرح ليس من منظور فكري فحسب, ولكن كواقع معايش اراه حولي كل لحظة. فهؤلاء الملأ المتكبرون يكرهون أبي بكر البغدادي وحسن نصر الله وهيوجو شافيز ونلسون منديلا بنفس الدرجة, ولا يعني اختلاف عقائدهم و ايديولجياتهم لهم شيئا طالما دعت للمقاومة والتحرر والوقوف بوجه الاستكبار
فاذا كان الأمر كذلك, واذا كان هؤلاء المستكبرون يضعون خلافاتهم العقدية والفلسفية جانبا ويوحدون صفهم من أجل تحقيق أهدافهم الدنيئة, أفليس أحر بنا نحن المستضعفين أن نسلك السلوك ذاته؟ وللحديث بقية
نبدأ الجزء الثاني بغوص أكثر عمقا في المعركة الأولي للملأ المستكبرين, الرهط الذين يفسدون في الأرض ولايصلحون, جند الدجال (بقصد او دون قصد). وهي معركتهم لتأليب سواد شعوبهم الغارقة في تفاصيل الحياة اليومية, والمتسامحة غالبا مع الحضارات الأخري, علي طريقة "عش ودعه يعيش"
بدايتنا غير تقليدية, ولكنها لازمة لاعطاء جرعة من الواقعية لتحليلنا. لنبدأ باستعراض مقدار نجاح أو فشل الملأ المستكبر عبر التاريخ في تحشيد و شحذ همم أقوامهم لخوض حروب دامية ضد الحق, مع ندرة الدعاية والاعلام في تلك الفترات,وهي التي تضاعف من قدرة الملأ علي التأثير في سواد الناس حاليا
هل نجح صناديد قريش كأبي جهل والوليد بن المغيرة في تأليب العربي العادي المقيم في مكة وما حولها للانضمام لحربهم ضد الرسول والمؤمنين؟ نعم, بدليل التفاوت الكبير في اعداد جيوش الطرفين التي سجلها لنا التاريخ.
هل لو قام معظم هؤلاء العرب الكفار (من غير الملأ) بتحليل الأمر تحليلا منطقيا يأخذ في الاعتبار حرص جند الرسول علي الموت كحرصهم علي الحياة , و كيف ستتحسن ظروفهم المعيشية لو أنهم استسلموا لجيش محمد بدلا من قتاله, هل كانوا سينضمون لحيش المشركين ويكثرون سواده, قبل أن يهزموا في النهاية؟
بكل تأكيد لا. لناخذ مثلا آخر من العصور الوسيطة. هل لو حلل الفلاحون في حقول نورماندي والحطابون في جبال الألب قوة جيوش الايوبيين والمماليك من ناحية, وعدل ملوكهم في سياسة رعيتهم بالمقارنة بطغيان البابا و تعسف الملوك الأوروبيين, هل كانوا سيشكلون العمود الفقري لجيوش الصليبيين؟
بالطبع لا. لنأخذ مثالا من حياتنا المعاصرة: هل لو علم الشاب الامريكي الاسود الذي تطوع في الجيش لانعدام فرصه في عمل كريم أو دراسة مجانية, هل لو علم ببأس وصلابة المقاومة السنية العراقية بقيادة الدولة الاسلامية, هل كان سيذهب طائعا لمصرعه في المثلث السني؟ لا وألف لا, اذن أين الخلل؟
نقص المعلومات, وتسيد الملأ المستكبرين لوسائل التأثير علي حشود الدهماء في بلاد الغرب هي التي حسمت الموقف في كل حالة, وضمنت استمرار تدفق المتطوعين لمعسكرها لمحاربة معسكر الحق. ولو أنها استقبلت من أمرها ما استدبرت, لما استسلمت للقصابين الذين قادوها لمصارعها
لو مددنا الخط البياني لماحدث بالماضي علي استقامته للمستقبل لأظهر لنا بجلاء المسار المتوقع للمستقبل: سيستمر آلاف الأوروبيين والامريكيين البسطاء في تقفي سنن أسلافهم الذين انضموا للحملات الصليبية دون وعي, وسيشكلون القوة الضاربة التي تنسال علي مشرقنا الاسلامي زمن المهدي وعيسي بن مريم
و سينضم الآلاف من الشباب الاسرائيلي العاديين الذين حاورت كثيرا منهم فلم ألمس بهم الا كل استعداد لتقبل دولة فلسطينية مستقلة والتعايش مع العرب بسلام, سينضمون لجيش الدفاع الاسرائيلي في عدوانه علي غزة والضفة و لبنان وسوريا وربما حتي مصر والاردن بعد حين
لماذا؟ حسنا, لأن هذه سنة الله الكونية. الهمج الرعاع أتباع كل ناعق في كل زمان ومكان تفرقهم عصا ويجمعهم مزمار. وعيهم الجمعي ضعيف, ارادتهم منهارة, لأنهم نشاوا كغنم في قطيع يعتاد علي تتبع مرياعه الذي غالبا مايقوده الي المذبح
ماذا يعني هذا لنا نحن معشر المستضعفين الذين ننتظر أن ينهي الملأ المستكبر معركته الاولي مع قومه (معركة الحشد) ليبدأ معركته الثانية مع المقاومين منا؟ يعني أنه لا فائدة ترجي من افشال تلك المعركة الأولي عن طريق استخدام "قوتنا الناعمة" او تحسين صورتنا في المخيال الجمعي للغرب
هل معني ذلك أن نباشر بالهجوم علي جموع الدهماء في الغرب لأنهم في النهاية سيشكلون العمود الفقري لجيش الملأ المستكبرين ضدنا؟ هل نطعن من يتصادف وجوده الي جانبنا بسكين أو نرضخه بحجر أو نقذف به من شاهق كما وصانا أبو محمد العدناني غفر الله لنا وله؟ بالطبع لا وألف لا
أما لماذا, فأولا لأن من قبلنا لم يفعلوا ذلك, فالرسول لم يرسل السرايا لتسميم آبار المشركين بمكة, او اغتيال عامتهم في طرقات الطائف, أو حرق بيوت بني النضير وقينقاع وقريظة وهم نيام بالمدينة. ولم يعرف عن صلاح الدين أنه ارسل فرق اغتيالات تقتل عامة الاوروبيين اثناء الحملات الصليبية
وثانيا لأن ديدن الرسول صلوات الله عليه أنه حتي لم يدع علي قومه بالهلاك, بكل كان يقول اللهم اغفر لقومي فانهم لايعلمون (لاحظ "لايعلمون" تفيد نفس ماتوصلنا ليه من أن التغييب وانعدام الوعي هي العقبة الكؤود). وكان يقول عسي أن يجعل الله من أصلابهم من يقول لا اله الا الله
ولذا فمع اعترافي بأن المحاولات الخجولة لاخواننا الذين يوصون باستخدام الاعلام كسلاح لرفع وعي الغربيين لن تنجح بالمقدار المرجو, ومن ثم فان تركيز الجهود في مضمار آخر ربما يكون أنجع وأصوب, الا أني بنفس الوقت أنهي بشدة عن استهداف غير المحاربين من الغربيين او حتي الاسرائيليين
لأنه سيأتي بنتيجة عكسية, وغالبا سيؤدي لانسيال جحافلهم علينا قبل أن نكون قد أتممنا استعداداتنا للمعركة الحتمية. وهذا اليس جبنا ولكن اتباعا لأمر رسول الله "لاتتمنوا لقاء العدو وأسالوا الله العافية فاذا لقيتموهم فاصبروا" و "دعوا الحبشة ماودعوكم واتركوا الترك ماتركوكم"
ونستكمل التفكير بصوت مرتفع المرة القادمة باذن الله
اذا سلمنا بأن الحيلولة دون غسل أدمغة الغالبية المسالمة من اليهود والنصاري في الغرب واسرائيل من قبل الملأ المستكبر الذي يحكمهم صعبة, نكون قد توصلنا الي اجابة عن السؤال التالي في سلسلة تدرجنا المنطقي من استقصاء الأسباب لاستنتاج الاجابات والحلول لمشكلة ضعفنا وانعدام قدرتنا علي الفعل
ألا وهو كيف يقهرنا هذا الملأ عندما يشن حربه علينا كل مرة؟ لماذا لم تنجح أي دولة عربية أو اسلامية من صد الاستعمار الانجليزي والفرنسي؟ وبعد التحرر, لم لم تقف أي دولة من دولنا علي ساقيها وتبني دولة حديثة مستقلة؟ وبعد أن أنشأت اسرائيل, لم لم نتمكن مجتمعين من هزيمتها منفردة؟
اسهل طريقة للملأ المستكبر في الغرب لهزيمتنا هي افساد الحكام والصفوة وأهل الحل والعقد في بلاد المستضعفين ليكونوا رهطا مستكبرا يتماهي معهم في فسادهم و ينفذ أجندتهم دون نقاش لأن مصلحته أصبحت مرتبطة ارتباطا عضويا بالغرب
ومن قرأ كتاب "اعمدة الحكمة السبعة" لضابط الاستخبارات البريطاني لورنس, لوجد كيف قام بمسح للشخصيات الفاعلة علي مسرح الجزيرة العربية, وتوصل الي ان الأمير فيصل بحكم انحداره من نسل النبي, وبنوته لحاكم مكة (الشريف حسين) وصفاته الشخصية و الكاريزمية مؤهل للزعامة التي تغير الواقع
لمصلحة بريطانيا (وضد ألمانيا وتركيا) وسواء اتفقنا انه خدع فيصل الذي تصور أنه كان فعلا يوحد العرب بتزعمه لحركة الانفصال عن الخلافة, أو أنه كان يعلم في قرارة نفسه أنه ينفذ الأجندة البريطانية, فالنتيجة واحدة:انهيار الخلافة وتشرذم المسلمين دون حتي أن يحصل علي دمشق التي وعده بها لورنس
عرفنا هذا فقط لأن لورنس لم يكن سويا نفسيا, وللدكتور ايريك ماك بجامعة هارفارد كتاب قيم في تحليل نرجسية لورنس ورغبته في الاستعراض التي دفعته لفضح المخططات القذرة لبلاده (ودفع حياته ثمنا لها بعد ذلك). ولكنا لسنا علي نفس الدرجة من الحظ مع معظم الحكام الحاليين, لعدم وجود لورنس يفضحهم
الاساليب العام أكثر خفاءا ولطفا. يكفي أن أعطيك زمام الأمور ومقاليد الثروة في بلد خليجي صغير بحيث يكرهك ويحسدك كل جيرانك ولاتجد بديلا عن الانصياع المطلق لأوامري كثمن لحمايتي لامارتك المصطنعة من الابتلاع. أي لم يعد يلزم أن أجندك أو أغسل مخك, أو أصورك صورا مخلة أبتزك بها
يكفي أن أقنعك بارسال أولادك للتعليم في اوروبا حيث تبرمج عقولهم وقلوبهم علي ماأشاء, وبحيث تضيع صلتهم بلغتهم ودينهم, فلايستطيعون قراءة خطبة دون الاتيان بألف خطأ, وبحيث "يتناولون" الـبرشان" التي تمثل جسد يسوع ويغمسون قطعة الخبز في الخمر الذي يمثل دمه مع تظاهرهم بالاسلام أما شعوبهم.
يكفي أن أتظاهر بتسليح جيشك باسعار مخفضة عن طريق Foreign Military Financing بحيث يتضمن العقد الي جانب اعطاء الاسلحة تدريب الطواقم عليها في امريكا, فاتوصل لأفضل ضباطك خلال دورات التدريب المتكررة مدي عملهم, فاراقبهم واتعرف علي نقاط الضعف في شخصياتهم ,وأجند منهم من أتوسم فيه العمالة
وطبعا كما يتضح من المثال الأخير, عملية تجنيد (او علي الأقل تحبيب endearment شباب بلاد المستضعفين في الملأ المستكبر في الغرب لاتقتصر علي الملوك والرؤساء وأبناءهم, بل تمتد لتشمل الشباب الواعد المتوسم صعوده للمراكز القيادية في المجالات المختلفة من طب لبحث علمي لعسكرية لثقافة لاعلام
وبذا يتم خلق طبقة عليا منفصلة شعوريا ووجدانيا عن المكونات الثقافية و التطلعات الاقتصادية والاجتماعية للأغلبية الساحقة من البلد المستضعف, في نفس الوقت الذي ترتبط فيه ثقافيا و مصلحيا مع الملأ المستكبر في الغرب, باختصار, تصبح هي ملئا مستكبرا داخليا يحكم الشعب المستضعف, ويشكل وعيه
وبداخل هذا الملأ المحلي, لابد أن نتوقع ديناميات الحركة التي يمليها التصارع علي قمة الهرم, فلا عجب أن تري بعض الصحفيين يشتبك مع البعض الآخر في معارك فكرية, او القادة العسكريين يزيحون أقرانهم في انقلاب ليحلوا محلهم, وليس هذا دليلا علي تباين الرؤية بقدر ماهو صراع علي الكراسي
وقبل أن ننتقل للكيفية التي يسيطر يها الملأ المحلي علي المستضعفين ويستعبدهم و يقضي علي روح المقاومة فيهم, يحسن بنا أن نتوقف عند صفتين هامتين للعلاقة بين الملأ الدولي ذو الطموحات اللانهائية للسيطرة علي العالم, والملأ المحلي الذي لايطمح الا الي الحصول علي السلطة والثروة.
الأولي هي أن الملأ الدولي لن يعدم طريقة عاجلة يسيطر بها علي الملأ المحلي ان لم يحالفه الحظ لطبخ احدي الطرق الآنف ذكرها علي نار هادئة. فطالما وجد عند الثاني الاستعداد للانصياع والاذعان, فهناك دائما طرق لاحكام القبضة علي عجل
ويحضرني هنا نقاش دار بيني وبين احد المخضرمين في أوائل حكم الملك سلمان عام 2015. كان المتدينون بالمملكة قد ضاقوا ذرعا "باصلاحات" الملك عبد الله الليبرالية, التي حجمت هيئة الامر بالمعروف و حدت من سلطة كبار العلماء وحاربت الحركات الاسلامية في بلاد الربيع العربي
فلما انتقل عبد الله الي جوار ربه و خلفه اخوه سلمان, تنبأ الكثيرون (وانا منهم) أن حاكم الرياض المخضرم, المنتمي للفرع السديري الذي انجب الملك فهد و اولياء العهد نايف وسلطان "المحافظين" سينتهج نهجا محافظا بالمقارنة بعبد الله الشمري
ولكن صديقي "المخضرم" نظر الي باستخفاف وقال "ان الاصلاحات التي حدثت في عهد الملك عبد الله لايمكن النكوص عنها لأنها متصلة بمصالح شركات دولية وسياسات اقليمية لدول كبري تري ان السعودية يجب ان تنهج هذا النهج, وما خالد التويجري الذي شيطنتموه وظننتم أنه سبب كل هذا الا اداة هناك غيرها"
وأذكر أنني تواصلت معه بعد ذلك و أشرت الي اقالة الملك سلمان لرئيس هيئة الامر بالمعروف المتحرر والاتيان بمحافظ, وتحديد اقامة التويجري نفسه, بل ومنع الطبيبات والممرضات غير المحتشمات من الدوام في مستشفيات وزارة الدفاع كدلائل علي صحة توقعي, فاشار الي بالصبر والانتظار لبضعة أشهر.
وبالفعل, مامر الليل والنهار الا و"اصلاحات" الملك سلمان والامير محمد تطبق الآفاق, فمن قيادة المراة للسيارة الي السماح بدور السينما, ومن مهرجانات مدائن صالح الي الحديث علنا عن حق اسرائيل في الوجود وانتقاد التراث الوهابي التي بز بها الملك والأمير سلفهما وتخطيا أكثر طموحاته جموحا
ومازلت أبحث عن الآلية التي غيرت بها تلك الشركات الدولية والقوي الكبري التوجه الأولي للاب والابن من المحافظة الي الليبرالية, لكن المحصلة النهائية و تحقق نبوءة صديقي المخضرم يقطعان بأن شيئا ما قد حدث خلال عام 2015, أحكم به الملأ العالمي علي عجل سيطرته علي الادارة الجديدة في الرياض
الصفة الثانية هي أن اخلاص وولاء الملأ المحلي للملأ الدولي وتنفيذ أجندته بالكامل هي الضمين باستمرار دعم الثاني للأول ودفاعه عنه والحؤول دون الاطاحة به. وان حدث نوع من سوء الفهم أدي الي شك الثاني في ولاء الأول, وجب علي الأخير ازالته وتوضيح مالتبس لكي يبقي الدعم متدفقا
وتحضرني هنا قصة منتشرة نوعا في محيط البلد الاوروبي الذي أقمت به ردحا من الزمن, عن غضب الغرب من انقلاب 2013 ضد حكم الاخوان في مصر, لأنه جاء كخطوة الي الخلف بعد أن قطعت القاهرة شوطا لابأس به في طريق بناء المؤسسات الديمقراطية ووضع دستور جديد واجراء انتخابات نزيهة
ماسمعته هو أن وفدا رفيع المستوي زار القاهرة و اجتمع بالمسؤولين المصريين بعد الثالث من يوليو بقليل, فكان مما قاله لهم مدير الاستخبارات أن السبب الأساسي لانقلاب الجيش علي مرسي كان اخلال الاخير بأحد ثوابت السياسة الخارجية المصرية منذ اتفاقية كامب ديفيد عام 1979
, ألا وهي العلاقات المتميزة والتعاون الأمني الوثيق مع اسرائيل. فقد أطلق مرسي سراح العديد من جماعة أنصار بيت المقدس بسيناء والمعروفة بالتنسيق مع حماس غي غزة وسهل تهريب الوقود والسلع الغذائية والاسلحة لغزة, بعد أن كان حصار حماس أحد ثوابت سياسة مبارك مما هدد بتدمير السلام مع اسرائيل
ومن الواضح أن هذه "الطمأنة" بشأن توجهات النظام الانقلابي الجديد كان لها أعظم الأثر في تغاضي كاثرين آشتون مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي عما حدث من تعد علي الشرعية الدستورية و حقوق الانسان, واقرارها بشكل او بآخر للنظام الجديد بعد تأكدها من توجهاته
كطالب للعلوم الحيوية أعلم تماما أن الخط المستقيم لاوجود له في الطبيعة, وان الفارق بين المرض Pathophysiology والصحة Physiology هو اختلاف في الدرجة فقط. كذلك لايوجد فاصل حاد بين الملأ المستكبر و الدهماء المسيرين في بلاد الغرب أو في البلاد المسحوقة كبلادنا, وانما هناك تدرج
فأول وسيلة يستخدمها الملأ هنا أو هناك هو خلق مجموعة أوسع من الاتباع ينفذون أجندته للسيطرة علي الجموع مقابل مميزات أقل كثيرا من الملأ نفسه. وهؤلاء بدورهم يفعلون الشيئ نفسه, حتي نصل الي مجتمع هرمي kiss up, kick down يقبل الاسفل مؤخرة من يعلوه في الوقت ذاته الذي يركل من يدنوه
وهناك دائما حركة دينامية تسمح "للمجتهد" بالتصعيد لدرجة أعلي (وصولا للملأ الحاكم نفسه علي الأقل من الناحية النظرية) بينما تعاقب "الفاشل" الذي لايتبع القواعد الصارمة بالتنزيل للدركات السفلي في السلم الاجتماعي
فمثلا نري كثيرا وزراء و رجال أعمال ملء السمع والبصر سقطوا من شاهق, فضاعت ثرواتهم و ذهبت مناصبهم ودخلوا السجون, بل وعرف بعضهم طريق المقصلة. في نفس الوقت الذي نري رجلا أو امرأة من اصول متواضعة تسلق السلم الاجتماعي بسرعة الصاروخ دون موهبة معينة يتحسسها الأشخاص العاديين من أمثالنا
طبعا التفسير الجاهز المعلب عند اخواننا اصحاب نظرية المؤامرة أن الصاعدين انضموا للماسونية او الاليموناتي, او باعوا أرواحهم للشيطان. حسنا, انا لاأنفي ولكني ايضا لاأؤكد, اولا لانعدام الدليل القطعي علي ذلك, وثانيا أن هناك من الاسباب المادية البسيطة مايغنينا عن تلك التفسيرات المتكلفة
فأول طريقة منذ صبح الأزل لسيطرة الملأ المستكبر علي الجماهير المسحوقة هي اتخاذ بطانة منهم تسوسهم بالعصا والجزرة, مقابل الفتات, وهذه تفعل الشيئ نفسه مقابل فتات أقل. لنأخذ تركيا المعاصرة كمثال. فالجميع يحب أو يبغض أردوغان دون محاولة تفسير لماذا نجح الرجل في البقاء بالسلطة منذ 2006
من عاش بتركيا في الثمانينات او التسعينات يجد أن الكماليين اعتمدوا بشكل رئيس علي كبار الضباط في السيطرة علي الشعب, فشيدوا لهم نوادي الضباط الفخمة والقصور الفارهة, لدرجة أن بعضهم صمم مهبطا لطائرته الحوامة فوق قصره كي لايعاني من زحام المرور.
كبار الضباط بدورهم تحكموا في الساسة من يسار الوسط (مسعود يلمظ وبولنت اجاويد) ليمين الوسط (تانسو تشيلر) فنفذ هؤلاء سياساتهم حرفيا مقابل مميزات أقل وقذف بهم في سلة المهملات عندما فشلوا في ابقاء الاوضاع الاجتماعية و الاقتصادية مستقرة
في المقابل, الغالبية الساحقة من الاتراك الاصليين القاطنين في مدن الاناضول همشوا افتصاديا و لم تؤخذ كلمتهم في الحكم و عاش معطمهم دون سيارة يتنقلون بشيئ يشبه التريسكل او التكتك المعاصر, يرون الطبقة الحاكمة من الكماليين والضباط في اسطنبول وازمير يتمتعون بكل شيئ, بينما لايجدون الفتات
هذا الظلم الاجتماعي للعمود الفقري للمجتمع التركي هيأ المجال لقائد تناغم مع حس الاعتزاز القومي والديني لهؤلاء المحافظين, ويشركهم في الحكم, و يحارب الفساد الذي كرس له الكماليون والضباط عبر اكثر من 80 عاما, فيقيم مشروعات عادت بالنفع علي المواطن العادي الذي تضاعف دخله عدة مرات
أرجو أن يتذكر القارئ الكريم هذه التفاصيل عندما نصل لمرحلة وصف العلاج, لأن تشخيص المرض هو غالبا الخطوة الأهم
اذن اتفقنا أن الطريقة التقليدية التي يتحكم بها الملأ المستكبر في الجماهير المغلوبة علي أمرها هي اصطفاء مجموعات منتقاة من تلك الجماهير لتكون ادوات بسط سيطرة سياسية وامنية واعلامية وثقافية, الخ مقابل مميزات أقل من مميزات الملأ, ثم تعيد تلك المجموعات نفس الشيئ حتي يتكون مجتمع هرمي
الفارق الاساسي بين كل مجتمعات العالم منذ تكون المجتمع البشري هو أن بعضها خلال القرنين الاخيرين أضاف غلالة رقيقة من الليبرالية التمثيلية (الديمقراطية) تعطي جموع الناس انطباعا متوهما أنهم من يختارون قادتهم ويسنون قوانينهم وينظمون مجتمعاتهم من خلال انتخاب ممثليهم النيابيين
وطبعا كما قال السيناتورماكين عندما سأله صحفي عما حدث في 3يوليو ومااذا كان انقلابا "اذا كان الشيئ يمشي كبطة ويصيح كبطة فلابد أنه بطة" buzzfeednews.com بالمثل تماما,اذا حاكت العملية الديمقراطية سمات الديمقراطية (من انتخابات و تقسيم للسلطات) تصبح ديمقراطية, حتي لو كانت مفتعلة
والمقصود أن الديمقراطيات في الدول التي تتخذها نظاما للحكم, بالرغم من أنها يقصد بها أن تكون ستارا حريريا يخفي اليد الحديدية الباطشة للنظام التراتبي السلطوي, الا أنها تعطي فرصة معقولة لمن يريد أن يروغ من القبضة الحديدية أو يتحايل لهدم النظام الهرمي من الداخل أن يفعل,اذا أحسن التصرف
والسبب هو أن حلبة الصراع حقيقية, وارادة الناخب غير مزيفة,و احصاء الاصوات صحيح, والسلطات البرلمانية قوية. صحيح أن معظم المرشحين متحكم فيهم بدرجة او بأخري من الملأ, ووسائل الاعلام تقوم بغسل أمخاخ الجماهير ليل نهار لتوجهها نحو مرشحين معينين سينفذون رغبات الملأ في نهاية المطاف
الا أن المجال مفتوح لمرشحين يمثلون مصالح الجماهير بحق أن يصلوا الي السلطة لو تغلبوا علي هذه الآلة الجهنمية. أمثلة النجاح محدودة بالطبع, لكن الأرشيف لايخلو منها
امريكا اللاتينيةلها نصيب الأسد من الرؤساء الذين صعدوا من صفوف الجماهير ليقهروا الطغم الحاكمة المؤتمرة بأمر سادة النظام العالمي ويفوزوا بالرئاسة في انتخابات حرة نزيهة. نذكر منهم ايفو موراليس في بوليفيا, لولا ديسيلفا في البرازيل, ميشيل باشيليه في شيلي, و طبعا قبلها سلفادور ايندي
وطننا الاسلامي لم يكن علي نفس الدرجة من الحظ, فلايعرف فيه ممن تحايلوا علي الرهط المستكبر بنجاح ووصلوا الي الحكم عبر صندوق الاقتراع الا محمد مصدق في ايران, عدنان مندريس و نجم الدين اربكان في تركيا ومحمد مرسي في مصر, وقد أطيح بهم جميعا في انقلابات عسكرية واعدموا أو ماتوا في السجن
منصف المرزوقي في تونس وقد خرج من الحكم بما يشبه الثورة المضادة أيضا. وحدهما مهاتير محمد في ماليزيا و رجب اردوغان في تركيا من أحبطا محاولات الانقلابات ضدهما واستمرا بالحكم (اردوغان) او خرجا في ظروف طبيعية (مهاتير محمد)
ولكن وصول كل من المذكورين أعلاه الي سدة الحكم كان ممكنا فقط لتوفر آلية اقتراع نزيه بدرجة كبيرة في كل حالة. ومع ذلك, كان الاعدام أو السجن مدي الحياة و الانقلاب من نصيب الغالبية الساحقة منهم, لأن الملأ العالمي والمحلي ضاقا ذرعا بسياساتهم الاصلاحية "فصححا"خطأ الانتخاب بالانقلاب
نبدأ علي بركة الله القسم الختامي بتلخيص ماتقدم ثم ندلف الي النتائج. لكن بداية يتوجب أن أكرر أنني لست متفقها في الدين ولا منتميا لجماعة سياسية, وماأنا الا رجل تلقي تعليما غربيا وقضي جل حياته خارج موطنه الأصلي, فتكون عنده منظور مختلف, ربما لايتوفر لمن هو قائم ببلاد العرب لايبرحها
علي عكس مايصوره لنا اخواننا أصحاب نظرية المؤامرة, الغالبية الساحقة من البشر, بما فيهم الغربيون, يحركهم حب الدنيا وكراهية الموت, أي الرغبة في مزيد من المتع المادية البحتة التي لخصتها آية "زين للناس حب الشهوات" ولا يعيرون اهتماما للروحانيات, سواء الاديان التقليدية, او الماورائيات
يستوي في ذلك العامة/الدهماء و الصفوة/الملأ /الرهط المفسد, مع اختلاف بسيط, أن طموحات المجموعة الاولي محدودة (النساء, البنين, القناطير المقنطرة من الذهب والفضة, الخ) بينما تحلم المجموعة الثانية بالسيطرة علي العالم و فرض رؤيتها علي باقي البشر عن طريق استعبادهم والسيطرة عليهم.
من حسن حظ الشعوب المستضعفة أن العامة/الدهماء في البلاد المتقدمة يتبعون مبدا "عش ودعه يعيش" أي انهم يتقبلون المهاجرين من عرقيات أو أديان أخري برحابة صدر بين ظهرانيهم, وبالطبع لامانع عندهم أن يمارسوا أساليبا مختلفة في الحياة, طالما لم ينتهجوا نهجا عدوانيا تجاههم
لكن من سوء الحظ ان الملأ المتكبر في البلاد المتقدمة يقوم بعملية غسيل مخ مستمرة للدهماء, بغرض تحريضهم علي اتخاذ مواقف عدوانية تخدم هدف الملأ في السيطرة علي العالم, وتحول الدهماء الي جند مطيع لخدمة تلك الأهداف, التي غالبا ما تنضوي علي الاستيلاء علي مقدرات الشعوب المستضعفة
محاولة مقاومة استعداء عامة الغربيين ضد المسلمين عن طريق الاستثمار في بناء مراكز أبحاث غربية أو صحف متعاطفة مع العرب محكوم عليها بالفشل, اولا للتفاوت الرهيب في القدرات الاعلامية وثانيا لأن التاريخ يعلمنا أن أمثال تلك المحاولات لم تؤت ثمارها المرجوة سابقا, فلاداعي للحرث في البحر
الأسلوب المفضل للملأ المستكبر في الغرب للسيطرة علي الشعوب المستضعفة هو عن طريق استنساخ ملأ مستكبر محلي, تضاهئ ثقافته ثقافة الغرب, وترتبط مصالحه الاقتصادية بمصالح الغرب, ثم يتخذ هذا الرهط المفسد أعوانا مقابل جعل أقل, وهكذا دواليك ينشأ المجتمع الجاهلي الذي يدوس فيه القوي الضعيف
نفس الأسلوب يتبعه الملأ المستكبر للسيطرة علي الدهماء في بلاد الغرب, ولكنه يضيف غلالة رقيقة من الديمقراطية الزائفة, ينخدع بها ضعاف العقول لاعتقادهم أنهم يشاركون في حكم بلادهم عن طريق انتخاب ممثليهم النيابيين, بينما في الواقع هؤلاء يمثلون مصالح الرهط المفسد بشكل او بآخر
في عدد قليل من البلاد المستضعفة, طبق النظام الديمقراطي علي فترات متباعدة, وعلي الرغم من مثالبه وخوائه كما تقدم, الا أنه مكن عددا قليلا من القادة السياسيين الممثلين لمصالح شعوبهم بحق أن يصلوا لسدة الحكم, ولكن في النهاية أطاح الملأ بمعظمهم أو أعدمهم او اغتالهم
ماالحل اذن؟
مناطحة الملأ المستكبر في بلاد الغرب علي طريقة القاعدة التي حطمت برجي التجارة وهاجمت المدمرة كول وفجرت السفارات الأمريكية في افريقيا اسلوب فاشل تماما, أولا للتفاوت الرهيب في القوة بين الطرفين, وثانيا لأنه لن يزيد الدهماء الغربيين الا التفافا حول قياداتهم مما يقوي شوكتهم
القيام بهجمات منفردة علي آحاد الغربيين من قبل المهاجرين المسلمين المقيمين في بلاد الغرب كما نادي به زعماء داعش سيؤلب عامة الغربيين ضدنا أكثر, ولن يؤتي نتيجة تذكر, اضافة لحرمته دينيا
محاولة "توعية" عامة الغربيين بجرائم قادتهم المستكبرين, وهي الحرب الاعلامية التي يصدعنا بها نشطاء الفيسبوك والتويتر صباح مساء لن تؤتي ثمارها, لهيمنة وتفوق الاعلام الغربي من ناحية, وميل لمواطن الغربي العادي لتكذيب المصادر الاجنبية غير الموثوقة للأنباء
التنافس في الاستحقاقات الرئاسية والبرلمانية في بلاد المستضعفين, وهي ماركز عليه الاخوان خلال الحقبتين الاخيرتين اسلوب غبي تماما, لأن الرهط المفسد المحلي هو من يضع قواعد الانتخابات, فمن غير المنطقي أن يسمح بوصول أعدائه للحكم. وماحدث بمصر وتونس ليس منا ببعيد
الحل الوحيد الناجع كما أراه هو استئصال الرهط المستكبر المحلي بالقوة استئصالا شاملا لايبقي ولايذر, ثم احلال حكومة تمثل مصالح الجماهير المستضعفة. لاحظ أنني لم اذكر لفط "مسلمين" وانما "مستضعفين" لأن الاستبداد يصيب المسلمين وغيرهم باستضعاف طائفة منهم, ولكن طريقة العلاج واحدة
دعونا نستعرض بعض الأمثلة الناجحة لهذا الاسلوب الثوري في التغيير
ثورة لينين البلشفية في روسيا و ماوتسي دونج الشيوعية في الصين أبادتا ابادة شبه كاملة الملأ المستكبر الذي أفسد وظلم واستباح, لدرجة أن الشيوعيين اعدموا كل آل رومانوف بمافيهم الأطفال, ولم تنج الا الأميرة انستاسيا التي صنع عنها عدة أفلام
ثورة الخميني الشيعية التي ظلت تعدم رجالات الصف الثالث والرابع في نظام الشاء لسنين طويلة بعد أن قضت علي الصف الأول والثاني في الاسابيع الاولي, ثم فككت الشرطة والسافاك وأنشأت ميليشيا لحماية النظام الجديد (الحرس الثوري)
لذلك أسلوب الجماعات الجهادية الصدامي مع الملأ المستكبر المحلي اسلوب منطقي, لأن الأخير لن يتنازل عن السلطة طوعا, فلابد من المغالبة. لكن الاشكالية هي طريقة التنفيذ
فشل الدولة الاسلامية في الاحتفاظ بالاراضي الشاسعة التي سيطرت عليها عام 2014 في سوريا والعراق يرجع بالدرجة الأولي الي تكالب كل الأنظمة الاستكبارية عالميا ومحليا ضدها من ناحية, اخفاقها في كسب قلوب المستضعفين في أراضيها الجديدة.فمن منا لايذكر كيف تحولت عشائر البوعيثة والبونمر لصحوات
لاأعرف بالضبط ماهي أنجع التكتيكات حاليا, لكن كاستراتيجية يجب أن تكون مواجهة الملأ المستكبر واستئصاله تماما الهدف الأساسي لأي حركة جادة في الاصلاح
بعض ملاحظات ختامية من خلال نقاشاتي مع محللين غربيين يعرفون كيف تفكر قيادات الملأ المستكبر
موارد الدخل المتجددة والمستقلة, أكثر قدرة علي الصمود من مصادر سريعة النضبان. مثلا, داعش دوخت اجهزة مقاومة تمويل الارهاب لاعتمادها علي بيع النفط و جني الضرائب في المدن التي "فتحتها" بعكس القاعدة الذي اعتمد بالاساس علي التبرعات التي يمكن عرقلتها بكل سهولة
بنفس المنطق, كل العقوبات الرهيبة علي ايران فشلت في تركيعها, لأنها تعتمد علي بيع النفط للصين وبريا عن طريق أفغانستان, بعكس ليبيا القذافي مثلا, التي خرت ساجدة أمام أمريكا وفككت برنامجها النووي تماما
دولة واحدة ذات جيش واستخبارات و موارد اقتصادية وشعب ملتف حول القيادة أكثر اخافة للملأ المستكبر من ألف تنظيم. أحد قادة الموساد قال أنه من السهل علي اسرائيل اختراق أي تنظيم كداعش مثلا قبل أن يصل للحدود, لكن مع دولة مثل ايران "it's a totally different animal"
الاختلافات الطائفية بين السنة والشيعة او حتي داخل السنة بين السلفية والاشعرية والماتريدية, الخ قد تبدو لنا عميقة وحقيقية ولاتعبر, لكنها بالنسبة للغربيين مضحكة. المهم عندهم هو هل جماعتك/دولتك تقاوم مشروعهم وتتحدي قيادتهم للعالم أم لا. اذا كانت الاجابة بنعم فأنت عدو مهما كان دينك
لذا أي شخص او جماعة تهاجم مشروعا لبناء دولة مستقلة عن الغرب وقوية عسكريا ويمكنها تحدي "ارادة المجتمع الدولي" تحت دعوي أنها تتبع المذهب الخطأ أو تتهاون في السنن أو لاتقيم الحدود بشكل كامل هو اما شخص مغرض أو جاهل ويجب التصدي له
بناء التحالفات مهم جدا للنصر في اي معركة او حرب. انظر كيف بنت امريكا تحالف الشمال في افغانستان من اوزبك و تاجيك و هزارة و بعض البشتون ضد طالبان البشتونية, مع عدم وجود اي عامل مشترك بينهم. نفس الشيئ بين بشمرجة بارزاني وطالباني وجماعات الشيعة المختلفة ضد سنة صدام وبعدها سنه داعش
لو نظرنا للساحة, سنجد أن هناك جماعة أو تنظيم أو دولة تطبق واحدا أو أكثر من تلك الوصايا, لكن مع الأسف اختلافاتها المذهبية وتناحرها يمنع كلا منها من الاستفادة من زخم الآخر
الاخوان مثلا لديهم تغلغل رائع علي مستوي القاعدة الشعبية, لاسيما للطبقة المتوسطة والمغتربين, حيث تسيطر الجمعيات التي أنشأوها في اوروبا وامريكا علي قلوب وجيوب المسلمين بالخارج عن طريق المساجد التي يسيطرون عليها, لكنهم يضيعون كل زخمهم بتركيزهم علي الانتخابات التي لاطائل من ورائها
الدواعش يعرفون الطريق الصحيح, طريق المواجهة والاستئصال, لكنهم يهدرون زخمهم بتعصبهم الأعمي ضد من يخالفهم الرأي, وتكفيرهم لغير السنة, وضعف وانعدام قدرتهم علي المفاوضات او بناء التحالفات, وفشلهم في خلق حاضنة شعبية تحمي ظهرهم وتمدهم بالمال والمؤن وقت المعركة
اردوغان, مناور جيد استطاع أن يسيطر علي دولة قوية لها جيش كبير واقتصاد ضخم, كما أنه بدغدغة مشاعر السنة أعطي للملايين أملا في الوحدة مرة أخري. لكنه يتخذ موقفا غبيا من الجهاديين و يقضي عليهم دون مبرر كما حدث بالباب, استجابة للضغوط الغربية, ولو أنه نسق معهم (ولو سرا) لكان خيرا له
ايران, قدمت النموذج الوحيد الناجح في منطقتنا حتي الآن لثورة شعبية ناجحة استئصلت تماما النظام السابق وواجهت الحروب و العقوبات بشكل مستمر تقريبا منذ وصولها للحكم, بل وبنت ميليشيات امتد زخمها للبنان واليمن والعراق. لكن فشلها في تأليف قلوب السنة و جرائمها ضدهم بسوريا بدد كل انجازاتها
ولهذا أنا لي رأي قد يبدو مضحكا في موضوع المهدي الذي يشغل عقولنا جميعا هذه الأيام. أنا أتصور أن الاضافة الحقيقية التي سيقدمها لنا (او يقدمها لنا الله من خلاله) هو توحيد صفوفنا جميعا, بحيث تختفي المذاهب والفرق والجماعات كلها وتنصهر كلها تحت رايته التي يتجه بها من الحجاز الي الشام
أما كيف يفعل ذلك؟ الله أعلم طبعا, لكن كما أن فارس الأحلام يختلف بنظر كل فتاة, فان صورة البطل المخلص تختلف كذلك في مخيلة كل منا. فمن يجعل الغيبيات وعالم الجن والملائكة محور حياته ربما يتصوره كولي من أولياء الله الصالحين يجري الله علي يديه الخوارق
ومن يعلي من شأن الجهاد و يعتبره ذروة سنام الاسلام ربما يتصوره قائدا عسكريا فذا كخالد بن الوليد او صلاح الدين مثلا
ومن اختار أن يغرق حتي اذنيه في المذهبية ربما رآه مطوعا يحارب البدعة ويحمل الناس علي اتباع السنة كمحمد بن عبد الوهاب, أو بالمقابل, ربما رآه قائما لآل محمد ينتقم لثارات الحسين و يعيد الأمر لعترة رسول الله
أما أنا بعقليتي الطبيعية Naturalistic التي تميل لرؤية ابي حامد أن "الطبيعة كلها معجزة وكل المعجزات طبيعية" فأراه كقائد سياسي محنك يؤلف بين قلوب المسلمين ويوحدهم علي المحجة البيضاء ثم يقودهم للأرض المقدسة, بعد أن يحمل معه عمود الكتاب من الحجاز حتي لاتكون فتنة ويكون الدين كله لله
فضلا لا أمرا رتب هذا الثريد ولكم جزيل الشكر @rattibha
جاري تحميل الاقتراحات...