أدرك أن ترويض الجسد يصقل الروح كما يصقل السيّافُ سيفَه، والزّجّاجُ مرآتَه، وأدرك أسرار شهر الرحمة كما يدركها الذين صاموه وناموه!
وداعاً رمضان يا أبهى الفرص، ويا خير العُروض، ويا أكرم المنح!
في داخل كل منا رمضان.. رمضان الشهر، ورمضان الأثر، ولولا هذا الأثر لطال على الرحيل نواحنا.
وداعاً رمضان يا أبهى الفرص، ويا خير العُروض، ويا أكرم المنح!
في داخل كل منا رمضان.. رمضان الشهر، ورمضان الأثر، ولولا هذا الأثر لطال على الرحيل نواحنا.
ها هو يحزم حقائبه استعدادًا للرحيل، مضى شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن، لقد مرّ مثل لمح البصر.
أيام معدودات كانت القلوب فيها مثل كواكب مشرقة بذكر الله وبتلاوة القرآن وبتدبر آياته،
أيام معدودات كانت القلوب فيها مثل كواكب مشرقة بذكر الله وبتلاوة القرآن وبتدبر آياته،
عشنا أوقاتًا في الشهر الفضيل نحسبها أيامًا من الجنة بسكينتها وطمأنينتها وروحانيتها وعبق الإيمان الذي يملأ الصدور، تنافس فيها المؤمنون على الصلوات والصدقات وإغاثة المحتاجين، وكفكفة دموع المساكين.
في كل مرةٍ يحل رمضان، يكون مثل المحطة التي يقف عندها ضجيج العالم، السباق المحتدم حول الدنيا ومشاغلها.
السعي الحثيث حولها، انسكاب العمر على عتباتها، تشتت الأذهان من جراء الركض خلفها، فيأتي رمضان ليوقف كل هذه الضوضاء ليعيد لنا اتزاننا، ويرتب دواخلنا، وينير قلوبنا، ويملأ صدورنا رحمةً ورقةً وسكينة.
من أين أبتدئ؟ ومن أين أتحدث؟ هل أبدأ من باب الريان الذي يتحلق حوله الصائمون مستبشرين بوعد الله لهم؟ أم أبدأ من أكف التضرع والخضوع لله سبحانه وتعالى؟
ماذا عن اصطفاف المصلين قيامًا في ليالي رمضان يتعرّضون لنفحات خالقهم يرجون رحمته ويخشون عقابه؟ أم أكتب عن الصائمين وهم يطوفون فيما بينهم يتفقدون ضعيفهم، ويطعمون جائعهم، ويكسون عاريهم، مثلهم كما قال المصطفى ﷺ: «كمثل الجسد الواحد».
لقد كان رسول الله ﷺ في رمضان أجود الناس وأبرّهم وأتقاهم، وأكثرهم خيرًا وطاعةً وعبادة، وهذا ابن عباس رضي الله عنهما يحدثنا عن حال رسول الله في رمضان ويقول: «كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل،
وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلَرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة».
في شهر الرحمة مشاهد ربانية يتساوى فيها الناس جميعًا.. تمامًا كالمَشاهد في الحج الأكبر، لا فرق بين عربي وأعجمي، ولا أبيض وأسود، ولا غنيٍّ وفقير، الجميع كأسنان المشط.. يعطشون معا، يجوعون معا، ويتجنّبون ما حرم الله معاً.
في خير الشهور تربيةٌ للنفس والروح والجسد، وتهذيبٌ للنفس الأمارة بالسوء على ما حرم الله بإرغامها على تجنب ما أحل الله من ملذات المطعم والمشرب ومعاشرة الزوجات حتى تنصاع لأمر لله وتسير على نهجه.
وشهر الرحمة يشد رحاله أشعر أننا في وداعِ عزيز!
ما أقسى أن نتفقد روحانيات اعتدنا عليها.. قوافل المصلين الصائمين والعاكفين، عجبًا يا شهر الرحمات كيف تسكن القلوبَ بعمق ثم ترحل عنها بسرعة، وكأنك ضيفٌ خفيف ما لبث أن يستريح قليلًا حتى هم بالمغادرة؟!
ما أقسى أن نتفقد روحانيات اعتدنا عليها.. قوافل المصلين الصائمين والعاكفين، عجبًا يا شهر الرحمات كيف تسكن القلوبَ بعمق ثم ترحل عنها بسرعة، وكأنك ضيفٌ خفيف ما لبث أن يستريح قليلًا حتى هم بالمغادرة؟!
«يا شهرُ كم لي فيكَ مِن إشراقةٍ
تَطوي الظلامَ وتَنشُرُ الأعراسَا
أنبتَّ بالتقوى شِعَابَ قلوبِنا
وسَقَيْتَ بالآيِ الكرامِ غِراسَا
نَفحاتُكَ الغَنَّاءُ رِفْدُ سعادةٍ
تَستنزِلُ الرحَمَاتِ والإيناسَا
تَطوي الظلامَ وتَنشُرُ الأعراسَا
أنبتَّ بالتقوى شِعَابَ قلوبِنا
وسَقَيْتَ بالآيِ الكرامِ غِراسَا
نَفحاتُكَ الغَنَّاءُ رِفْدُ سعادةٍ
تَستنزِلُ الرحَمَاتِ والإيناسَا
ونسائمُ الأسحارِ تَذهبُ بالضَّنَى
وتُهَدهِدُ الوِجدانَ مما قاسَى
و بكلِّ سانِحَةٍ مَآثِرُ سُنَّةٍ
مِن نُورِ أحمدَ أشرقَت نِبْراسَا
وتُهَدهِدُ الوِجدانَ مما قاسَى
و بكلِّ سانِحَةٍ مَآثِرُ سُنَّةٍ
مِن نُورِ أحمدَ أشرقَت نِبْراسَا
وهذا حال أبي الحسنين سيدنا علي رضي الله عنه، كان يُنادي في آخر ليلة من رمضان: «يا ليت شعري، مَن المقبول فنهنيه، ومن المحروم فنعزيه؟»
والرابح منا من خرج من رمضان ليس كما دخل فيه،
والرابح منا من خرج من رمضان ليس كما دخل فيه،
ومن عهد من نفسه صلاحًا في رمضان،ألّا يركد عزمه،وتبرك همته،بل يجالد النفس والهوى،ويغالب الدنيا وشهواتها باجتناب ما حرم الله،والتقرب له بالعبادات والطاعات.
قيل لبشر الحافي:أن قومًا يتعبدون في رمضان ويجتهدون في الأعمال،فإذا انسلخ تركوا!
قال:بئس القوم قوم لا يعرفون الله إلا في رمضان!
قيل لبشر الحافي:أن قومًا يتعبدون في رمضان ويجتهدون في الأعمال،فإذا انسلخ تركوا!
قال:بئس القوم قوم لا يعرفون الله إلا في رمضان!
طوبى لمن عاش فيه رمضان طوال العام، وترك فيه روحانية باقية، وطمأنينة تتغلغل داخل الروح كأنها جزء كيانه أودعها الله فيه.
قفلة:
ويأبى الله إلا أن يجبر خواطرنا بأيام عيد، فبعد أن أمر أيام الرحمة بالرحيل كذلك أمر العيد أن يحط رحاله!
علم الله صدقنا فواسانا، وعلم ألمنا فداوانا، فما ندري نعزي أنفسنا بالرحيل، أم نهنئ أنفسنا بقادم جديد!
هي نعم من الله لا يحصيها عد، ولا يفيها شكر، فاللهم لك الحمد أبدا أبدا.
ويأبى الله إلا أن يجبر خواطرنا بأيام عيد، فبعد أن أمر أيام الرحمة بالرحيل كذلك أمر العيد أن يحط رحاله!
علم الله صدقنا فواسانا، وعلم ألمنا فداوانا، فما ندري نعزي أنفسنا بالرحيل، أم نهنئ أنفسنا بقادم جديد!
هي نعم من الله لا يحصيها عد، ولا يفيها شكر، فاللهم لك الحمد أبدا أبدا.
جاري تحميل الاقتراحات...