الأضداد/Enantiosemy من الظواهر اللغوية الغريبة، وهي أن تدل الكلمة الواحدة على معنيين متضادين. وقد رأيت لبعض المتعالمين موقفين متضادين من هذه الظاهرة. فبعضهم ينكرها تماما،ويزعم أنها من اختلاق النحاة العرب. وآخرون يحتفون بها ويرون أنها من خصائص العربية التي تنفرد بها عن بقية اللغات
وكلا الموقفين خاطئ، فهي ظاهرة معروفة في كثير من اللغات، وربما تكون من الظواهر الكلية في المعجم. فليست من اختلاق النحاة، كما أنها ليست خاصة بالعربية. ولها أسباب متعددة، ولكن من أهمها أن يكون للكلمة معنى عام وغامض، ثم تتطور إلى معنيين متفرعين من ذلك المعنى العام.
ومن أشهر أمثلة الأضداد في العربية كلمة ’القرء‘ التي تدل على الطهر والحيض معا. والحق أن الكلمة في أصل معناها تدل على الوقت المعلوم، ثم تدل على أحد المعنيين الفرعيين بالتبعية بحسب ما يقصد مستعملها. وقد نص على ذلك الشافعي، فقال إن ’القرء‘ في أصل اللغة هو الوقت، وخصصه بالطهر بالسنّة.
ومن أمثلتها الأخرى كلمة (أجفأ الباب) أو (جفأ الباب) فذكر بعض اللغويين أنها تعني (أغلق الباب)، وذكر آخرون أنها تعني (فتح الباب)، فتكون بذلك من الأضداد. وأما في لهجتنا فنقول (أجف الباب)، وتدل على معنى بين المعنيين، وهو أن يرد الباب ردا مواربا فلا يغلقه بالكلية ولا يفتحه بالكلية =
وربما يكون هذا هو أصل معناها، ثم أصبحت تستعمل لإغلاق الباب شيئا ما حينما يكون مفتوحا تماما، أو لفتحه شيئا ما حينما يكون مغلقا تماما، فتطور هذان المعنيان من معناها العام، وأصبحت من الأضداد، عند من لم يعرف معناها الأصلي.
ومن أمثلة الأضداد في اللغات الأخرى كلمة (RENT) في الإنجيزية التي تعني (استأجر) و(أجّر) في الوقت نفسه، ويتحدد المعنى المقصود بحسب الاستعمال، ومن أمثلتها في الفرنسية كلمة (HÔTE) التي تعني (الضيف) و(المستضيف)، ويتحدد المقصود منهما بحسب الاستعمال..والله أعلم.
ومن أمثلة الأضداد في الإنجليزية كلمة (dubious) التي تعني الشيء ونقيضه، فهي تعني (مرتاب) و(مُرِيب) معا، أي الذي يشعر بالريبة في نفسه، والذي يثير الريبة في نفس غيره..والسياق هو الذي يحدد المقصود منهما...وهي ظاهرة عليها أمثلة كثيرة في لغات شتى..وربما تكون من الظواهر المعجمية الكلية.
وقد اعتنى علماء العربية بالأضداد وألفوا في هذه الظاهرة العجيبة عددا من الكتب المهمة، ومنها: كتاب الأضداد لقطرب، ولابن السكيت، ولأبي حاتم السجستاني، ولأبي الطيب اللغوي، ولابن الدهان، ولابن الأنباري..وكلها مطبوعة منشورة.
وفي مناقشة ابن الأنباري لهذه الظاهرة فوائدة جمة تنم عن وعي لغوي متقدم إذ ربطها بعدد من الظواهر اللغوية الأخرى كالترادف، واللبس المتأصل في اللغة، وأهمية السياق في تحديد الدلالات المقصودة فيما يحتمل أكثر من معنى في أصل البنية اللغوية..فرحم الله علماء العربية، فكم لهم من سبق وفضل!
جاري تحميل الاقتراحات...