عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

21 تغريدة 102 قراءة May 06, 2021
لا أعلم فاكهةً أجملَ ولا أنظرَ من الرُمّان، ولولا أن أُنسبَ إلى المبالغة لقلت إنّها سقطت من الجنّة فتلقفناها، وإنّنا لم نُمنَحَها للأكل وإنّما لنُشبِّه بها الأشياء الجميلة. ها هنا تطوافٌ في جماليات الرُمّان، من جدّنا أوس بن حجر إلى أمنا شهرزاد.
رُوي أنّ الأصمعي سأل رؤبة بن العجّاج عن شَنَب الأسنان ما هو، فأخذ رؤبة حبّة رُمّان وأومأ إلى بصيصها. أنا مغرمٌ جدًا بالخبر لأسباب أهمها أنّ السائل عالمٌ والمسؤول شاعر، وهذا يخالف المعتاد في عصورنا المتأخرة، ولعلّ العجب يزول إن علمت أنّ أرجاز رؤبة ووالده تحوي نصف اللغة من الغريب.
ومغرمٌ أيضا لأنّ رؤبة أجاب على السؤال بإيماءة، والإيماء عند أهل السيميوطيقا علامةٌ حاله حال الكلام. كان بإمكانه أن يستفيض في شرح ما يُقصد بالشَنَب فيقول إنّه ماء الأسنان وبردها ولمعانها، لكنه لن يكون أفصح منه حين تناول حبة رمانٍ وأومأ إليها. يا لدقة التشبيه! يا لفصاحة الإيماءة!
إن شُبّهت الأسنان بحبِّ الرُمّان نضدًا وبصيصًا، فحريٌ أن يُشبَّه ريق المحبوبة بما يتخلل الرُمّانةَ من العصير. يقول الجاهلي أوس بن حجر يصف ريق محبوبته: كأنّ ريقَتها بعد الكرى اغتبقتْ * من ماءِ أصهبَ في الحانوتِ نضّاحِ * أو من معتّقةٍ ورهاءَ نشوتها * أو من أنابيبِ رُمّانٍ وتفّاحِ.
ما قرأت البيتين السابقين إلا ووجدت طعم الرُمّان في فمي، حتى إنني أخشى على صيامك من حلاوتهما. ورغم أنّ التفاحَ أولى بالتمثّل لأنه قافيةٌ وينتهي به البيت، إلّا أنني لا أجد طعمه في البيتين كما أجد الرُمّان، ربما لكَلَفي بالأخير، أو لأنّ معنى التخلل أشبه بتكوين الرُمّانة!
أما أكثر التوظيفات ذيوعًا فذاك الذي يشبّه النهود بالرُمّان، يقول المتنبي: وقابلني رُمّانتا غصن بانةٍ * يميل به بدرٌ ويمسكه حِقفُ، ويقول النابغة الذبياني: فآبَ بأبكارٍ وعُونٍ عقائلٍ * أوانس يحميها امرؤ غيرُ زاهدِ * يخطّطن بالعيدان في كل منزلٍ * ويَخْبَأنَ رُمّان الثُّديّ النواهدِ.
وما دمت في سيرة المتنبي والنابغة، سأذكر شيئا يملأ صدري عليهما. لبثت زمنا أعدّ المتنبي أقلّ الشعراء ذوقا لأنه يخلط رثاءه بالغزل، إلى أن قرأت مديح النابغة لزعيم كلابي أطلق سبايا قومه. لقد أحسن حين وصف حيرتهنّ في الأسر، لكن ما باله يصف نهودهنّ! اذهب يا نابغة فأنت أقلّ الشعراء ذوقًا!
ليس التشبيه بالرُمّان حِكرًا على الشعراء، بل إنَّ أهل الحديث يستعملونه أيضًا. روى عمرو بن شعيبٍ عن أبيه، عن جدّه، قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم والناس يتكلمون في القَدَر، فكأنما يُفقأ في وجهه حبُّ الرُمّان من الغضب، فقال: مالكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض، بهذا هلك من كان قبلكم.
رأينا فيما سبق كيف أنّ الرُمّان فاكهةٌ فردوسيّة، يلجأ إليها العاشق كي يصف أجمل ما يزدهيه في معشوقه، فما بالك إن كان الواصف صحابيًا، وما بالك إن كان الموصوف رسول الله ﷺ، وما بالك إن كانت حاله الموصوفة إبّان غضبه؛ شيءٌ يتحرّج منه الواصفون لولا أنّ المُشبَّه به من فواكه الجنّة!
إن كان الرُمّان فاكهةً علويّةً في الإسلام، فهي لا شكّ فاكهةٌ سفليّة في الموروث اليوناني؛ يُروى أنّ بيرسفوني بعد أن اختطفها هادس وسعت أمها في خلاصها، اضطُرّت للعودة إلى العالم السفلي لتقضي هناك ستة أشهر من كل عام جرّاء تناولها ست حبات رُمّان وهي بالأسفل.
أما أجمل التوظيفات كافّة فذاك الذي يرد على لسان شهرزاد في «حكاية الصعلوك الثاني» كما تُسمّى في بعض نسخ «ألف ليلة وليلة»، أو «حكاية القرندلي الثاني» كما تُسمّى في نسخ أخرى، وليغفر لي القارئ لو استرسلت، فأنا مفتونٌ بهذه الحكاية.
تحكي شهرزاد ما جرى لأحد الأمراء أثناء سفره إلى ملك الهند، وكيف قُطعت طريقه وانتهى صعلوكًا، ثمّ كيف حاول تخليص فتاةٍ اختطفها عفريتٌ ليلة زفافها، وما حصل له من الانتقام والمسخ إلى أن انتهى قردًا عند أحد السلاطين، ثمّ كيف عرض السلطان هذا القرد الذي يحسن الكتابة والشطرنج أمام ابنته.
وكما يحدث في أكثر قصص ألف ليلة وليلة، ما إن رأت الصبيّة القرد حتّى غطّت وجهها مستنكرةً كيف يخرجها والدها إلى الرجال، ثم أخبرته أنّ القرد أميرٌ ممسوخ، وأنّ العفريت جرجيس ابن رجموس بن إبليس غريمه الذي مسخه، ولولا أنها نشأت تحت عجوز علّمتها سبعين بابًا من السحر لما اهتدت إلى ذلك.
يطلب السلطان من ابنته إرجاع القرد إلى صورته الآدميّة فتقبل. تأخذ سكينًا مكتوبٌ عليها بالعبرانية وتخطّ دائرةً وتتمتم وتعزم. يعلو الغبار بعد ساعة فإذا بالعفريب على هيئة أسد. يصرخ: يا خاينة خنتي اليمين! ألم نتعاهد ألا يعرض أحدنا للآخر؟ تردّ عليه: اخسأ يا كلب، وهل لك عندي يمين!
ثمّ تنشب معركة، فإذا بالعفريت كلما فتح بابًا فتحت له الصبيّة بابًا أعظم: يتحوّل أسدًا فتتحوّل سيفًا، يتحوّل عقربًا فتتحوّل حيّةً، يتحوّل قطًا أبلق فتتحوّل ذئبًا أسود، ثمّ يحدث التحوّل الأكثر غرابةً -وهو شاهدي- إذ يتحوّل العفريت رُمّانةً وتتحوّل الصبيّةُ ديكًا أفرق.
يقفز الديك على الرُمّانة فتسقط ويتناثر حبّها، التقط الحبَّ حتى لم تبق غير حبّة واحدة اختفت أسفل الفسقيّة. طفق يصيح ويرفرف ويشير إليها بمنقاره دون أن يفهم عليه أحد، ثمّ إذا بالحبّة تتحوّل سمكةً والديك حوتًا، ثمّ غابا في ماء الفسقيّة واستمرا يتصارعان ساعتين إلى أن خرجا شعلتيّ نار.
ينفخ العفريت من منخريه وعينيه وفمه فيحترق وجه السلطان ويفقد القرد عينه ويموت الخادم. تكبّر الصبيّة فإذا بالعفريت كومة رماد، ثم تأتي بطاسة ماء ترّشها على القرد فينقلب بشرًا، ثم شرعت تصرخ: النار النار يا أبي أنا ما بقيت أعيش، ولو كان من الإنس لقتلته، وما تعبت إلا وقت فرط الرُمّانة!
تنتهي القصة على هذه النبرة اللذيذة من الأسى والخرق، فالسلطان لا يستطيع لوم القرد وهو من اقترح على ابنته مواجهة العفريت، والقرد لا يستطع الفرح بنجاته بعد أنّ فقد عينه وجرّ المصائب على منقذيه. يذكّرني العفريت والصبيّة والرُمّانة والديك بقصةٍ ساقها الجاحظ في كتابه «الحيوان» =
مفادها أنّ الأمين بعث بجراب سمسمٍ إلى أخيه المأمون، كأنّه يخبره أنّ عنده من الجنود بعدد ذلك الحبّ، فبعث المأمون إليه بديكٍ أعور، يريد أنّ قائده طاهر بن الحسين -وكان أعور- يقتلُ كلَّ هؤلاء. هذا ما أدعوه «صراع المجازات»، وهو يشبه منطق التحوّلات بين العفريت والصبيّة.
والآن قل لي: ألا تشتهي رُمّانةً تشرب عصيرها وتتفكّه بها بعد الإفطار؟ لو كنتُ أفهم بالتجارة لفتحت محلّ رمّان بجانب دارك، أنا على يقين أنك ستبادر إلى الفكهاني وتشتري كيسًا أو كيسين بعد قراءتك التغريدات. لكني لست تاجرًا ولا أدبّر المال، بل قلندريٌ عديم النفع بضاعتي الكلام.
لكن تذكّر: إياك ثمّ إياك أن تضع الرُمّانة على طرف الطاولة أو النافورة أو الفسقيّة كي لا تسقط ويتناثر حبّها، فلربما مرّ لغويٌ التقطها للإبانة والشرح، ولربما مرّ عفريتٌ اختبأ في إحداها، ولربما مرّت ربّة البيت بعد أن فرغت من إعداد الإفطار لترى الحبّ منتثرًا، صدقني عندها لن تنجو.

جاري تحميل الاقتراحات...