فهد راشد المطيري
فهد راشد المطيري

@FahadRashedBlog

15 تغريدة 115 قراءة May 04, 2021
1.هذه السلسلة هي مجرد خواطر حول علم المنطق، أحاول من خلالها أن أصل إلى ثلاثة أهداف: (١) توضيح بعض المفاهيم الأساسية، (٢) إزالة اللبس عن مفاهيم أخرى، (٣) تأمّل علاقة المنطق بأشياء أخرى.
2.ما المنطق؟ هناك تعريفات كثيرة، لكن بشكل عام وغير مُخلّ، المنطق هو ميدان يختص بدراسة القوانين التي تحكم الاستدلال السليم. لكن ما الاستدلال؟ هذا المفهوم يحتاج كمقدمة إلى التطرق لمفاهيم أخرى مثل القضية والحجة.
3.القضية هي المعنى الموضوعي لجملة لها قيمة صواب، إما صحيحة أو خاطئة، فمثلا، جملة "الحكومة فاشلة" تعبّر عن قضية، لكن جملة "كم الساعة؟" لا تعبّر عن قضية، فبإمكانك الاختلاف معي حول فشل الحكومة، لكن لا معنى لاختلافك معي حين أسألك: "كم الساعة؟".
4.الحجة هي علاقة بين مجموعة من القضايا، بحيث تقوم بعضها مجتمعة بوظيفة "المقدمات"، ويقوم بعضها الآخر بوظيفة "النتيجة"، فمثلا: "كل اللصوص تجّار" و "مازن لص" قضيتان تقومان بوظيفة مقدمتين لو سلّمنا بصحتهما، ينبغي أيضا التسليم بصحة النتيجة المنبثقة عنهما، وهي: "مازن تاجر".
5.مفهوم "الحجة"، على العكس من مفهوم "القضية"، لا يخضع لمعيار الحقيقة، فلا يصح أن نقول "هذه حجة صحيحة أو خاطئة"، بل "هذه حجة سليمة أو غير سليمة"، والسلامة هنا مرتبطة بمشروعية الانتقال من المقدمات إلى النتيجة، وهذا الانتقال هو ما يُعرف باسم "الاستدلال".
6. الاستدلال إما سليم منطقيا أو غير سليم، وفي مثالنا السابق هو استدلال سليم. لماذا؟ ليس لأن المقدمّات صحيحة، فهي على الأرجح مقدمات خاطئة، بل لأننا أمام حجة خاضعة لقانون التعدّي، وهو قانون عقلي محض وغير مرتبط بمضمون القضايا في الحجة، لكن ماذا نعني بخضوع الحجة لقانون التعدّي؟
7.نعني أن المقدمة "مازن لص" تعني أن العنصر ج (مازن) ينتمي إلى المجموعة أ (مجموعة اللصوص)، والمقدمة "كل اللصوص تجار" تعني أن أ (مجموعة اللصوص) تنتمي إلى المجموعة ب (مجموعة التجار)، وبالتالي النتيجة "مازن تاجر" تعني أن العنصر ج (مازن) ينتمي أيضا إلى المجموعة ب (مجموعة التجار).
8.الاستدلال أنواع، أشهرها الاستنباط والاستقراء، والفرق بينهما هو في درجة اليقين المتعلقة بصحة النتيجة: إذا كانت النتيجة حتمية، فهو استنباط، وإذا كانت النتيجة محتملة، نكون أمام استقراء، ومثال الاستقراء: "أغلب المشاهير أغبياء" و "ترامب مشهور"، ولذلك "من المحتمل أن ترامب غبي".
9.في أحاديثنا اليومية، نسمع عبارة "كلام فلان منطقي"، وغالبا المقصود أن كلامه "صحيح"، لكن ليس من الضروري أن يكون المنطقي صحيحا، فالحجة المنطقية هي التي من المستحيل أن تكون نتيجتها خاطئة ومقدماتها صحيحة لأن استدلالها السليم يضمن انتقال صحة المقدمات إلى صحة النتيجة، لا أكثر ولا أقل
10.وفق هذا التعريف للحجة المنطقية، بالإمكان بناء حجة منطقية بحيث تكون مقدماتها خاطئة ونتيجتها صحيحة، أي بإمكاننا أن ننسف قاعدة "ما بُني على باطل فهو باطل"، فمثلا: من المقدمتين الباطلتين "كل المشايخ كائنات فضائية"و"كل الكائنات الفضائية بشر"، نصل إلى نتيجة صحيحة: "كل المشايخ بشر".
11.لا يهتم المنطق بمضمون القضايا بقدر اهتمامه بالعلاقات بينها، فهو مجرد نظام من الرموز، حين نضفي عليها معنى، نستطيع استخدامه كوسيلة لتقييم الأفكار، والعلم يستخدم المنطق والرياضيات (وكلاهما نظام من الرموز المجردة) من خلال إضفاء معنى عليها لربطها بالعالم من حولنا بغرض استكشافه
12.ماذا يعني إضفاء معنى على رموز مجردة؟ لننظر إلى التالي
س —> ص
~ ص.
————-
~ س
لسنا أمام حجة منطقية هنا، بل نحن أمام صورة لاستدلال سليم يقول
إذا كانت س صحيحة، فإن ص صحيحة
ص ليست صحيحة
—————————
س ليست صحيحة
وبمجرد الاستعاضة عن (س) و (ص) بقضايا محددة، نكون امام حجة سليمة.
13.هذه الصورة للاستدلال السليم هي وسيلة منطقية يلجأ إليها العلماء حين يثبتون خطأ فرضياتهم، فلو استعضنا عن (س) بالفرضية "تحطمت الطائرة في الجو بفعل انفجار"،واستعضنا عن (ص) بما يترتّب عليها، مثل:"حطام الطائرة مبعثر على الأرض لمسافات متباعدة"، نصبح أمام حجة منطقية تنفي صحة الفرضية.
14.فمثلا، ستكون ترجمة الرموز على النحو التالي:
إذا تحطّمت الطائرة في الجو بفعل انفجار، فإن حطام الطائرة مبعثر على الأرض لمسافات متباعدة، لكن بعد الفحص، تبيّن أن ليس من الصحيح أن حطام الطائرة مبعثر على الأرض لمسافات متباعدة، وبالتالي، ليس صحيحا أن الطائرة تحطّمت بفعل انفجار.
15.أخيرا، لولا اللغة لما استطاع الإنسان أن يبتدع العلم الحديث، ولا يقتصر السبب على إتاحة التواصل بين العلماء أو التعبير عن أفكارهم، بل لسبب أشد عمقا: حين يلجأ العلماء إلى الرياضيات والمنطق، يحتاجون إلى إضفاء معنى على رموز لا معنى لها خارج نظام مجرّد، وهذا لا يتم إلّا بفضل اللغة.

جاري تحميل الاقتراحات...