ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

28 تغريدة 549 قراءة May 01, 2021
ملايين مكدسة في صناديق أحذية، إنها جزء ضئيل من رشاوى ومستندات عثرت عليها الشرطة التركية في قصية فساد كبرى هزت أركان النظام، وطالت بتهمها قيادات ووزراء ونجلي أردوغان بل وأوردوغان ذاته..
ما القصة وإلى ما انتهت ؟
حياكم تحت🌹
كان صباحًا مختلفًا، اخترق أجواء الصمت المطبق وراح يخلخل كل شيء، عملية أمنية موسعة غير معتادة، داهمت الشرطة خلالها بأمر من المدعي العام منازل كثيرين من رجالات المال والأعمال والنخبة الحاكمة، الأمر الذي أسفر عنه احتجاز 52 شخصا بتهم الرشوة وإساءة استخدام السلطة وغسيل الأموال.
الصدمة تمثلت في كون بعض المحتجزين على ذمة هذه القضية أبناء لوزراء وهم: باريش جولر ابن وزير الداخلية وأغلو صالح شاغلايان، ابن وزير الاقتصاد، وعبد الله أوغوز بايراقدار، ابن وزير البيئة والتخطيط العمراني، فضلا عن سليمان أصلان المدير العام لبنك "خلق" الحكومي.
في القلب من هذه المداهمة احتجز رجل الأعمال التركي ذو الأصول الإيرانية رضا ضراب المقرب من أردوغان، والذي عثر في منزله على آلات عد نقود ووثائق وأموال رشوة مكدسة في صناديق أحذية، فيما صودرت مزيد من الأموال من منازل أصلان وجولر، قُدّر مجموعها بـ 17.5 مليون دولار.
مثلت هذه العملية التي تمت وفق دلائل قوية وتحقيقات مسبقة أجريت على مدار عام، مثلت فضحية مدوية وصدمة لم تكن في الحسبان لسلطة حاكمة لطالما تصدر في كلماتها عن خطاب ديني استعلائي، خطاب يحتكر لنفسه دومًا القيم والمبادئ والعدالة.
سخط شعبي واسع النطاق، اسطنبول تغلي تحت وقع هذه الأخبار الاستثنائية، والأنظار كلها تتوجه صوب المحكمة والتحقيقات، والتي قضت بتمديد اعتقال 26 شخصًا من بينهم ضراب وأصلان وأبناء الوزراء عدا ابن وزير التخطيط العمراني بايراقدار وآخرين ممن قضت بإخلاء سبيلهم.
كان متوقعًا من أردوغان رئيس الوزراء حينها أن يخرج إلى العلن لاحتواء الأمر وتقديم ما يضمن سيرًا نزيها للتحقيقات، لكن الأمر كان على العكس تمامًا، إذا استدعى لغة المؤامرات وقال نصًا "أن الأمر برمته مؤامرة قبيحة للغاية وحملةً لتشويه حكومتنا، يتم الترويج لها تحت ذريعة الفساد".
في تلك الأثناء أظهرت التحقيقات تورط رجل الأعمال الإيراني الأصل رضا ضراب في عمليات غسيل أموال وتهريب ورشى، حيث استغل الرجل إحدى الثغرات في العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، وقام بتسهيل بيع الغاز والنفط الإيراني إلى تركيا.
اعتمدت استراتيجية ضراب على أن تشتري تركيا النفط الإيراني، ومن ثم تودع أموال الشراء في حساب شركة البترول الإيرانية في بنك خلق التركي، ثم تُنقل الأموال إلى حساب شركة ضراب، الذي يشري بها ذهبًا، ثم عبر وسطاء كثر يُنقل الذهب إلى إيران أو يتم استعماله لاستيفاء صفقات أو ديون إيرانية.
أحيطت هذه العملية بالسرية، وساد فيها قدرا هائلا من العمولات والرشى موزعة على عدد من الوزراء والمسؤولين الأتراك وأبنائهم، حيث أظهرت التحقيقات على سبيل المثال تلقي محمد ظافر شاغليان وزير الاقتصاد حينذاك رشاوي بمجموع 50 مليون يورو، ووزير الداخلية بمقدار 6 ملايين دولار وغير ذلك.
في الوقت ذاته دافع أردوغان بضراوة عن المتهم قيد التحقيق رضا ضراب واصفًا إياه برجل الأعمال المحب للخير، والمساهم بجد وإخلاص في نماء الاقتصاد التركي، ووصف الملايين التي عثر عليها مكدسة في صناديق أحذية في منزله بأنها عبارة عن تبرعات لإنشاء مدرسة ثانوية للأئمة والخطباء.
غضب مجتمعي ظلل هذه الأخبار المتوالية، وهو ما دعا الوزراء الثلاثة المتورطين في هذه العملية وغيرها إلى الاستقالة بدفع وإرغام من أردوغان، لكن على ما يبدو فإن هذا الإرغام أزعج وزير البيئة الذي استقال وطالب أردوغان علانية بالتحلي بالمسؤولية هو الآخر والاستقالة من منصبه كرئيس للوزراء!
في يوم 25 ديسمبر 2013 حيث لم يكن مضى على عملية الاعتقال 7 أيام، فجر المدعى العام قضية فساد أكبر بكثير، حين أصدر قرارا باحتجاز 41 شخصًا متهمًا بالتلاعب بالمناقصات العامة وتعاطي الرشوة، لكن المفاجأة أن من بين المتهمين بلال وبراق أردوغان.
تكشفت القضية عن فساد بقيمة 100 مليار دولار في 25 مناقصة حكومية، متورط فيها وزراء وموظفين عموميين ونجلي أردوغان، وتضمن اتهام النيابة العامة أيضًا بيع أراضٍ عامة تبلغ قيمتها مليار دولار في الحقيقة بأقلّ من 460 مليون دولار، مما عرّض الدولة لخسارة تقدر بـ 600 مليون دولار.
في ظل حكم أردوغان انطوى قطاع البناء والعقارات في تركيا على كثير من الفساد، فبعد الخصخصة وبيع أصول حكومية تقدر بـ 54 مليون دولار، استحدث الطيب في بدايات حكمه مكتبًا تابعًا له مباشرة خاص بمبيعات الأراضي، وعبر هذا المكتب تم تخصيص وبيع قطع وعقارات لكثير من رجالاته المقربين.
من بين المقربين الذين أصبحوا أثرياء بشكل مبالغ فيه بل أصبح من أباطرة البناء في تركيا؛ أمر الله تورانلي، وهو أحد الأشخاص الذين شملتهم لائحة الاتهام، وليس من المصادفة أن يكون هذا الرجل صديق طفولة لرجب طيب أردوغان.
قبل هذا اليوم كان أردوغان يعلم جيدًا أن الأمور تزداد سوءً وأن النار ستطاله، لذلك عمد منذ اللحظة الأولى بعد الكشف عن القضية الأولى إلى عزل خمسة من مدراء الأمن، ثم توالى العزل والطرد والنقل في صفوف الشرطة حتى وصل عدد من شملهم ذلك في نهاية الأسبوع إلى ألفي شرطي.
حل محل المعزولين أفرادًا جددا يُظنُّ فيهم العمل بانسجام مع السلطة، ومع صدور قرار المدعي العام في قضية الفساد الثانية والتي من ضمن المتهمين فيها ابني أردوغان، رفضت الشرطة تنفيذ أوامره باحتجاز من نص عليهم قرار الاتهام، وحسب القانون استعيض بقوات الدرك للتنفيذ لكنها رفضت هي الأخرى!!
لم يكتف أردوغان بالوقوف أمام قرارات النيابة وعدم تنفيذها في سابقة خطيرة، بل قام بالتوغل في صلب السلطة القضائية وسحب ملف القضية الثانية من النائب العام معمر أكاش، وأحاله إلى نائبين آخرين مواليين له، كل هذا من أجل حماية نجليه اللذين اقترنا اسميهما بهذه القضية.
اهتزت الجمهورية التركية بهذه الإجراءات غير المسبوقة والتي اعتبرت وصمة عار في جبين السلطة، حيث تحدثت المعارضة تلك الفترة عن دولة القانون التي قضت نحبها على يد أردوغان، فيما طالبه آخرون بالسماح لنجليه بالذهاب للنيابة للتحقيق إذا كان بالفعل متأكدًا من براءتهما، وهو ما لم يحدث قط.
هنا بدأ أردوغان اختراع عدوه الجديد والذي وصفه بالكيان الموازي المتغلغل في عمق أجهزة الدولة التركية، وعنى بها جماعة فتح الله غولن أو الخدمة كما يطلق عليها أتباعها، ذلك الكيان نُسب إليه اختلاق كل هذه القضايا، وبناء عليه اعتقل عديد من رجال الشرطة والقضاء والجيش بدعوى التطهير.
نفى غولن المقيم في ولاية بنسلفانيا الأمريكية صلته بهذه القضايا تمامًا، بل وابتهل إلى الله إذا كان ما قام به المدعيين العامين يخالف روح الشريعة والنزاهة أن يخسف بهم وبه الأرض، وإن كان الأمر خلاف ذلك، بأن هناك من يتستر على الفساد ويدعمه، فليزلزله الله ويشتت شمله ويحرق عليه بيته.
تم وأد ملفات الفساد عبر طمس الأدلة وكثير من التغييرات في الجهاز القضائي والشرطي، وأقفلت صفحة هذه الأحداث بدفع من اعتقالات واتهامات معلبة لكل من يعارض السلطة بالإرهاب والتبعية للكيان الموازي، ومنذ تلك اللحظة طوت تركيا صفحة استقلال السلطات.
الوجه الأبرز لهذه الأحداث كان رضا ضراب؛ والذي أطلق سراحه بعد نحو شهرين من احتجازه، وعاد الرجل لممارسة أعماله بكل أريحية، فيما برئت ساحته قضائيًا عام 2015، بل ومنحته السلطات في نفس العام؛ لقب "أفضل مصّدر" في تركيا بحضور مسؤولين في الحكومة التركية.
بعد عام واحد فقط من هذا اللقب ألقت السلطات الأمريكية القبض على الرجل في فلوريدا ووجهت إليه اتهامات مع ٨ آخرين من بينهم وزير الاقتصاد التركي ظفر جاغلايان، بتهمة الالتفاف على العقوبات الأمريكية ومساعدة إيران، والتي قبع على إثرها في السجن مدة تصل لعشرين شهرًا، قبل أن تحدث المفاجأة.
ضراب الأب لطفلة حينها في السادسة من العمر، والذي كانت تنتظره عقوبة تصل لـ 95 عامًا حال الإدانة، قبِلَ أن يكون شاهدًا في القضية نظير الاعتراف بكامل تفاصيلها، حيث اعترف بتورط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في معاملات تشكل التفافا على العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران.
اعترف ضراب بدفعه رشاوى بين مارس 2012 مارس 2013 بلغت أكثر من خمسين مليون يورو لوزير الاقتصاد السابق ظافر شاجليان وآخرين، فيما كان أردوغان حاضرًا بتعليماته التي على أساسها شارك مصرفان تركيان في تسيير هذه الصفقات حسب ما تم عرضه سابقًا.
هكذا اعترف ضراب على أردوغان الذي لطالما دافع عنه بل وكرمه، وهدم ضراب باعترافه عن الرشى وشبكات الفساد؛ كل المزاعم التي ادعاها أردوغان حول النزاهة وبراءة حاشيته، وتعرى أمام العالم جميعه كمتستر على الفساد وقامع للحريات ومستبد؛ وبالطبع كممثل قدير يدعي الفضيلة.

جاري تحميل الاقتراحات...