𝐓𝐚𝐬𝐧𝐞𝐞𝐦 (𝐓𝐢𝐦𝐚𝐬𝐭𝐚𝐧𝐳𝐢𝐚)
𝐓𝐚𝐬𝐧𝐞𝐞𝐦 (𝐓𝐢𝐦𝐚𝐬𝐭𝐚𝐧𝐳𝐢𝐚)

@tasneem__omar96

12 تغريدة 60 قراءة May 02, 2021
حديثٌ بيني و بين صديقي الغائب .
ألقى صديقي ثقله على الحائط ثم سحب بعضه إلى الأسفل ، و حمل ما تبقى منه على ركبتيه حين جلس تاركًا مسافة قصيره بينه وبين الأرض. سرح بناظريه إلى السقف و أطلق صوته الرّجولي قائلًا :
- " يا ليتَكِ تنظرين . أنا هناك ، أسير بالشوارع وحدي كلّما طلعت شمسٌ أو غربت ، لا أحد معي. أعدُّ ما استطعت حتى أزيح ثِقل هذه الحياة عن كاحلي . أقبض على قلبي وأضمّد الجرح كلما همّ بذرف الدموع ، أو الدماء ، لا أعلم . تغلبني عيناي ، فتبقى إحداهن على الطريق و تتغطّى الأخرى تحت
جفني لمشاهدة عرضها المفضّل . تسنيم . لا يوجد غير هذا العرض المتكرر . كل البشر يتمركزون في منتصف المدينة يسابقون الوقت ، أشعر بهم كأنهم قطارات متتابعة على سِكّة واحدة ، لا فكرة لديهم أين يذهبون أو متى سيتوقفون . يتكرر العرض في رأسي كل يوم فـيَعتريني اليأس ، ثم أُطبطب على
يأسي و أخبره أننا هنا نبذل جهدنا لنلحق بهم ونتخلص من هذه الوحدة . يهدأ نحيب اليأس ، و يدفأ صدري ، لكن أطرافي تتقلص وأشعر بالبرد . لا أدري لمَ هذا البرد المفاجئ ، لكنه يخدّرني و يعشش بي الخوف" .
- هل ترغب باللحاق بهم ؟
- "لا أدري ، أنا أريد الهروب من هذه الوحدة التي تُرهقني".
- أتُواسي نفسك بأكذوبة الجُموع ؟
- "أليست الحياة هي النّاس؟ وكما يقولون ( الجنّة بلا ناس ما بتنداس)"
- نعم ، صحيح. الحياة هي الناس. لكن؛ ألسنا نحن أيضًا ناس؟ كيف لنا أن نختلط بما في الوعاء دون أن ندرك تركيبتنا و إذا ما كان مضمون الوعاء يناسبنا؟
ضحك صديقي بثقل و أتبَع :
- " أليس من الغباء أن تشبّهي الناس والحياة بالوعاء؟ أنظري إليهم في وسط المدينة ، منطلقين بلا تردد كأنهم طيور تعرف وُجهتها مُسبقًا "
- عزيزي ، أليس من السذاجة أن ترى الآن من يحتشدون في بؤرة معينة أنهم أشبه بالطيور ؟
- "تسنيم. أشعر أني قشرة هشّة تم قذفها بعيدًا عن
لوحة متكاملة. لقد كنت جزءًا منها ، أما الآن تركوني بعيدًا أحمل كل التفاصيل التي التصقت بي حين كنت جزءًا منهم . شعور قذرٌ أشبه بالاحتقار . لا أحد يرغب بي ولا أرَ انعكاس صورتي في مرآة أحد . ألديكِ فِكرة؟"
- نعم لدي ، كما أنّي أملك إجابة بسيطة تزيحُ عن عقلك حجاب اعتقادك السّميك
لكي تُحلِّق في سَماك.
أسندت ظهري إلى حائطه و تركت جميع ثِقلي إلى الأرض ، نظرت إلى سقف الغرفة لأتابع المشهد إلى جانبه ، و تابعت :
- إن كنت تعتقد أن العمل بجدٍّ سيصبح عربةً بعجلات سريعة تعود بك إلى منتصف الحشود فأنت مُخطىء ، وإذا اعتقدت أن بإمكانك السير على سكة الحديد ذاتها
معهم ، فأنت مُخطِئ. وإذا فكرت بأنك جزءٌ من لوحة متكاملة فهنا الكارثة . عزيزي ، أو سَمِّ نفسك ما شئت. أنت لست إلا لوحة مستقلة عليك أن تضيف عليها لمسات جديدة في كل مرة تبهت فيها الألوان . أما المرآة ، فما أنت إلا مرآة نفسك ، وما الناس إلا مجرد انعكاس لما في جعبتك. وأما الحشود،
فما هم إلا دار الضّيافة ، لك أن تقضي معهم بض دقائق أو ساعات ، ثم تعود إلى العرض الذي يدور في رأسك ...
قاطعني صديقي قائلًا : " إنه العرض "
قاطعته مجددًا وتابعت :
- نعم ، إنه العرض . أعتقد أنك متعصب لما لديك ، لذا تُصرِّ على الاستسلام إلى العرض ذاته . بعضك يتوق إلى الحياة
وبعضك يتوق إلى إرضاء الأنا ، لكن الأنا هي الحياة بأوضح ألوانها . لذا ، فلتعلم أين عليك أن تركز نظرك ، و لتأبى أن يتكرر المشهد ذاته كل يوم ، ولا تغمض عينيك إلا مع شريط الرضا والامتنان .
*************
نهض صديقي و غادر الحائط دون أن ننهي الحديث ، وفتحت عيناي حينها.
لقد كان الحديث وهمًا ، أما صديقي ، فقد كان حقيقة .
تسنيم .

جاري تحميل الاقتراحات...