علي الفيفي
علي الفيفي

@ali_alfaifi

10 تغريدة 11 قراءة Apr 27, 2021
من الصعب على من يزاول العامية كثيرًا في كلامه وسماعه أن يدرك مواقع البيان والفخامة في كلام الأقدمين، فضلًا عن أن يدرك شيئا من عظمة وإعجاز كلام الله سبحانه ..
نعم سيتّجه في اعتباره وادكاره لمعاني الجنة والنار وشؤون الآخرة، وهذا حسن، ولكني أتحدث عن أمر آخر !
وهو كمن يقطن خيمة طوال حياته، ولم ير ولم يسمع بغير الخيام! ثم تريه صورة قصر، وتطلب منه أن يتخيل حجراته، وجُدره وسُقُفه وبهوه وطلائه، وخدمه وموجوداته ..
فإنك بذلك تكون قد كلّفته إصْرا، وطلبته ما لا طاقة له بأدائه ..
وقد كنت قديما يقال لي بيان الجاحظ غاية في الجمال، فلم أكن أدرك ذاك الجمال الموصوف،لظني أن حُسن الكلام جرس وأنغام، يتولى كبرها جناس وطباق وتورية وسجع..وتشبيه ومجاز وكناية،بل وتقديم وتأخير وذكر وحذف.
وها أنا أقرأ الجاحظ فلا أجد هذه الجوقة البلاغية ظاهرة وإنما أجد ما هو أعمق وأسهل!
إن من معاني جمال العبارة، وفخامة الأسلوب أن تجعل الكلمةَ تفضي إلى الكلمةِ، والعبارة تقود إلى أختها دون أن يحس القارئ والسامع نتوء الانتقال، إذ إن لكل قطعتين تريد أن تلصقهما ببعضهما شيئا من التباين، سواء كانتا كلاما أو خشبا أو حديدا.. والحرفي الماهر هو من يخفي ذلك التباين والنتوء!
فالبليغ يمارس ما يشبه الصقل لقطعته الكلامية، فتهديه سليقته، وطول ارتياضه لكلام البلغاء لمواطن النتوء والبروز فيصنفره وينعّمه بشيء من الصنعة والعمل .. حتى تخرج القطعة ناصعة الأطراف، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ..
وهنا تحدث البلاغة، ويظهر البيان، وتتوهّج اللغة!
والجاحظ كلامه مصقول مبرود ممَلّس، لا تشعر وأنت تقرأه بانتقالات أسلوبية حادة النهايات! فلا يلتفت من أسلوب إلى آخر إلا وقد مهّد ذلك بماء اللغة، فيغدو كلامه غضا مرتويًا! وتقرأ له الكلمات، فتراها كالكلمة، لتماسكها وجهدُه في إخفاء ما يصنعه الانتقال من اضطراب!
لا أدري هل أحسنتُ البيان؟
وقد وجدت في كتاب "المكافأة" لأحمد بن يوسف ما هو عندي أكثر إعجازا من كلام الجاحظ ..
وهو كاتب، واللغة صنعته ورأس ماله! مع أنه في كلامه يبعد عن التقعر أو الإسهاب، فليس في كلامه ما يفضل عن معانيه!
ومن قرأ كثيرا في هذه "المكافأة" عاف كلام كثير من الناس!
أما أبناء هذا العصر، فأرى كلاما مكتوبًا بلا أخطاء، ولكنه بلا ماء أيضا ولا رواء!
يظنون البلاغة رصف الغريب، وأنت تتخايله وهو يكتب فاتحًا القاموس ينخله ليأتي منه بما يحشو به كلامه، فلا بلاغة نال، ولا عن استكراه مال!
ومن أدمن القراءة لهؤلاء مُسخت قريحته، وبَهُت ذوقه.
ثم نظرتُ في القرآن، فرأيت ما وصفتُه على أعظم ما يكون، ووجدت فوق ذلك شيئا ليس من ذلك، وجدت ما إذا أخرجته من صفحة المصحف إلى كلامك بات كلامًا هجينا، وإذا ما أعدته إلى حيث كان صار يشع عظمة، ويتوهج إعجازًا ..
إنه كنوع نادر من الجواهر التي يسلبُها جمالَها إحاطتُك لها بالحصى والرمل!
لم أكن أريد التطويل، فأطلت ولم آت بما في فؤادي من كلام ..
سحورًا شهيًّا ..
والسلام عليكم

جاري تحميل الاقتراحات...