إحدى أشهر المؤامرات التي يعتقدها البعض أن "اليهود هم أهل الشرور والدهاء". عدم درايتنا بكيفية استخدام الإله وتذويبه في الأرض والشعب، فالفكر الصهيوني يجعل من الدين ليس إلا تعبير عن روح القومية، ومرادفًا لها.
لإضفاء هالة من القداسة (تسويغية) تحيط بالفرد اليهودي تُشرع استعماره، لذلك يجب فهم الصهيونية كحركة منفصلة تم توظيف ديباجات حلولية دينية فيها، لكي لا ننزلق لتصور الجماعات اليهودية بشتى بقاع أوروبا وخارجها ككيان واحد متلاصق فائق الذكاء ومقدس (وهذا هو الخطاب الصهيوني بحد ذاته).
عندما نزيل عن الصهيونية الصبغة الدينية المزيفة. التي اعتمدت عليها منذ نشأتها كجيب استيطاني استعماري. ستتضح الصورة أكثر. بهذه الحالة نعيد الايديولوجية الصهيونية لمسقط رأسها وهي الحضارة الغربية بين أوساط تمقت وجود الهامش اليهودي
فنراها كإفراز غربي إمبريالي وليس انحراف عنه. من الأسباب التي أدت لظهور الفكرة الصهيونية قبل تبلورها الكامل في القرن التاسع عشر، هو وجود الجماعات اليهودية بجيتوات هامشية وجماعات وظيفية في المجتمع الغربي. تسبب توتر اقتصادي وزعزعة أمنية للمجتمع الأوروبي.
وتمييزهم كجماعات وظيفية في المجتمع الإقطاعي الغربي كان يضمن لهم مكانة مرتبطة بمدى نفعيتهم كأداة. فكان يتم تخويلهم بوظائف لا يضلع بها غيرهم عادةً. قد تكون مشينة أو مميزة. وبالتالي بهذا الشعور بالهوية الوهمية فهم ليسوا كباقي المجتمع الأوروبي ما لم يتنصروا ويندمجوا.
هذا يمكنه تسهيل حوسلتهم كجماعات وظيفية/قتالية في جيب استيطاني وإقامة دولتهم التابعة للإمبريالية الغربية، بعيدة بما يكفي للتخلص من فائضهم البشري "المزعج للمجتمع الأوروبي" وقريبة بما يكفي لتكن هناك صلة بالإقليم الأم.
هذه إحدى الأسباب التي تجعل احتلال فلسطين لإقامة دولة صهيونية يترجح على غيرها من الاقتراحات التي طُرحت، فالصلة بين المنبع والجيب الاستيطاني (المنطقة المستعمرة) أساسي. ليصبح الأخير عبارة عن جماعات وظيفية مسلحة تعمل لصالح الغرب كأداة نفعية
تساعد توسع الوجود والسيطرة الغربية وبالوقت نفسه تتخلص من الفائض البشري الذي ضاقت به أوروبا، فتنتج لنا فكرة القومية اليهودية التي هي -بأحسن الأحوال- جماعات صهيونية استعمارية، ينتسب لها من يؤيد الفكر الاستعماري، ليست حصرًا على عرقية أو دين أو بقعة جغرافية معينة.
فمفهوم الصهيونية نشأ أولًا بديباجات مسيحية حتى نهاية القرن السابع عشر، في أوساط البروتستانت (المؤمنين بالعقيدة الألفية "الاسترجاعية" - Millenarianism )
التي تعود جذورها لليهودية وأصبح البروتستانت يؤمن بها،تعتقد بالخلاص المسيحي واضعةً اليهود بمركز الدراما الكونية ونهاية التاريخ،أي أن عودة اليهود لفلسطين علامة على دنو عودة المسيح، فيأتي زمن حكم المسيح المخلص أو (الماشيح بالرواية اليهودية)الذي سيحكم العالم فترة يسودها العدل والسلام
بهذا تزعم هذه الفكرة بأن اليهود هم شعب الله المختار، جميعهم، بافتراض كامل لاستمرار اليهود كجماعة عضوية واحدة في الماضي والحاضر، نافيةً وناكرةً لوجود التاريخ. فعودة (اليهود) لفلسطين ضرورة لا بد منها. فهم أداة للخلاص. ووعد الإله يجب أن يتم.
لكن هناك حركات مخالفة للصهيونية ظهرت بين أوساط الجماعات اليهودية -كالهسكلاة صاحبة الفكر الإصلاحي اليهودي- ظهرت بين القرن الثامن والتاسع عشر وكانت تدعو للاندماج مع الجوييم "غير اليهود من الناس"
وترك الجيتو وبعض الأفكار اليهودية التي تعزلهم عن مجتمعهم، مثل أسطورة تميز اليهودي وتفوقه على الغير. ونادى المسكيليم "دعاة الاندماج" بتناسي أسطورة العودة أو على الأقل تحويلها لمفهوم أخلاقي وروحي وليس استعماري. رغم ذلك كان الاندماجيون والمسكيليم عادة من الارستقراطيين أوالبرجوازيين
فكانوا يمتلكون من الخبرات ما ينفعهم اقتصاديًا والمجتمع الأوروبي كان بحاجة لهم، فلا ينبذهم على عكس أغلبية الجماهير اليهودية التي كانت تنتمي لطبقة البرجوازية الصغيرة، والمجتمع الأكبر لم يكن يهتم لهم. وأسوارهم في الجيتو لم تكن تزعجهم. هذه هي الطبقة التي اعتمدت عليها الصهيونية لاحقًا
عمومًا هذا الخطاب العقلاني الذي نادت به الهسكلاة الذي لا يفرق بين جوهر الإنسان اليهودي وغيره. لا يتناسب مع الحس الصهيوني التمييزي. بل يمقته، فمن اليهود الذين يرون خصوصيتهم وأفضليتهم حتمية وكل ما دونهم نجس، الذين ظنوا بأن الهسكلاة ستذوب الفرد اليهودي باندماجه وتفقده هالته الإلهية.
وعلى الضفة الأخرى المسيحيون الذين يرون الوجود اليهودي سيظل شاذ وعائق اقتصادي وعلى هامش المجتمع ولا يستحسن اندماجه، ليظل لدينا ما نستعمله كإيدي عاملة رخيصة التي يحق لنا ترحيلها متى ما أحتجنا وفي أي لحظة (هذا ما حصل بالفعل)
فهذه النظرة الرافضة للاندماج، من أصحاب الفكر الصهيوني من مسيح ويهود كلاهما يدعمان رؤية معادية لليهود فيخدمان مفهوم واحد. هو الصهيونية. والتخلص من الفائض اليهودي.
هناك أسباب مركزية أخرى مثل الثورة الرأسمالية التي بدأت تنظر للمسألة اليهودية كعائق. وحله يكمن بالصهيونية. فماذا أفضل من تصدير المسألة اليهودية "الفائض البشري" لآسيا مثل تصدير أي سلعة أخرى لتعود بمدخول جيد يقوي اقتصادها؟
"والمقصد بالأعلى هو اليهود كجماعة وظيفية تقوي القاعدة التوسعية الاستعمارية أو على الأقل تضمن وجودها" ختاماً الحديث يطول والشرح عميق ودقيق بتفصيلاته الغزيرة فالعودة لدراسات المسيري رحمة الله عليه هي الحل الأمثل للإبحار بهكذا موضوع. أعتذر بشدة عن الإطالة
جاري تحميل الاقتراحات...