د. فوزية البدواوي| روائية
د. فوزية البدواوي| روائية

@foz_bd93

11 تغريدة 10 قراءة Apr 24, 2021
عندما تغضب الطبيعة
يوم حالك السواد ذاك الذي تراكمت فيه السحب مسرعة كالدخاّن. ربما تظنوّن أني أبالغ كثيرا لو قلت لكم إني حسبته يوم الحشر، يوم القيامة من هول ما رأيت من حوادث المنخفض الجوي. عندما تغضب الطبيعة في مكان لا يمت لها بأي صلة، فإنها لا ترحم. هي لن ترحم المدن المكتظة
بالمباني، لن ترحم وإن كانت هناك شوارع تفصل بينها لأن الشوارع كذلك سوف تكتظ بالناس والسيارات، ولأنهم دائما ما كانوا يقطعون الشجرة من أجل بناء جدار، وينتهكون نقاء جوهّا البديع بانبعاثات عوادم السيارات، فهي سترد الصاع لهم صاعين، هي ستنتقم لنفسها هذه المرة، ستنتقم لها شر انتقام! هذه
هي المرة الأولى التي أرى فيها شيئا كهذا. كنُاّ في طريق العودة من الكلية. سائق الحافلة لا يكاد يرى شيئا من كثرة الغبار والأمطار، وبخار الماء الذي استحوذ على الزجاج من الداخل. كنُت لا أرى من الشارع سوى مصابيح السيارات. يا الله لطفك. اللهم صيبا نافعا عن ضار!
كان البرق يضيء الأرض
قبل السماء خارجا. وكانت صرخات الطالبات في الحافلة تتعالى. رأيت اتصال هيثم. لم أستطع الرد حتى لا تجذب ذبذبات الهاتف إحدى الصواعق فترديني قتيلة. نعم لم أرغب حينها ميتة كهذه. ربما أستحق أن أموت على فراشي أو في حضن أمي. ولو كنُت على ذمة هيثم وقتها لفضلت أن أنام ممسكة بيده.
كانت ردّات الفعل متفاوتة بين الطالبات. هنا تستطيع ملاحظة تلك الوجوه الخائفة. نظرات ترقب الوصول للسكن بسلام. سألت إحداهن:
-هل أنت خائفة؟
ردتّ علي وقشعريرة الخوف تسري في جسدها.
-لا. ولكن من المفترض أن أكون مع أمي وأبي في هذه الأجواء.
ضحكنا لردها الطفولي. ذاك الذي لا يستطيع
إخفاء خوفها، و لا يستطيع إعفاءنا عن رؤية احتضانها لنفسها. كان ملمس الزجاج باردا. وضعت خديّ على زجاج الحافلة، وسرحت في أحلامي الخاصة حتى هزتّني إحدى الزميلات منبهة علي الابتعاد عن النافذة. فعلت ذلك احتراما لرغبتها فقط.
في زاوية أخرى ترى استغلال بعض الطالبات المنظر في رسم حروفهن
أو حروف أخرى على زجاج النافذة المليء بالبخار، ثم تصويره لبثّ هذه المشاهد بعدها في الإنستجرام، والسناب شات. هذه مناظر ما زالت تعلق في الذاكرة. عندما وصلت للسكن استقبلتني نور بحرارة واحتضتني وأخذت تبكي. استغربت لموقفها. أجابتني:
-لقد خفت عليكِ
ونعم الصديقة يا نور!
وكم يستطيع الخوف أن يفعل بنا؟!
وكم تستطيع أفكارنا قتلنا ونحن في أماكننا؟
لو كانت تعلم نور قصة الورم الخبيث الذي أصابني. ماذا ستفعل حينها؟!
ولو يعلم هيثم ذلك. ماذا سيكون موقفه؟!
صعدتُ لغرفتي، وفتحت جهاز هاتفي النقاّل، ذاك الذي كان يقبع في قاع حقيبتي،
لتنهال عليّ الرسائل والمكالمات الفائتة من كل جانب. كتبتُ رسالة واحدة فقط (أنا بخير... لا تقلقوا عليّ) ، وأرسلتها للجميع، وغططتُ في سبات عميق!

جاري تحميل الاقتراحات...