32 تغريدة 6 قراءة Feb 22, 2022
⁦♦️⁩سورة الحج: تشخيص إنسان النكران♦️⁩
تقع السورة ما بين مشهديتين قطبين: تذكير بمستقبل سنذهل فيه بزلزلة عظيمة، ومضرب مثل في ذبابة.
بخطاب مستغرق لكل الناس.. متوغل في أدق آلياتهم الدفاعية الثقافية، تجاه قضية التسليم الفطرية للحقيقة الواحدة الكبرى.
#بصائر_قرآنية
#ثريد
النكران أو الـ Denial حالة ليست مضادة للإيمان، بل مقابلة لها.. فهو عمل غير عقلاني –مع أنه يتذرع بالعقل المنطقي- يختار بها فاعله إنكار الواقع عبر رفضه لقبول حقيقة دامغة (أو معتقد ما) تخالف مسلماته، بل
ويتضاعف تمسكه بها بنزعة أشد؛ لكونها ركنه المؤسَّس على نظرة موروثة عن العالم »»
تتعرض -من وجهةنظره- للخطر حال مواجهتها بحقائق بدهيةراسخة..
النكران قائم على الركون، بينما الإيمان فعل دائب لا يكاد يستقر إلا على مركزه ويظل طائفاً حوله: { قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد} (سبأ- 42).
هو نفس النذير الذي قال: " إنما الوسوسة إيمان محض"، فعل تراكميّ عقلاً وروحاً وسلوكاً وغربة يعيد سؤال "أو لم تؤمن؟" المرةتلو الأخرى بموقف وجودي.
في ثمانيةمواضيع رئيسية، شخصت السورة إنسان النكران بشكل مكثف من الشخصي، للديالكتيكي العقلي، للمؤسسي الثقافي، للحضاري، للإنساني وما وراءه.
🔴 النكران في علم النفس:
والنكران كمعطىً علمي بدأ من شجرة التحليل النفسي عند فرويد، وتوسعت تفرعاته عبر السلوك البشري والاجتماعي.
إن النكران آلية دفاعية تتطور بحسب شدة نزوع أولئك أو عدم تقبلهم "للتشكيك"، فكلما زادت قوة الدليل والبرهان، كلما تفوقت نزعتهم، وزادت في استعداء الآخر.
وهو ما أسماه ليون فستنجر بعاملي "التنافر المعرفي وتأثير الناتج العكسي"..
فالعقل الباطن (بحسب فرويد) يقوم بمعزل عن إدراك العقل الواعي، ببعض الحيل والآليات لتلافي القلق أو التوتر أوالضغط الناتج، فمن أجل حماية الذات من التهديد، يقوم مثلًا بإنكار الحقيقة أو تغييرها أو التلاعب بها »»
وبذلك يتخلص الفرد من قلق تلك المشكلة بدلًا من التخلص من المشكلة نفسها..
وتُعد صغرى بنات فرويد "آن" من أبرز من اشتغل على النكران في التحليل النفسي، حيث قدمت في كتابها "الأنا والميكانيزمات الدفاعية" في 1936، دليلاً علمياً على عدد محدود من هذه الدفاعات، كانت بمثابة فتح علمي عظيم.
🔴 لماذا الحج؟:
أطلق فستنجر على استماتةأصحاب القناعة المنقوضة إدراكاً، بإقناع العالم بمعتقداتهم عبر محاولات يائسة لإخفاء تنافرهم المستاء من وقوع الحجةعليهم بـ"التنافر الإدراكي"، وكأنه توتر غير مريح ينتج عن الإيمان بفكرتين متناقضتين في آن واحد.. والحج حجةشعائرية دائبة على هؤلاء:
{ أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب. وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد} (سورة ص 5-6).
سورة الحج حللت مركّب "النكران" نفسياً ومعرفياً، حيث بدأ الله من الفرد على نجديه، إلى صورة عظيمة تصهر الملايين، إلى بلايين أعظم ساقوا حجتهم واختصموا في ربهم.
ناقشت السورة مستويات النكران بخطاب متضافر، بدءاً من تذكير المستريبين من البعث بمبتدأ ومنتهى كل خلق، من البشر حتى الكون.. لأن النكران يغزل نوله حول فكرةمعمّاة، رفع القرآن الغشاوة بالتفكر والتأمل في ملكوت الله من أدق دقائقه إلى أعظم آياته، بتفكر متجرد، ولا شيء أعظم فردانية من هذا.
{ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت إلا تشرك بي شيئاً وطهِّر بيتيَ للطائفين والقائمين والركّع السجود } (26).
لم يكن الخليل الشخصيةالموقف التي تمحورت حوله السورةمن فراغ:
ابتداءً من تبصره الأولي لتصور مادي عن الله عز وجل: { فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي.. }(آيات الأنعام)»
وما تبع ذلك من برهانٍ غير محسوس جرّد إيمانه القاطع: { إني وجهتُ وجهيَ للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين}.
إلى موقف { بلى ولكن ليطمئنَّ قلبي}، قلبه لا ميزان المنطق والمحسوس. ليكون خليل الرحمن عليه السلام أبلغ في التجرد، بأن قصر هذه الآية ومآل حدوثها على قلبه فحسب.
وما الحج إلا شعيرةإبراهيمية إلى جانب مثيلاتها من شعائر الكون المسبحةبحمد ربها، ديالكتيك الإيمان هو ما يرفع هذه الشعيرةإلى مسار أعمقٍ مفضٍ إلى التسليم والانسجام مع حركةالكون..
لكن الفعل المتناقص للنكران يجعل ذلك الانسجام بلا معنىً أو اتساق.
هلموا نتتبع ست مركّبات نكران في السورة:
⁦♦️⁩ الإحلال أو الإزاحة  Displacement:
{ ومن الناس من يجادل في الله بغير علمٍ ويتّبع كل شيطانٍ مريد. كُتب عليه أنه من تولاه فأنّه يضله ويهديه إلى عذاب السعير } (3-4).
يقوم عقله الباطن بالتماهي مع الواعي منه، بمهمّةٍ غوغائية جوفاء، تماثل إبليس الذي لم ينفِ خطأه بل اعترف به »
وها هو ذلك الديماغوغي يُلصق كلّ إخفافاته وتخبطاته بكل شيء يتجانس مع هرمية الحقيقة الواحدة، وينبتّ في الاتهام والتجديف والمساق العدمي ابتداءً من نفسه، فيضرب الحجةعليها متحولاً إلى زنزانة نكران، دون أن يغفل عن إعادة توجيه اللوم نحو أشخاص/ظرفيات مجانبة لواقع الأمر أو مصدره الحقيقي.
⁦♦️⁩ التماهي أو التوحد Identification:
{ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدىً ولا كتاب منير. ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزيٌ ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق} (8-9).
وهؤلاء يتوحدون ويندمجون من اللاوعي بمن لا يقبل منطقهم أن يكونوا معهم، لكن الضغط يفعل فعله »
وما إن يصلوا لنقطة الانهيار إلّا ويكونوا هم من يتمثلون بتلك الأفكار أو الاعتقادات المناوئة.. ولا يتوقف العقل الباطن عند تلك النقطة، بل إمعانًا في التماهي، يعادي الفرد أفكاره واعتقاداته القديمة والسابقة.. هم المثقفاتية وأصحاب الرأي والكلام والخلط، ويخدمون الفئة الأولى بشكل جذري..
لذلك هم أعقد كمركّب نفسي من الفئةالأولى، لأن الأولى "اختارت" بعد لحظة مواجهةٍ أخيرة مع النفس وانصرفت تماماً، لكن الفئة الثانية لا تزال تبحث في موضوعية الحقيقة ما لا تستطيع أن تلوي عنقها به. { ثاني عطفه} لاتخاذه المزمن لوضعية الإعراض، يناقض نفسه ويعرض عنها أولا وقبل كل شيء..
وبهذا وصف الله سبحانه بعضاً من قريش عندما يمر الرسول صلى الله عليه وسلم من أمامهم: { ألا إنهم يثنون صدورَهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشُون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون} (هود-5). يحاولون أن يستخفوا من أنفسهم متقوقعين، والرسول ما هو إلا عقدة ضمير وانعكاس مشرق لدواخلهم المضطربة..
⁦♦️⁩ التبرير  Rationalization:
  { ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خيرٌ اطمأنّ به وإن أصابته فتنةٌ انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين} (11).
يحاول إيجاد تفسيرات مقبولة/نفعية لدوافعه غيرالمقبولة بل والخاطئةفي معظم الأحيان، لأنه على الميزان الخطأ.
مما يجعله دوّاماً في اللا توازن.. يكذب على نفسه بكذبٍ لا شعوري، ويصدقها لاعتقاده لأنه على حق.
لعنة هذه الفئة أنها تقنيّاً "آمنت" وتجاوزت قنطرةالسؤال الكبير، لكنها تريد انعكاساً لحظياً ومادياً لإيمانها وكأنها تقامر باليانصيب، وبحسب ما يجيء من تمظهر تقرر مدى منفعة إيمانها من عدمه.
لاحظوا اطراد اقتراب الفئات الثلاثة باتجاه الإيمان كمفهوم اقتراباً، لكن بقوة أكبر من النكران؛ متساويان في المقدار، ومتعاكسان في الاتجاه..
مذبذبين بين الظن واليقين، بين اللا أدرية والشك المقيم، بين نظرية الاعتقاد واللا دليل عليه، بين العلم  اليقيني والتقليد، بين الجهل والإنكار ..
لذا خاطبهم القرآن على قدر عقولهم:
{ من كان يظنّ ألّن ينصره الله في الدنيا والآخرة فلْيمددْ بسبب إلى السماء ثم لْيقطع فلينظر هل يذهبنّ كيده ما يغيظ} (١٥).
وبقدر أرواحهم:
{ حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} (31).
⁦♦️⁩ التقدير المثالي Idealization:
ويسأل القرآن أين ذهب هؤلاء؟:
{ فكأين من قريةٍ أهلكناها وهي ظالمة فهي خاويةٌ على عروشها وبئرٍ معطّلة وقصر مشيد. أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} (45-46).
لأن كل نكرانٍ تجسّدت فكرته في رجل/دولة يدور الباقين في فلكه/ها لم يبق منها إلا بقايا وأطلال ومقتنيات للتاريخ، بعد سلسلةمن التبرير والإزاحة والإنكار.. وفرعون أبرز مثال قرآني مفصّل؛ من { ما علمت لكم من إلهٍ غيري} إلى { فاستخفّ قومه فأطاعوه }. وللسورة مدىً بين سنتي الإملاء والتدافع.
⁦♦️⁩ الإسقاط  Projection:
وهي محاولة جمعية في القرآن، ينزع فيها العقل اللاواعي لا شعورياً، لإسقاط ما لديه من سلبيات ونوازل على النبيّ (أو الآخر)، ويتميز عن غيره من آليات الدفاع بكونه يتشكل بنوازع الفرد الذاتية، وشخصيته، وإرادته، أي أنه ليس لا شعورياً فحسب.
وهذه بعض الشواهد:
- قوم هود: { إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} (هود- 54).
- قوم ثمود: { وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون. قالوا تقاسموا بالله لنبيتنّه وأهله ثم لنقولنّ لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون } (النمل 48-49).
- قوم فرعون: { وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه}.
إلا أن أعظم إسقاط بمركّب نكران، وصلوا به لأقصى مداه.. ما فعلته قريش إذ أرادت أن تقيم حجتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{ وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمطر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذابٍ أليم } ( الأنفال- 32).
فتأمل كيف يمكن للحضارة أن تصنع فرقاً!.
⁦♦️⁩ التفكير المجرد Intellectualization :
هو فصل الجانب الوجداني من الموقف (الوجودي أو سواه)، والتركيز على التفاصيل فقط، لأن مواجهة المشاعر التي يسببها هذا الموقف تثير لديه قلقًا غير محتمل أبداً، وهو مركب فرديّ أشنع من الإزاحة أو التبرير، وقد أبدع القرآن في وصف ذلك اللاحتمال:
{ واتلُ عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتّبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو إن تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} (الأعراف 175- 176).
وقبل أن تختم السورة بالشعيرة والشخصية الإبراهيميتين، ضربت تحدٍّ أخيراً للمتقوقعين داخل زنازين نكرانهم وتصوراتهم الضيقة.. بما تمتلئ به زنازينهم والطبيعة؛بالذباب:
{ وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب. ما قدروا الله حقّ قدره إنّ الله لقويٌ عزيز } (73-74).
تحدّاهم سبحانه بأن يخلقوا ذباباً، ولمّا كان أغلبهم مؤمنين بربوبية الله، تحداهم أن يسترجعوا من تفاهة ما يأخذ منهم شيئاً إن استطاعوا، وهو الذي يهضم ما يناله بأطرافه مباشرةً.
لمّا أضجر ذبابٌ أبا جعفر المنصور، سأل جعفر بن محمد عن علة خلق الله للذباب، فرد جعفر :"ليذل به الجبابرة".

جاري تحميل الاقتراحات...