2-في هذه المساحة سأتحدث عن (عالم ابن تيمية الفقهي) وهو عالَم واضح لن يرهقنا كثيرا، ونهايته كانت حميدة، وإن لم تكن كذلك في البداية. ففي السجن الذي مات فيه، طلب تلاميذه أن يكتب لهم متنا فقهيا يحوي اختياراته، فرفض ذلك وقال (الفروع أمرها هين، من سار على مذهب إمام فقد برئت ذمته).
3-معنى هذا الكلام الذي انتهى إليه ابن تيمية لن يروق للمتزمت أبدا، فمعناه أن المسلم الذي يحتفظ في بيته بنص لأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو ابن حزم أو غيرهم من المتبوعين، ويسير على ما فيه، قد برئت ذمته، ولا ذنب عليه. المتزمت لن يعجبه هذا الكلام "بتاتاً البتة".
4-لكن هذا التسامح لم يكن مع ابن تيمية من البداية، فهو صاحب فكرة التمييز بين "مسائل الاختلاف" و "مسائل الاجتهاد" أو على الأقل هو من شهر هذا الاعتراض، فما قصته؟
5-عندما انتشرت المذاهب الفقهية، تقبل العقلاء الاختلاف، إلا أن صوت العقل لم يكن الأعلى، فوقع الشر بين أتباع هذه المذاهب حتى تقاتلوا في المساجد. فصرت ترى في النصوص الشافعية (فصل: هل تجوز الصلاة خلف الحنفي؟) فيرد الأحناف في نصوصهم بعدم جواز الصلاة خلف الشافعي. والحنابلة أشد عنفا.
6-ثم توصل العقلاء إلى معادلة ورفعوا شعار (لا إنكار في مسائل الخلاف) وسارت الأمور على نحو لا بأس به لفترة من الزمن. ثم جاء ابن تيمية ولم يرض بهذه النتيجة، فألف كتاب (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وأصحابه يرون أن هذا الكتاب من علامات التسامح، إلا أنه ليس كذلك.
7-في "رفع الملام" التف ابن تيمية على قاعدة (لا إنكار في مسائل الخلاف) وقال بالإنكار، وقرر أن ترك الإنكار يكون في مسائل الاجتهاد التي لا يوجد فيها نص. أما مسائل الخلاف التي فيها نص فيجب الإنكار فيها ومنعها بالقوة. (كأنك يا بوزيد ما غزيت) لأن هناك مسائل فيها نص لكن اختلفوا في فهمه!
8-هناك مسائل فقهية يوجد فيها نصوص فهم منها الحنابلة الوجوب مثل الوضوء من أكل لحم الإبل، وفهم منها بقية المسلمين استحباب الوضوء، لا وجوبه. هذا سببه الفهم الظاهري للنص، والعجيب الغريب المذهل أن ابن تيمية الفيلسوف الذي تحدث عن قدم العالم وعن قضايا فلسفة الدين،وافق الحنابلة ع الوضوء!
9-هذا مثال توضيحي صارخ على ما ذكرته سابقا عن التعايش الغريب بين (عوالم ابن تيمية). رجل يكتب الموسوعات الفلسفية التي لا تترك مذهبا ولا منهجا معروفا في تلك الأزمنة دون مناقشته بأدوات فلسفية، ثم تكون اختياراته الفقهية في إطار المذهب! يبدو أنه لم يرد أن يخسر الحنابلة، وهو يعيش معركة.
11-نقطة أخرى مهمة تدور حول توصيفه لمذهب الحنابلة. يقول ابن تيمية ومثله ابن القيم في (إعلام الموقعين) إن مذهب الحنابلة قام على الكتاب والسنة والإجماع والقياس. المذهب الحنبلي ليس فيه قياس ولا إجماع، وقد قال ابن حنبل "من ادعى الإجماع فقد كذب، وما أدراه لعلهم اختلفوا".
12-اختيارات الحنابلة تدور حول الحديث والآثار عن الصحابة، ويندر أن يستخرجوا أحكاما من القرآن. استثني منهم الشيخ ابن عثيمين رحمه الله فقد كانت يستخرج الأحكام من القرآن في دروس التفسير بذكاء فريد.
13-سأكمل الحديث فيما بعد.
13-لا شك أن الحنابلة كانوا يحتجون بالقرآن في العقائد، لكنهم لا يكادون يحتجون به في الفقه. كليات القرآن غائبة عن الأحكام الفقهية. ولذلك قد يروي أحمد ما يتعارض مع القرآن.
14-روى أحمد في المسند حديث "الوائدة والموؤدة في النار" ورواه تلميذه أبو داوود والأغرب أن الألباني صححه. مع أن هذا النص يتعارض مع (وإذا الموؤدة* سئلت بأي ذنب قتلت). مع أن أحمد لا يروي النص المنكر حتى وإن كان سنده صحيحا. كان من المتوقع من الفيلسوف ابن تيمية أن يتدخل لتصحيح المنهج.
15-مثل تدخل الفيلسوف ابن رشد على نص الفقيه ابن رشد نفسه (بداية المجتهد ونهاية المقتصد). بأمكانك أن تلحظ هذا التسلل عندما يسرد ابن رشد أقوال الفقهاء، ثم يقول (وسبب اختلافهم هو كذا وكذا). الفيلسوف وحده هو من يسأل عن السبب لأنه يريد أن يفهم.بينما يريد الفقيه نصرة مذهب الأصحاب.
16-هذا هو السبب في كثرة الروايات عن أحمد. كان يعتمد على الأحاديث والآثار بلا تقعيد. في كل مرة يستفتى ينزع بحديث، وقد يسأل عن نفس المسألة فينزع إلى حديث مختلف. ولذلك المسائل التي لا يعرف له فيها إلا قولا واحدا هي مسائل قليلة جدا. قيل إنها لم تتجاوز المائة.
17-التفاف ابن تيمية على (لا إنكار في مسائل الخلاف) هو سبب التزمت الذي عشناه. فكل من ذكرتها له يرد بقاعدة ابن تيمية (لا إنكار في مسائل الاجتهاد التي لا نص فيها، أما مسائل الخلاف فيجوز أن أجبر الناس رغما عن أنوفهم ليتبعوا مذهبي). الحمد لله أن هذا قد ولى إلى غير رجعة.
20-علماء الأصول من الأحناف والمالكية والشوافع ينقلون عن أئمتهم كلهم أن الحديث الذي يتفرد به رجل واحد، سواء كان الصحابي أو التابعي أو تابع التابعي، هو "خبر واحد" يفيد الظن ولا يفيد اليقين، أي يقين بأن الرسول قاله. وعن أحمد بن حنبل رواية يوافق فيها على هذا، ورواية أخرى يعارض بها.
21-وحجة من يعتقد أن خبر الواحد يفيد الظن ولا يفيد اليقين هو أنه يلزم منه أن يصدق القاضي المدعي على خصمه من دون بينة، لأن العلم يحصل بقوله. ولأنه لا يلزم تصديقه بدون بينة، فخبر الواحد لا يفيد اليقين.
22-ولو كان خبر الواحد حجة، للزم منه في التقاضي أن يكفي شاهد واحد لا شاهدين. ولأن الشاهد الواحد لا يكفي، يتضح أن خبر الواحد لا يفيد اليقين.
23-هذا لا يلزم منه إهمال السنة وكتب الحديث والمرويات، بل هي مهمة ويُعمل بها، مع علمنا أنها ليست بيقينية النسبة إلى الرسول. رواية رجل ثقة ينسب إلى النبي فعلا أو قولا، لكن يجب أن ننتبه إلى أن الرجل الذي في وسط السند(لا قدسية له) مثلنا، يروي القصة ويخطئ في بعض أحداثها وألفاظها.
جاري تحميل الاقتراحات...