فقالت: (أبو بكرٍ، قلتُ: ثمَّ من؟ قالت: ثمَّ عمرُ، قُلت: ثمَّ من؟ قالت: ثمَّ أبو عُبيدة بنُ الجرَّاح، قلتُ: ثمَّ من؟ فسكتت).
حيث روى أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: (إنَّ لكلِّ أمةٍ أميناً، وإنَّ أميننا أيَّتها الأُمَّة أبو عُبيدة بنُ الجرَّاح).
ولمّا قدِم أهل نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهمّوا بالعودة إلى ديارهم، طلبوا منه أن يبعث معهم رجلاً أميناً، فقال عليه الصلاة والسلام: (لأبعثنَّ إليكُم رجلاً أميناً حقَّ أمينٍ حقَّ أمينٍ) وعندها تمنّى كل واحدٍ من الصحابة -رضي الله عنهم-أن يكون هو المبعوث
ولم يكن ذلك حرصاً منهم على الإمارة، وإنّما رغبةً منهم بوصف رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان من الذين رغبوا في الإمارة في تلك الحادثة، حيث كان يُري نفسه للنبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه تخطّاهم جميعاً، وبعث أبا عبيدة رضي الله عنه.
2️⃣مدح النبي -عليه الصلاة والسلام- لأبي عبيدة: من فضائل أبي عبيدة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قرنه بالثناء مع أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، حيث قال: (نعم الرجل أبو بكرٍ، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أبو عُبيدة بن الجرَّاح).
3️⃣شهادة النبي -عليه الصلاة والسلام- لأبي عبيدة بالجنّة: يُعد أبو عبيدة -رضي الله عنه- من العشرة الذين بشّرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنة، مصداقاً لما رواه سعيد بن زيد -رضي الله عنه- عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنّه قال:
(عشرةٌ في الجنَّة: أبو بكرٍ في الجنَّة، وعمرُ في الجنَّة، وعليٌّ وعثمان والزُّبير وطلحة وعبد الرَّحمن وأبو عُبيدة ...).
(لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَـئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ).
وقال له: "نشدتك بالله يا أبا بكرٍ إلَّا تركتني"، فتركه، فأخذ أبو عبيدة بثنيّته إحدى حلقتيّ المغفر فخلعها، وسقطت معها ثنيته، ثمّ أخذ الأخرى فخلعها وسقطت معها ثنيّته الثانية، فكان في الناس أثرم، ولكن هذه الثرمة جعلت من ثغره أجمل ثغر.
"فإنِّي أعزم عليك، إن أتاك مصبحاً، لا تُمسي حتَّى تركب، وإن أتاك مُمسياً أن لا تُصبح حتَّى تركب إليَّ فقَد عرضت لي إليك حاجةٌ لا غنى بي عنك فيها"
وكان أبوعبيدة -رضي الله عنه- رجلاً شديد الذكاء، ففهم قصد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وأنّه يريد إنقاذه من الطاعون، فكتب إليه متأدّباً معتذراً عن الحضور، وقال: (إنِّي في جندٍ من المسلمين لن أرغب بنفسي عنهم، وقد عرفتُ حاجة أميرِ المؤمنين، فحللني من عزيمتك)
ولمّا وصلت الرسالة إلى أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه- بكى، فسأله من حوله من الصحابة إن كان أبو عبيدة -رضي الله عنه- قد توفّي، فقال: "كأن قد"
أي إن لم يكن قد مات فإنّه سيموت لا محالة، فلا سبيل لنجاته من الطاعون، وتوفي -رحمه الله- في العام الثامن عشرة للهجرة، وكان يبلغ من العمر ثمان وخمسين سنة.
جاري تحميل الاقتراحات...