31 تغريدة 272 قراءة Apr 18, 2021
ماهي الحضارة الفارسية؟ مفهوم الحضارة الفارسية للاسف من اكثر المفاهيم الغير مفهومة بين العرب وغيرهم. فالاغلب يعتقد بانه كان يوجد امبراطورية فارسية على غرار الممالك المصرية القديمة او اليونان الكلاسيكية. الفكر هذا مرسخ في اذهان الاوروبيين بالتحديد لان الفرس كانوا اعداء الاغريق
فبالتالي هنا حضارة وهناك حضارة موازية لها. وبشكل مشابه، في العقل الجمعي العربي، نعرف الفرس بانهم شعب متحضر لغتهم فارسية عريقة وديانتهم المجوسية وبان الفرس كانوا انداد الروم والواقع ان الكلام هذا فيه تبسيط غريب عجيب للحضارة الفارسية تكوّن اغلبه بعد دخول الاسلام ايران والهدف منه
(بالنظر لكتابات اشخاص مثل الفردوسي وغيره) هو توحيد الهوية الفارسية بحيث يستطيع العجم ان يثبتوا علوهم كحضارة على الحضارة العربية الجديدة. والواقع انه الهوية الفارسية تاريخها كان مختلف جدا من فترة الى فترة اخرى. لذلك قبل ان نفهم الهوية الفارسية كما نعرفها الان (الاسلامية) يجب
مراجعة بعض المحطات التاريخية المهمة في تاريخ ايران. اولا، الفرس لم يعرفوا انفسهم ابدا كفرس. ماحصل كان ان في عهد الامبراطورية الفارسية الاولى (الاخمينية) حارب الفرس (وهؤلاء كانوا بالفعل فرس) الاغريقيين. الاغريقيين بعد تدوينهم للاحداث اطلقوا الاسم فارسي على كل من سكن منطقة
ايران فاصبح كل من تاثر بالامبراطورية الرومانية يفترض ان كل الايرانيين هم فرس. ثانيا، بعد سقوط الاخمينيين، اصبحت اللغة الفارسية القديمة غير مهمة وظهرت اللغة الفرثية محلها بجانب الكثير من اللغات الايرانية الاخرى. بعد حوالي 500 سنة من عدم وجود ملوك فرس، ظهر الساسانيين وحققوا نجاحات
عسكرية هائلة ضد الامبراطورية الرومانية. الساسانيين كانوا فرس وادعوا انهم من نسل الاخمينيين والواقع ان فهمهم للاخمينيين كان غير دقيق ممايدل على انهم لم يحافظوا على ثقافة الاخمينيين القدماء مثل ماادعوا. الفرس الساسانيين تأثروا بالفرثيين والفرثيين كانوا متاثرين بالاغريق وكان هذا سبب
ظهور مايسمى باللغة الفارسية الوسطى (بسبب التأثيرات على مدار 500 سنة) الملوك الساسانيين حكمهم سيمتد من 220 م الى وقت ظهور الاسلام. المملكة الاخمينية ماكانت الا توحيد سياسي لممالك كثير في العراق ومصر وغيرها. اللغة السائدة كانت الارامية لانها كانت سائدة قبل الحكم الاخميني والفرس
لم يحدثوا اي فارق كبير ثقافي عكس الاغريق بعدما اسقطوا حكم الفرس تحت قيادة الاسكندر الاكبر. لكن السؤال هل العهد الساساني كان مختلف من هذه الناحية؟ الواقع الاجابة هي لا. من المعروف ان الساسانيين كانوا على نزاع طويل الامد مع الرومان (والروم من بعدهم) ولم يستطيعوا فرض سيطرتهم على
نفس المناطق التي حكمها الاخمينيين (الشام ومصر بالتحديد) لفترات طويلة. والواقع ان هذا كان من اهم اهدافهم فشرعيتهم كانت مرتبطة بكونهم (احفاد) الاخمينين. لكن ماذا عن بقية بلاد ايران (ایرانشهر)؟ هل كان فيها حضارة فارسية شامخة متصلة جغرافيا ومتواصلة تاريخيا منذ وقت الاخمينيين؟
الواقع ان بلاد ايران (او كما تعرف خطأ ببلاد فارس من قبل الغير ايرانيين) كانت عبارة عن امبراطورية غير مركزية (شبه اقطاعية) بحيث تجد دويلات ومدن يحكمها حكام صغار (مثل الدهاقنه والمرازبة وغيرهم) يشبهوا المقطعين في التاريخ الاسلامي في مصر مثلا بحيث يملك شخص منطقته داخل الامبراطورية
الاكبر ويكون مسؤول عن ادارتها وجمع الضرائب واخذ حصته واعطاء الباقي البقية للملك الساساني. والواقع ان عدم وجود المركزية في الحكم من اهم اسبابه عدم وجود ثقافة واحدة "فارسية" توحد جميع الايرانيين. فالايرانيين لم يكن يجمع بينهم الكثير في الواقع (من عاصمتهم ستطيفون الى مدن شرقية
مثل سمرقند) قبل ان نشرح متى اصبح هناك هوية فارسية تقارن بالعربية والاغريقية وغيرها، ساتكلم قليلا عن بلاد ايران. ايران الساسانية امتدت من اطراف ايران حاليا الى اسيا الوسطى (دول حالية مثل اوزبكستان وافغانستان كانت جزء من ايران الساسانية) اللغة الفارسية لم تكن منتشرة بين الايرانيين
فحسب كلام ابن المقفع، الفارسية كانت لغة البلاط الملكي ومحصورة في المدن المجاورة للعرش الساساني. في غرب الدولة الساسانية، بجانب الفارسية الوسطى، كانت تستعمل لغات مثل الارامية (السريانية) والعبرية والخوزية والعربية وكلها لم تكن لغات ايرانية. اذا في غرب ايران كان هناك نفوذ كبير
لغير الايرانيين وكانت المسيحية بالتحديد منتشرة بشكل كبير بينما الزرادشتية (المعروفة بالمجوسية) فشل الساسانيين في تصديرها خارج منطقة حكمهم فسكان ارمينينا وجورجيا رفضوا العبادة في معابد النار الزرادشتية. اذا كانت الهوية الفارسية متعلقة بشكل كبير بالملوك الساسانيين وهم كانوا معروفين
بحكمهم المعتمد على اكثر انواع المديح والتقديس للملك فكان قصر الحكم مهيب ولكن خارج سياق اداب التعامل مع الحاكم لم يكن هناك اي وجود لثقافة ساسانية اصيلة في غرب الامبراطورية الساسنية. المعروف ان الساسانيين اسسوا اكاديمية جندشابور على الطراز الاغريقي وكانت لغة الاكاديمية هي الارامية
وليست الفارسية. العجيب الغريب ان الزرادشتيه وهي العنصر الاخر المرتبط بالهوية الفارسية الساسانية لم تنشا في بين الفرس الساسانيين وانما بين الايرانيين الشرقيين وتبناها الفرس الساسانيين. لكن من هم الايرانيين الشرقيين؟ هم شعوب لغاتها ايرانية(ترتبط ببعضها ولها نفس الاصل او اللغة الام)
لكن اللغات الايرانية كانت مختلفة عن بعضها. الايرانيين الشرقيين هم عالم لحالهم منفصل عن الهوية الفارسية المعروفة. كانت لغتهم السائدة هي الصغدية ولكن تكلموا بلغات كثيرة جدا من اهمها البخترية، الخوارزمية، ساكا، كانت مدنهم على او قريبة من طريق الحرير مثل سمرقند ونيسابور.
كانوا جماعات كثيرة منفتحة على ثقافات من جاورهم مثل الصين والهند والترك وكل من كان له وجود على طريق الحرير. المنطقة هذه كانت معروفة بمنطقة خراسان وماوراء النهر بعد الاسلام. وكانت منطقة دولية اكثر من كونها منطقة يقطنها ناس من ثقافة واحدة وعرق واحد. لتوضيح الفرق بين الايرانيين
الشرقيين والغربيين (الفرس) اقرا عن الهياطلة (حكم اسيا الوسطى وتحكموا في ملوك فارس انفسهم، او عن الحرب الساسانية الاهلية الاخيرة ماقبل الاسلام بين الفرس والفرثيين (الشرقيين) وربما اكبر دليل على عدم وجود رابط وثيق حضاري وهوية موحدة هو كون ان العرب المسلمين الاوائل وجدوا من يمولهم
في حملاتهم العسكرية بين الايرانيين الشرقيين. هذا يعود الى انهم شعوب مختلطة ومنفتحين على ثقافات كثيرة جدا وعقليتهم تميل الى عقلية "مصلحتي اولا" عكس عقلية الفرس المتمحورة حول الوجاهة الاجتماعية والقوة العسكرية. عندما دخل الاسلام بلاد خراسان كان في الواقع هناك لغات كثيرة جدا
موجودة في المنطقة ولم تكن الفارسية مهمة بل اقل اهمية من الصغدية والعربية في بداية التاريخ الاسلامي. اذا كيف ظهرت فكرة الحضارة الفارسية العظيمة واللغة الفارسية العريقة؟ في الواقع انه الى سنة 900 ميلادي لم تكن الفارسية الوسطى مهمة جدا وكانت العربية والصغدية والخوارزمية وغيرها
متسيدة بحيث يتكلم العامة لغاتهم المحلية ويتكلم طبقة العلماء والحكام العربية. استمر هذا الوضع الى ظهور الدولة السامانية في اسيا الوسطى فقط بعيدا عن مدن مثل الري واصفهان وبغداد. في عهد الدولة الساسانية كان هناك محاولة لاحياء كتابة الاشعار باللغة الفارسية. الحكام السامانيين المسلمين
اختاروا مكافأة من يستخدم الفارسية بدلا من العربية في كتابة الاشعار ولعل ضعف الحكم العباسي في هذا الوقت كان من اهم الاسباب في هذا التغيير. فاصبحت مع الوقت اللغة الفارسية هي لغة الديوان (على الطراز الساساني) واللغة العربية لغة العلماء بينما التركية كانت لغة الجيش حيث ان السامانيين
استخدموا المماليك الاتراك بشكل كثيف في جيشهم بحكم قربهم من الاراضي التركية في اسيا الوسطى. في نفس الوقت مازال الشعب يتكلم لغاته المحلية الكثيرة. التغيير الكبير راح يحصل بعد ثورة المملوك محمود الغزنوي التركي الاصل على السامانيين وابتداء عصر الدولة الغزنوية. من بعد سقوط
الدولة السامانية، لم يحكم "بلاد فارس" اي ايراني الاصل بعد ذلك سواء كان فارسي او غير فارسي. الترك والمغول سيحكموا الايرانيين الى وقت قيام الدولة الايرانية الحديثة قبل حوالي 100 سنة فيما عدا بعض الفترات مثل الدولة الصفوية (وجيشها تركماني ولكن حكامها اصلهم اكراد) الترك لن يغيروا
بطبيعة الحال من طبيعة الدولة السامانية لانهم اصلا محاربين مماليك. لكنهم سيفرضوا نظام الحكم هذا على كل سكان اسيا الوسطى ففي عصر الغزنويين وبعدهم السلاجقة نجد ان اللغة الفارسية يتم فرضها على جميع الايرانيين بحيث تصبح اللغة السائدة بين الايرانيين وغيرهم من قاطني اسيا الوسطى.
وهذا من عجائب التاريخ فالمماليك الترك ومن بعدهم السلاجقة هم من اهم الاسباب في انتشار اللغة الفارسية الحديثة (المليئة بالمفردات العربية بحكم النفوذ العربي واستخدام الايرانيين العربية بشكل كبير في الكتابة). فالفارسية كلغة ستصبح هي اللغة السائدة فقط بعد انتهاء حكم الايرانيين
وبداية عصر الحكم التركي! وهذا من عجائب التاريخ. فاغلب المبجلين للثقافة الفارسية وعلوها على الثقافة العربية ولدوا وعاشوا في بلاد حكمها الترك وفرضوا الفارسية كلغة على كل الايرانيين حتى انقرضت جميع اللغات الايرانية الاخرى؟
هل كان يعرف الكتاب الفرس المسلمين انه اجدادهم ربما لم يتحدثوا الفارسية اصلا؟ وهل كانوا يعرفوا ان بلاد فارس لم تكن موحدة ذات حضارة وثقافة واحدة وان اغلب التوحيد حصل تحت الحكم التركي؟ الموضوع معقد ولكن في العرف الاكاديمي الغربي، المؤرخون الغربيون مازالوا يستعملوا كلمة فارسي لوصف
كل ايراني "Persian" ولكن يبدوا انهم واعين ان فارسي لا تعني بالضرورة ثقافة معينة. فكون الشخص فارسي لا يعني مثلا ان يكون الشخص غير عربي. فهم يستخدموا مصطلح "فارسي عربي" للتحدث عن من هاجر اجداده العرب الى بلاد ايران واستقر فيها. والواقع انه غير مفهوم التمسك باستخدام كلمة Persian
ولكن ربما هي من اثار تأثير الاغريقيين الاوائل على الفكر الاوروبي. اقول هذا لاني لاحظت ان البعض يتكلم عن ان فلان فارسي حسب المصدر الانجليزي هذا او ذاك وكأن ذلك يعني بالضرورة ان الشخص غير عربي وهذا غير صحيح. لذلك وجب التنبيه لمن اهتم بتاريخ العرب المسلمين في بلاد فارس.

جاري تحميل الاقتراحات...