20 تغريدة 12 قراءة Jan 23, 2022
⁦♦️⁩سورة النجم: ليس من أبصر كمن رأى♦️⁩
{ ما زاغ البصر وما طغى. لقد رأى من آيات ربه الكبرى }. (17-18).
بقسمٍ قرآني واحد، يصبح التصور متسقاً مع تجربة تناظرية بين من شاهد بأم عينيه صلى الله عليه وسلم، وبين من سيرى بقلبه وبصيرته..في تناظر بديع بديع..
#بصائر_قرآنية
#ثريد
نعرف الآن -بمعطيات ذهنية عصرنا- عظم القسم الذي أقسم الله به جلّ وعلا.. فهويّ النجم/ سقوطه في جاذبيته/ هلاكه/ إسراعه.. يعجل بطمس قوانين الفيزياء حوله حال تشكل ثقب أسود بعد موت ذلك النجم..
وموضوع هذا القسم: صورتان متناظرتان بين تجربة خارقة حقيقية، وبين تجربة إيمانية للتصديق..
وقبل أن نقفز في هذا الثقب من موقعنا الحاضر، دعونا نرَ كيف أُسقطت التجربة على الصدّيق الذي تلقى علمها قبل 1470 عاماً، وهو من قال عنه عليه الصلاةوالسلام: " ما دعوتُ أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة، غير أبي بكر، فإنه لم يتلعثم"،
وكأنه إجابة آنية راسخة لأي سؤال مخلخل/ ماورائي..
لكن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لم يتردد أو يتروّ ليعمل تفكيره في قانون منطقي واضح، لذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن الله تعالى هو الذي سمى أبا بكر على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم صدِّيقاً"، ولم يلقب بالصديق إلا بعد الإسراء والمعراج حسبما روت عائشة رضى الله عنها..
قالت: "لما أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى أصبح يحدِّث الناس بذلك، فارتدّ ناس ممن كان آمن وصدق به وفتنوا به. فقال أبو بكر: إني لأصدقه في ما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء غدوةً أو روحة، فلذلك سمي أبا بكر الصديق".
هكذا كان رده المنطقي على "اللا معقول" القرشي.
{ يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفُذوا لا تنفذون إلا بسلطان }.  (الرحمن-33).
ويمكن أن نرى بديع الأسلوب القرآني في هذه السورة من خلال أربع ديناميكيات في أربعة مواضيع:
- تصور الزمكان في القرآن.
- التصور في السورة.
- منطق التكذيب.
- التناظر.
🔴 ديناميكية تصور الزمكان في القرآن:
{ يدبّر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه فِي يومٍ كان مقداره ألف سنةٍ مما تعدّون }(السجدة-5). { وإنّ يوماً عند ربك كألف سنةٍ مما تعدّون } (الحج-47). 
هذه النسبيةالزمنية غدت مطروقةً ومقاربة في عقليةالعصر الحديث، وعلى إثر القرآن تمضي..
فالمعادلة تتغير معطياتها الحسابية بتغير فوقيةالمادة المتحولة، فالثقوب السوداء -بحسب ستيفن هوكنغ- محميةمن الرؤية بأفق الحدث بمركزٍ من التفرد أو الـsingularity..وستكون بعد"انكدار" النجوم هي آخر الأجسام الباقية بعد اضمحلال التوسع الكوني المتسارع ( أو عند قيام الساعة)؛ حيث قال تعالى:
{ تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } (المعارج- 4).
هناك 505 أعوام بين نزول سورة النجم، ونظرية "جسور آينشتاين-روزن" أو الثقوب الدودية، التي تصل بين نقطتين مختلفتين وموجودتين في الزمكان، على هيئة طريق مختصر نظري يمكن أن يقلل من مسافة السفر الفضائي وزمنها.
🔴 ديناميكية التصور في السورة:
في رحلة عطلت قوانين الفيزياء والزمن، من سابع أرض لمثيلتها بالسماء، وافق ذلك سرد اختزالي وبإيقاع محتدم حتى يزامن الليلة الواحدة إياها..
يتتبع التصور الرسول صلى الله عليه وسلم بعد قسم النجم الذي هوى؛ وهو يرفع رأسه ليرى بالأفق الأعلى جبريل على هيئته»
يدنو ويتدلى» تتقلص المسافة إلى أمتار» ومنها إلى سدرةالمنتهى حيث وطئت قدماه موقفاً لم يكن لبشريّ قط..
وقد أعادتنا السورة لذات الديناميكية في نهايتها، لكن علينا كمتلقّين شرطيّين نغضّ طرف إيقاننا بحجة أننا لم نر حتى نؤمن، وكأننا ملكنا بالشكّ يقيناً بما نعلم.
وهذا هو الموضوع الثاني.
🔴 ديناميكية منطق التكذيب:
في مواجهة سافرة بين { ما كذب الفؤاد ما رأى} و { إن يتبعون الظن وما تهوى الأنفس}، { وما لهم به من علمٍ إن يتبعون إلا الظن }؛ يشخّص القرآن حالة (حيلة) التفكير المنطقي كاتجاهٍ للتكذيب، وكأن مسلّمات ذلك التفكير منهجية غير انتقائية، وغير قائمة على التعتيم..
تفكير ميتافيزيقي ميثولوجي، خلفه تفكير حداثي: {ولم يرد إلا الحياة الدنيا. ذلك مبلغهم من العلم}. أولئك { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ }: مقلدون دون هدى، محجوبون بأكاذيب مكررة ومحفوظة من أسلافهم، فلا يبقى لهم إلا { أم للإنسان ما تمنى} يُمرهم شكه الموجع بالتمني كحلّ نظري.
نموذج { ذلك مبلغهم من العلم}، ربما يقابله نموذج { فلا تزكوا أنفسكم } في الموضوع الثالث.. لأن الثقافةالموهوبة التي تربينا عليها ليست معامل اكتساب أو فخر، أولئك الذين يجعلون من هذه النعمة ميزة بها ينظرون للآخرين بدونية أو فئوية.. وليست بشفقة غامرة، وعظنا وإياهم واسع المغفرة سبحانه.
🔴 ديناميكية التناظر:
وفي الموضوع الرابع، تعلو ديناميكيةبإيقاع متأرجح بين أعلى وأسفل تتداعى له مستسلماً ومسلماً..
وكأن السورة تأخذنا لفجوةقرآنية سوداء متناظرةمع الرحلة الأولى، مع فارق المبتدأ والمنتهى؛ عرج رسول الله عمودياً، بينما
سيأخذنا القرآن أفقياً من مبتدأ التاريخ لمنتهاه.
ثنائيات الحال التي تتقابل ولا تتضاد قبيل دخولنا حالة التناظر:
إنه أضحك/ أبكى، أمات/أحيا، خلق الزوجين الذكر/الأنثى، من نطفةٍ يقابلها بالنشأة الأخرى بعد البعث.. ونحن مأخوذون بهذه القطبية الشاسعة..
ليبدأ التناظر من نجم الشعرى الذي كان يعبده بعض أهل الجاهلية، وربه رب النجم الذي هوى.
{ وأنه هو أغنى وأقنى} (48)؛
غنى الحضارات كانت لها أما اقتناؤها فللتاريخ ولنا حتى نرى..
عاد، ثمود (المخسوفتان بالأرض)، قوم نوح (المطمورين بالطوفان)، قوم لوط..
يعلّقهم الوصف من طاقة الوضع وهم في السماء قبل أن تهوي: { والمؤتفكة أهوى. فغشّاها ما غشى. فبأي آلاء ربك تتمارى } (53-55).
هذا النذير ليس جديداً حتى تتجاهلوه وتتنكروا له.. إنه نذير الفرصة الأخيرة؛ لأن الآزفة أزفت وأنتم ما زلتم متقوقعين بنكرانكم.. تعجبون، وتضحكون ولا تبكون وأنتم لاهون.
من أول التاريخ حتى طيّه كان العالم يدور في دائرة نسبية مغلقة، لكنها حتمية الصيرورة:
{ وان إلى ربّك المنتهى }. (42)
وقبل أن نصل لخاتمة مطاف الثغرةالقرآنية هذه.. دعونا نسترحع:
{ فلا أقسم بالشفق. والليل وما وسق. والقمر إذا اتسق. لتركبن طبقاً عن طبق. فما لهم لا يؤمنون. وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون}. الانشقاق (١٦-٢١).
ذات المقاربة في الانتقال النسبي { لتركبنّ طبقاً عن طبق}، لكنهم لم يسجدوا..
لكنه عليه الصلاةوالسلام لما تلا سورة النجم، أخذت بمجامع قلوب الحاضرين من المشركين وغيرهم، وكانت أول سجدة تلاوة نزلت.. فلما سجد صلى الله عليه وسلم سجدوا جميعاً، مؤمنهم ومشركهم، مصدقهم ومكذبهم، وكان من رأى كمن أبصر ها هنا.
{ فاسجدوا لله واعبدوا } (62).
والحمد لله من قبل ومن بعد.

جاري تحميل الاقتراحات...