3-ابن تيمية عوالم وليس عالم واحد. فهو الصوفي الذي يناقش أعمال القلوب، وهو الفقيه الذي يناقش أحكام الطهارة، وهو المتكلم الذي رد على كل الفرق، وهو الفيلسوف الذي يرفض الخلق من عدم ويقول بحوادث لا أول لها، وهي فكرة فلسفية عميقة تعود لأرسطو. هذه العوالم الغريبة تعايشت في رأس ابن تيمية
4-بطبيعة الحال، الكتابة عن ابن تيمية أو غيره من الشخصيات العامة يجب أن يكون موضوعيا، لا مدحا ولا ذما. يجب أن يكون هناك قائمة بالإيجابيات وقائمة بالسلبيات، وإن ملأت واحدة وتركت الأخرى، فأنت صاحب هوى.
5-سنبدأ من إمام المذهب نفسه، أحمد بن حَنْبَل، فرغم شدة أحمد على المخالفين له وتحريض جماهيره وتلاميذه على هجرهم، إلا أنه كان يجالس الحارث المحاسبي ويقول له (ما عندك يا صوفي؟). الحارث هذا من أكابر أئمة الصوفية وشيخ الجنيد البغدادي الإمام المشهور. أحمد كان محبا للصوفية.
6- إبراهيم الحربي هو أحد تلاميذ ابن حَنْبَل المشهورين، وهو صاحب مقولة (قبر معروف ترياق مجرب) يقصد معروف الكرخي الصوفي المشهور. هذه من القضايا التي أخذت على المتصوفة، التبرك بالصالحين، رغم أن قضية الإيمان هي بين الإنسان وخالقه فقط. وهذا التبرك أو التوسل يشوهها.
11-ليس بالإمكان الاطلاع على ما كتبه ابن عقيل في الدفاع عن الحلاّج، لكنني وجدت كلاما لابن تيمية في كتاب "الاستقامة" يقول فيه:
12-"وأحسن ما يقوله الناصر له(الحلاج) إنه كان رجلا صالحا، صحيح السلوك، لكن غلب عليه الوجد والحال حتى عثر في المقال، ولم يدر ما قال".
الاستقامة ١/١١٦
يبدو لي أن هذا تلخيص من ابن تيمية لكلام ابن عقيل في الدفاع عن الحلاج.
الاستقامة ١/١١٦
يبدو لي أن هذا تلخيص من ابن تيمية لكلام ابن عقيل في الدفاع عن الحلاج.
13-قرأتُ كل ما كتبه ابن تيمية وابن القيم وأتحدى أي باحث متخصص فيهما أن يجد جملة واحدة في كل ما كتبا على كثرته، تذم التصوف، أو تقدح في الصوفية ككل. نقدهما كان موجها لأفراد محددين كابن عربي وابن سبعين. بل هما صوفيان ملتزمان.
14-ولذلك أعجب ممن يؤلفون كتب من مثل (موقف ابن تيمية من الصوفية) ويُظهرون أن ابن تيمية كان عدوا للصوفية. هذا التقرير فيه قلب للحقائق، فابن تيمية صوفي وليس عدوا للصوفية. هو عدو لعلماء الكلام كالأشاعرة والمعتزلة، أما التصوف، فلا.
15-قد نجده يهاجم من أسماهم "ملاحدة الصوفية" يقصد ابن عربي وابن سبعين في الغالب. وحتى هذه الكلمة "ملاحدة" هي غير واضحة، لأنه قد يطلق وصف "الإلحاد" بمعنى الإلحاد في الصفات، أي من يتؤلون صفات الله، من المؤمنين الذين لا ينفون وجود الله. لذلك ذكرت فيما سبق أن المفردة غامضة ومضللة.
16-في كتابه "الاستقامة" لم يترك شيخا صوفيا لم يمدحه ويقتبس من نصوصه. وهناك إجلال كبير وخاص لصوفية الحنابلة تحديدا كعبدالقادر الجيلاني الذي تنسب له الطريقة القادرية، وأبي إسماعيل الهروي الذي يلقبه بشيخ الإسلام الهروي، رغم أن الهروي ممن اتهم بالقول بوحدة الوجود.
18-سيخرج من سيخرج الآن وسيقولون فلان لم يأت بجديد، كنا نعرف هذا من قبل.
22-ههنا دفاع عن الصوفي أبي يزيد البسطامي وهو ممن اتهم بعقيدة وحدة الوجود. صدرت عنه عبارات من مثل(سبحاني ما أعظم شأني)و(ما في الجبّة غير الله). ابن القيم يرى ألا نأخذ هذه العبارات بجِدية لأنه قالها في حالة العشق الإلهي الذي هو أشد من السُكر، حيث يشعر الصوفي بحالة الاتحاد مع الله.
23-ويصف ابن القيم حالة الفناء الصوفي، بأنها "تجريد شهود الحقيقة الكونية والغيبة عن الكائنات". لكنه يفرّق بين الفناء الذي يؤمن به ابن عربي وابن سبعين وهو الفناء عن "وجود" السوى. (أي ما سوى الله)، والفناء عن "شهود" السوى، وهو فناء أبي إسماعيل الهروي.
24-بلغة عصرية، الفناء الأول يعني أنه لا يوجد إلا الله. والفناء الثاني يعني أن الصوفي لا يستطيع أن يشاهد إلا الله، يرى الله في كل شيء حوله.
5-هناك فناء ثالث هو الفناء عن إرادة السوى، لكنه لا يهمنا الآن.
6-الفناء الذي يرفضه ابن القيم هو فناء الوحدة المطلقة كما نجدها عند عبدالحق بن سبعين وعند ابن عربي. الفناء الذي يقبل به هو فناء الهروي. أي أنه يقبل بوحدة الشهود ولا يقبل بوحدة الوجود. لكن، هل ثَم فرق على الحقيقة بين النظرتين؟
27-ابن عربي ليس ملحدا. هو لا يؤمن بالوحدة المادية كما نجدها مثلا في الفكر الماركسي المادي. هو رجل مؤمن بالله لكنه يتصوره بطريقة تختلف عن طريقة الحنابلة.
28-يصف ابن عربي وحدة الوجود عنده فيقول إنها ليست شبيهة "بوصول الجسم بالجسم،أو العَرَض بالعرض،أو العلم بالمعلوم،أو الفعل بالمفعول، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا".
(تحفة الطالبين- صفحة 14).
(تحفة الطالبين- صفحة 14).
29-هذا يتركنا في حيرة، فما هي وحدة الوجود؟هذه الوحدة وهذا الوصول والاتحاد بالله، كلها متخيلة وليست حقيقية. نحن نعلم أن منهج ابن عربي يعتمد بشكل كبير على الخيال، لا على المنطق العقلي. دراسة المنهج هي الخطوة الأولى لفهم أي مفكر. المناهج هي الأساس الذي يشيّد عليه البناء.
30-عند ابن عربي، يشاهد الصوفي محبوبه(الله) بالقرب منه على نحو واضح يفوق شعور الآخرين، كأنه يبصره حقا بعينيه. ويشعر بلذة الوصل، وهي أعظم من كل لذة، في حضور كامل لا ينقطع أبدا. ويشدد ابن عربي أن على الإنسان ألا يطمح فيما وراء هذا القدر. لكننا نلاحظ أن كل ما يتحدث عنه هو صور خيالية.
31-ويوصي ابن عربي بأن يعمر الإنسان حياته بالصلاة والعبادة وتهذيب الأخلاق، وأن ينسلخ من نفسه ليكون "كأنه هو" أي متشبها بالله. هذا لا يعني التقارب مع الحلول، فابن عربي يرفض الحلولية رفضا واضحا، فنفس الإنسان لا تكون الله، وإنما يكتفي بكأنه هو، أي التشبه بالله.
32-من هنا يتضح بقدر معقول أن الخلاف بين متصوفة الحنابلة ومتصوفة غيرهم، ليس حول (هل الله موجود أم غير موجود؟) فجميع الأطراف يؤمنون بالله. إنما الخلاف حول صفة الله. أي أن الخلاف رجع لمعركة الصفات بين الحنابلة والأشاعرة والفلاسفة، والتنزيه والتشبيه والتجسيم.
33-الخلاف يندرج ضمن روح صراع الفِرق. ومن هنا نفهم لم هذه القسوة مع تصوف أبي حامد الغزالي الشافعي الأشعري، رغم أنه قد سجل موقفا صريحا واضحا ضد فكرة الواحدية، سواء ما كان موافقا لمذهب ابن عربي أو ما كان موافقا لمذهب الهروي. أبو حامد رفض المذهبين.
34-لم أر باحثا جادا ذهب إلى ربط أبي حامد الغزالي بمذهب وحدة الوجود. إلا ما كان من عبدالغني النابلسي (صاحب تفسير الأحلام) فقد نسب الغزالي إلى هذا المذهب، وهو مخطئ حتما، فكلام الغزالي واضح جدا ولا مجال فيه للاحتمال.
35-في كتاب (الاستقامة)، يرد اسم أبي بكر الشبلي، وهو رجل كثير الشطحات للغاية، بل من أشدهم. كان تلميذا للجنيد ويقال إنه مجنون، ويقال إنه يتظاهر بالجنون هربا من السلاطين، فيعتذر ابن تيمية عن شطحاته بالقول: "لعله كان مسلوب العقل، فقد كان كثيرا ما يزول عقله".
الاستقامة
مجلد 2/صفحة 27
الاستقامة
مجلد 2/صفحة 27
36-ذكر ابن تيمية أن المتصوفة يقع بينهم تنافس وحسد، مثل كل البشر، وفسر هذا التنافس بعبارة قوية، فقال إنهم لا يفعلون هذا غيرة لله، وإنما "طلباً للانفراد بالتأله" لا لأجل الله.
طلبا للانفراد بالتأله!
أعجبتني العبارة!
طلبا للانفراد بالتأله!
أعجبتني العبارة!
37-قيل للشبلي : أتريد أن تره؟ (أي الله)
فقال : لا .. أنزّه ذاك الجمال أن يراه مثلي.
الاستقامة
(2/ 62)
فقال : لا .. أنزّه ذاك الجمال أن يراه مثلي.
الاستقامة
(2/ 62)
38-في حاشية للدكتور محمد رشاد سالم محقق كتاب "الاستقامة" ذكر أن أبا الوفاء ابن عقيل كان يُعظّم الحلاج، فأراد الحنابلة قتله.
انتهى
أرادوا قتل صاحبهم ابن عقيل الذي وصفه ابن تيمية بأنه "من أذكياء العالم". هذا يفسر رجوعه عن الكتيّب الذي ألفه في الدفاع عن الحلاج.
انتهى
أرادوا قتل صاحبهم ابن عقيل الذي وصفه ابن تيمية بأنه "من أذكياء العالم". هذا يفسر رجوعه عن الكتيّب الذي ألفه في الدفاع عن الحلاج.
39-سمع ابن عقيل رجلا يقول : اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك. فقال: يا هذا، هب أن له وجها. أله وجه يُتلذذ بالنظر إليه؟!
من هذا يظهر أن ابن عقيل على مذهب التنزيه والبراءة من التجسيم، أي تشبيه الله بالإنسان. لا بد أنه قد استفاد هذه من مجالسته للمعتزلة، رغم أنه لا يُصنّف معتزليا.
من هذا يظهر أن ابن عقيل على مذهب التنزيه والبراءة من التجسيم، أي تشبيه الله بالإنسان. لا بد أنه قد استفاد هذه من مجالسته للمعتزلة، رغم أنه لا يُصنّف معتزليا.
40-أول من أنكر المحبة في الإسلام هو الجعد بن درهم. أنكر من باب التنزيه، ما يعنيه ظاهر اللفظ في (يحبهم ويحبونه) وهذا بطبيعة الحال يتعارض مع التصوف، فالتصوف من ألفه إلى يائه قائم على الحب والرحمة.
41-لست متخصصا في اللسانيات ولا في اللغة، لكني أجزم أن لغة ابن تيمية وابن القيم لغة صوفية بامتياز. عبارات من مثل قدس الله سره ومدارج السالكين هي كلها مصطلحات صوفية.
42-نحن الآن في قلب (عالم ابن تيمية الصوفي) وهو كما تقدم عالم (بفتح اللام) من عدة عوالم يختلف بعضها عن بعض. عالمه الصوفي غير عالمه الفقهي أو الآخر الفلسفي. لكنها كلها كانت موجودة في عقله. وبطريقة ما نجح في ألا تتصادم عوالمه، هي متعايشة تماما، رغم أنها لا تندمج مع بعضها.
43-ماذا سيكون موقف "السلف الصالح" أو موقف عمر بن الخطاب الذي جلد صبيغ بن عسل لسؤاله عن معنى (والنازعات غرقا)، إذا عرضت عليه الرسالة "التدمرية" أو "درء التعارض"؟ سأترك الجواب لخيالك.
هذا عالم آخر لابن تيمية كمنظر وكمتكلم وكفيلسوف يختلف عن عالمه المعهود مع السلف الصالح.
هذا عالم آخر لابن تيمية كمنظر وكمتكلم وكفيلسوف يختلف عن عالمه المعهود مع السلف الصالح.
44-كتب ابن تيمية:
"وأبو حامد،مع كونه تابع في ذلك الصوفية،استند في ذلك لما وجده في كتب الفلاسفة، من إثبات نحو ذلك، فقالوا : يَعشق ويُعشق".
الاستقامة
2/103
"وأبو حامد،مع كونه تابع في ذلك الصوفية،استند في ذلك لما وجده في كتب الفلاسفة، من إثبات نحو ذلك، فقالوا : يَعشق ويُعشق".
الاستقامة
2/103
45-ذكر ابن تيميةالغزالي في(الاستقامة) 6 مرات،ليس فيها مدح،بل تدور بين الذم أو الذكر المجرد.مع أن أبا حامد أقرب إليه من بعض صوفية الحنابلة.هذا يؤكد ما قلتُه من أن معركة الصفات بين الحنابلة والأشاعرة قد تسللت إلى(عالَم ابن تيمية الصوفي)وهي موجودة أيضا في المدارج، رغم أنه كتاب تصوف!
51-مبدأ الرحمة الشاملة عند ابن عربي هو مثال على "نفَس الرحمن في الوجود". ويضيف ابن عربي إن مآل البشر جميعا هو إلى هذا النفَس.
52-وإذا كنا قد قررنا في كتاب (السعادة الأبدية) أن الفلسفة منذ أقدم الدهور كانت مشغولة بالسعادة كقضيتها الجوهرية، فإن المتصوفة لا يخرجون عن هذا السياق. فهذا هو ابن عربي، يقيم فلسفة شاملة على مبدأ الرحمة، وتأويل لنصوص القرآن والسنة بناء على مبدأ الرحمة الشاملة.
53-وهذا التأويل ليس اعتباطيا على الإطلاق، بل ينطلق من سعة مضمار التأويل عندهم. سعة في الدلالة وسعة في الفهم وتنوع في القراءات ونأي عن الحرفية. إنه تأويل التفاؤل والتفاعل، والرحمة مشرعة الأبواب.
54-سأفصل هنا بين البحثين غير المكتملين (تصوف الحنابلة) و (عوالم ابن تيمية). وسأخرج البحث الأخير من هذه السلسلة.
59-وحدة الوجود عند ابن عربي هي وحدة شهودية، أي أنه يشهد وجود الله في صور الكون، في وحدة واحدة لا كثرة فيها، متمثلة في وجوده دون سواه. لكن هذا لا يكون إلا في عين الإنسان فقط، يقول ابن عربي: "فما في العالم جزء إلا ويشاهد خالقه من حيث عينه، لا من حيث عين خالقه".
الفتوحات 2/ 575
الفتوحات 2/ 575
جاري تحميل الاقتراحات...