في سنة ٢٠٠٧/١٤٢٨ وبالتحديد في جامعة السلطان قابوس قدم الشيخ الخليلي محاضرة قوية رد فيها على منكري الكرامات والمعجزات والطاعنين في سنة النبي (ص)، وقد تباينت الآراء حينها بين مؤيد لموقف الشيخ ورافض وثالث محايد.
كانت تراودني فكرة أن الشيخ تعجل في الأمر، وكان الأفضل احتواء الموقف، غير أن الأحداث كشفت عن جهد كبير ووقت طويل سعى فيه الشيخ للحوار والمناقشة قبل اتخاذ هذا الموقف، ومنها محاضرة في بهلا بعنوان إعمال العقل بين الإفراط والتفريط، وغيرها من اللقاءات والأجوبة، ولا أظن أحدا ينكر ذلك.
وكانت تراودني أيضا فكرة التقريب بين وجهات النظر، بل كنت أعتب على عدد من الشباب شدتهم وغلظتهم في التعامل مع من رد عليهم الشيخ في المحاضرة على أمل أن تتلطف الأجواء وتهدأ القلوب.
كنت ألاحظ الاستفزاز الذي يمارسه كلا الطرفين في وسائل التواصل غير أني كنت أعتب كثيرا على مدعي الثقافة والفكر ونقد النصوص -وهم الأكبر سنا في كثير من الحوارات- دخولهم في مهاترات واستفزازات لا قيمة منها سوى إيغار النفوس وإثارة الأحقاد.
وفي الجامعة كانت تثار بعض الأفكار ليس بقصد الوصول للحقيقة بقدر ما هي استفزاز للآخر وحط من قيمة آرائه بغير بينة ولا حجة سوى شغل الوقت بما لا طائل من ورائه.
لم تكن محاضرة الشيخ في الجامعة هي الوحيدة فقد تلتها أعمال كثيرة منها طباعة المحاضرة في كتاب العقل، وظهور كتاب الحقيقة الدامغة، وبين هذين الكتابين وبعدهما تنبيهات كثيرة في كثير من المحاضرات والدروس واللقاءات.
كان الشيخ وما يزال مصرا على منهجه، وكأنه يشاهد المآلات والعواقب بأم عينيه، ويكفي عبارته المشهورة التي جعل فيها العقلانيين في خندق واحد مع الملاحدة.
لا شك أن الشيخ كان حريصا وما يزال على جمع كلمة الأمة ووحدتها ولا شك أنه أكثر حرصا على اجتماع كلمة العمانيين على الخير، ولذلك لم يكن ليتردد في الوقوف أمام كل من حاول الطعن في دين هذا البلد أو سعى لزعزعة أمنه أو تشويه أخلاقه، وما الشيوعية ببعيد عن ذلك.
كان عتب كثير من العقلانيين -إن صح التعبير- أن الخطاب الديني ضعيف، وأن محور حديثه اللحية والموسيقى والإسبال، غير أن الواقع في تقديري بخلاف ذلك، ولا أذكر أن أحدا فاتحني في موضوع لحيتي مثلا أو ناقشني في الموسيقى وربما حصل ذلك نادرا في الإسبال.
الغريب في الأمر أن كثيرا من هؤلاء الذي يعيبون على الخطاب الديني صنيعه ذلك هم أكثر من يتحدث في هذه الثلاثية في وسائل التواصل الاجتماعي بل وفي اللقاءات الخاصة وربما كتب بعضهم في ذلك كتابا، وما زال الأمر بالنسبة لي محيرا.
كنت وما زلت أتمنى أن يعود الأمر إلى سابق عهده، غير أن استقراء فاحصا لمنشورات 'العقلانيين' على الأقل في التويتر تكشف عن كارثة كبيرة ما كنت أرجو حصولها فقد ابتعدوا كثيرا وكثيرا جدا عن قيم هذا الدين وما عدت أشم رائحة الإسلام في كتاباتهم.
أقول ذلك وأنا أتقطع حرقة على هذا الحال، وليت القوم يعون حقيقة هذه الدنيا وإلى أين المصير.. الاستفزاز لا يحقق علما ولا يرسخ فكرا ولكنه يوغر النفوس ويثير الأحقاد فقط.
من ٢٠٠٧ -أول محاضرة للشيخ- وإلى اليوم لم نسمع اسما واحدا من الشيخ وهو يرد ويفند بل كان منهجه واضحا دون ذكر أشخاص بأعيانهم، ثم مضى في طريق الإصلاح ونشر العلم والكل يشهد له بذلك، الموافق والمخالف، العماني وغير العماني، الشعوب والحكام، العامة والخاصة.. بل بلغ ذلك مبلغ التواتر.
وجُل مؤلفات الشيخ بعد ٢٠٠٧، ويكفينا برهان الحق في ١٦ مجلدا، دعكم من سؤال أهل الذكر ومحاضراته العامة والحوارات واللقاءات، ووقف الإمام جابر بن زيد والمساهمة في معالجة الأضرار التي خلفتها الأنواء المناخية في ظفار والوسطى ودعم صندوق مكافحة جائحة كورونا، وغير ذلك كثير جدا.
فماذا قدمتم أنتم طوال هذه المدة سوى الاستفزاز والهمز واللمز؟ سوى قتل عاطفتنا الدينية ولمز كل ما يتعلق بقيمنا ومبادئنا.. لا أريد أن أتجنى على أحد ولندع الحكم للناس، وهذه صفحاتكم على التويتر فلننظر فيم تغردون وبأي شيء تعجبون وفيم تبادرون.. صدقا أجده سرابا تظنونه ماء فإذا هو لا شيء.
تعبيون على أهل الالتزام التزامهم وتمسكهم بدينهم وتلمزون لحاهم وملابسهم وأشكالهم وألوانهم وثقافتهم وفكرهم.. فماذا أبقيتم للجهلة؟ وماذا قدمتم أنتم لمجتمعكم وأمتكم؟
أين أنتم عن دعم الفقراء والمعوزين والمحتاحين؟ أين مشاريعكم الوقفية والتنموية؟ أين مبادراتكم المجتمعية في الأنواء المناخية وفي جائحة كورونا؟ أين بحوثكم العلمية التي تنقذ الأمة وترتقي بها؟ وقد كنتم ترون الروايات والتفاسير والفقهاء سبب تخلف الأمة.. ماذا قدمت لترتقوا بالأمة؟
كلنا نستطيع الكلام ونتقن الحديث ساعات وساعات.. ثم ماذا؟ لا شيء على أرض الواقع.
يحفظ الواحد بعض المفردات الغربية والمصطلحات الإنجليزية ويظن نفسه الفيلسوف الذي لا يشق له غبار والمنطقي الذي يقهر الخصم بحجته وهو لا يتحمل رأي الآخر.. وكم هم الذي حظروني وسيحظروني.
يحفظ الواحد بعض المفردات الغربية والمصطلحات الإنجليزية ويظن نفسه الفيلسوف الذي لا يشق له غبار والمنطقي الذي يقهر الخصم بحجته وهو لا يتحمل رأي الآخر.. وكم هم الذي حظروني وسيحظروني.
نسأل الواحد عن رأيه في المثلية والإلحاد فيتلكأ في الجواب وكأنها مسائل من قبيل الرأي والنظر والاجتهاد، وكل مجتهد فيها مصيب، وإذا سئل عن الموسيقى والغناء أو اللحية ترى هوسا في التحليل واللمز.
تموت امرأة أمضت حياتها في الكيد لهذا الدين ونسف قيمه وثوابته ومبادئه فيترحمون عليها ويدافعون عنها، وقبلها بيوم يموت العلامة المفسر الصابوني ولا تسمع لهم همسا، ولا أحد يترحم عليه.. أهكذا تكون الغيرة على دين الله؟
يستعد المسلمون لاستغلال شهر رمضان فلا تجد في صفحات هؤلاء إلا اللمز في الطريقة المتبعة لرؤية الأهلة وفي ميعاد ليلة القدر وفي الإكثار من تلاوة القرآن، ويخططون لإقامة الندوات التي تطعن في ثوابت هذا الدين وقيمه.
أتحدى أن تجد في صفحاتهم ما يحرك قلبك أو يحيي ضميرك أو يقربك إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.. أفمثل هؤلاء لا نغضب عليهم؟ كان حقيقا بالشيخ الخليلي أن يفضحهم ويعري حقيقتهم ويصرح بأسمائهم لولا مبادئ هذا الدين وأحكامه وآدابه.
انظر في صفحاتهم وفيمن يعجبون بهم.. هل تجد غيرة على الدين؟ هل تجد حثا على اتباع الرسول؟ هل تجد دعوة للخير؟ هل تجد نهيا عن منكر أو أمرا بمعروف؟ لن تجد شيئا من ذلك مطلقا بل ستجد تسفيها للعلماء وقدحا في أهل الصلاح والنصح من وعاظ وأكاديميين وطعنا في الفقه والتفسير والحديث واللغة.
نعم.. قد أكون قاسيا بعض الشيء ولكني ذقت الأمرين من هذا الفكر، وكنت أظنه خلافا في الرأي ولكن كل يوم يمضي تنجلي الحقيقة وما أحسب الشيخ إلا بارا بقسمه.
أدركوا أنفسكم وكونوا كبارا بحق ودعوا عنكم استفزاز الشباب في دينهم وشريعتهم واعتنوا بتخصصاتكم وقدموا للأمة ما ينفعها إن كنتم صادقين وحريصين عليها.
نبهني أحد الأصدقاء إلى خطأ اختصار لفظ الصلاة في الحرف (ص) فأستغفر الله وأتوب إليه.. كنت أراعي عدد الأحرف أو السرعة في الكتابة أحيانا.. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
جاري تحميل الاقتراحات...