ليس هناك مجال للحديث عن الحرية والأخلاق والضمير والمسؤولية، إن الغريزة هي العلة الأولى والأخيرة لأي حدث، لكن لما كان من مصلحة الضعفاء أن يقولوا للسادة "أنتم أحرار فيما تصنعون، فقد كان ذلك بهدف تحميلهم مسؤولية فعلهم وبالتالي إضعاف إرادتهم بعقال الضمير المصطنع
هذا هو أصل الأخلاق وبداية الثقافة النفسانية ...
و هذا هو مضمون نقده للاخلاق الحداثية و المدنية و التي يراها مجرد تقييد للأشخاص فقط من جانب الحرية و الإبداع و من أجل هذا فسح المجال لظهور السوبرمان أو الانسان المتعالي عن القواعد الأخلاقية و السلوكية و حتى القانونية التي حسبه تقيد حياة الناس ....
كان هذا الأمر هو الشائع لدى أصحاب مدرسة Sturm und Drang , و ليس نيتشة أول من جاء به ، فقد كان فريديك شيلر سبقه في هذا التصور في مسرحية فيسكو التي تتكلم عن رجل طاغية في مدينة جنوة و رغم طغيانه اعتبره شيلر اكثر وعيا و ثقافة و تفوقا على نظراءه الذين هم في حاجة إلى سيد
و رغم ان نهاية المسرحية كانت تراجيدية بإغراق فيسكو الا أن شيلر رغم أنه قال أن هذا الأمر حتمي و صحيح إلا أنه عقب : (( إلا أننا مع ذلك نخسر شيئا مع فيسكو، إنه إنسان متفوق في صفاته على أولئك الذين يقتلونه عن وجه حق)) ..
و عند النهاية يحقق شيلر نظرته السوبرمانية الأولية التحررية من خلال القول : ((إذا كان المجتمع سيئا، وكان من المستحيل الحفاظ على أخلاقيات سليمة، وأُعِيقت كل جهود المرء، ولم يعد هناك ما يمكن فعله، فليسقط المجتمع، وليجر تدميره، ولتصبح كل الجرائم مباحة)) ...
لكن على الطرف الآخر نجد أن دوستويفسكي ككاتب و مفكر عظيم استطاع ضحد ادعاء السوبرمانية ، في رواية الاخوة كرامازوف ، حيث وضع بذور هذه الشخصية في ايفان الذي كان منزعجا من السؤال الوجودي و حيث أنه بعد ذلك سلك الطريق الإلحادي ، الذي أدى به في نهاية الأمر إلى الجنون ،
ذلك الجنون لم يكن سوى تحللا من كل قيمة في هذا العالم و قال : إن لم يكن الإله موجودا فكل شيء مباح ....و كان ايفان مسكونا بسؤال العدالة في الوجود و كان سعيه نحو العدالة هو ما جره الى التمرد على الدين و التعاليم الماسيحانية ،
و رغم ذلك لم يستطع الوصول لشيء و انتهى به الامر الى التدمير الذاتي ... و اصر دوستويفسكي على ابراز شخصية ايفان كارامازوف و النتائج الواقعية الوخيمة لنظرته إلى الوجود ،
هذه النتائج التي أذهلته و جعلته يشعر بالاشمئزاز تجاه معتقداته الإلحادية التي تبناها من أجل العدالة التي لا توجد أصلا في عالم الإلحاد و لم يكن الرجل الخارق شخصا نبيلا ومأساويا وصادقا كنابليون في منفاه كما كان يتصور و يأمل ايفان
بل ظهر له أنه شخص وضيع وشرير ومدمر....و لو قدر لنيتشة أن يعيش و يرى نتائج السوبرمان و تلك النظرة الوجودية التي اخرجت لنا النازية و كانت طرفا فاعلا في حروب عالمية عظيمة ..
في آخر المطاف جن نيتشة لمدة 12 عاما و لم يستطع ان يكون مان فضلا على ان يكون سوبرمان و يقول عن هذا علي عزت بيجوفيتش مقولة خالدة رحمه الله : (( نحن ما نكونه بالفعل، وليس ما نتوهم أو نتمنى أن نكونه)) ...
@rattibha
@rattibha
جاري تحميل الاقتراحات...