ثمّ موضوع مشكل لدى الكثير من طلبة العلم، ونُقل هذا الإشكال إلى العوام، ألا وهو الاختيار والتجريب في الرقية الشرعية.
صورة الموضوع: يقوم الراقي؛ من يرقي نفسه، أو غيره. باختيار عدد من الآيات التي يرى مناسبتها لحال المرقي، إما لأجل موضوعها وإما لكونه قد جربها على نفسه أو على غيره فأثبتت فاعليتها، ولا تكون هذه الرقية المختارة مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم الرقية بها.
من أشهر ما يُنقل في هذا قراءة سورة البقرة يومياً بقصد الرقية، أو الحفظ من السحرة والشياطين، وهي مسألة أثيرت مؤخراً من أحد المشايخ الكبار المتّبعين وحكم بكون قراءتها يومياً بدعة من قبل الرقاة !
والحق أني كنت ممن يميل إلى هذا الرأي ولم أصرح به، واستشكل اختيار عدد من الآيات للرقية من أمراض محددة، أو لأغراض مقصودة كالسكينة ونحوها.
ما الذي غيّر رأيي ؟ رجل - غفر الله له - شنّع كثيراً على أولئك الرقاة، وحكم عليهم بالابتداع والخروج عن منهاج السنة والدين، وكان غالياً في إنكاره.
ما الذي غيّر رأيي ؟ رجل - غفر الله له - شنّع كثيراً على أولئك الرقاة، وحكم عليهم بالابتداع والخروج عن منهاج السنة والدين، وكان غالياً في إنكاره.
فأردت أن أهدئ من تشنج صاحبنا في المسألة فساق الله على لساني دلالة ما كنت أستحضرها من قبل، ولا أراها إلا فتح أراد الله بي خيراً حينما ساقه على لساني، وإلا فما سبق أن طرأت على قلبي تلك الدلالة التي أراها الآن ظاهرة جداً - بالنسبة لي على الأقل - !
أخرج مسلم في صحيحه (2200) عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، قَالَ "كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ فَقَالَ: اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ".
هذا الحديث فيه دلالة من عدة وجوه:
الوجه الأول: قوله "كنا نرقي في الجاهلية"، وهذا ظاهر الدلالة أن الرقى هنا:
- أدعية مناسبة للمقام، فما ثَمَّ قرآن في الجاهلية.
- كونها كانت في الجاهلية فليس فيها شيء وارد عن النبي ﷺ.
الوجه الأول: قوله "كنا نرقي في الجاهلية"، وهذا ظاهر الدلالة أن الرقى هنا:
- أدعية مناسبة للمقام، فما ثَمَّ قرآن في الجاهلية.
- كونها كانت في الجاهلية فليس فيها شيء وارد عن النبي ﷺ.
الوجه الثاني: أن قول النبي ﷺ "اعرضوا عليّ رقاكم" دليل آخر على أن تلك الرقى ليست مما ورد عن النبي ﷺ ولو كانت من الوارد عنه ﷺ لما قال "اعرضوا عليّ رقاكم".
الوجه الثالث: قوله ﷺ "لا بأس بالقرى مالم يكن فيه شرك" حكم عام بجواز أي رقية لا تتضمن شركاً بالله عزّ وجل، وفيه أيضاً أن تلك الرقى لا يلزم أن تكون من القرآن والسنة، إذ إن نصوص القرآن والسنة لا تتضمن شركاً.
الوجه الرابع: لو كان الأمر في الرقية محكوماً بالوارد عنه ﷺ لأمرهم ألا يرقوا إلا بما ورد عنه ﷺ ، ولكن تقدير قوله "لا بأس بالرقى ... الحديث": تخيروا من الرقى ما ليس فيه شرك.
جاري تحميل الاقتراحات...