خالد عاذي الغنامي
خالد عاذي الغنامي

@kalghanam

14 تغريدة 22 قراءة Apr 10, 2021
1-سأتحدث هنا عن قضية أثرناها بالأمس، إلا وهي أن الحالة التي تعتري المفكر فيتصور نفسه ملحدا، هي في حقيقتها حالة قصور في الوعي. أصل هذه الفكرة عند هيغل، فهو من وصف الشكوكية أو اللا أدرية بأنها قصور في الوعي الإنساني، ووصفها بأنها حالة زمنية، أي مرحلية، لا بد من تجاوزها.
2-يقول هيغل إن العقل الذي يعيش حالة شك، هو في الحقيقة عقل يعيش حالة وهم، وذلك لأنه يعتقد واهماً أنه يهدم العالم الخارجي، في حين أنه لا يفعل ذلك إلا في مدى مجرد، هو نطاق الفكر.
3-الشك لا يظهر – من وجهة نظر هيغل – إلا حين يتم خروج الذات من حالة الانطواء التي كان يعيشها الفلاسفة الرواقيون، إلى حالة الاصطدام بجزئيات الواقع. قبل هذا الخروج وهذا الاصطدام بالواقع، لا يمكن للشك أن يُتصور، ولا أن يقوم.
4-الشَكّاك عند هيغل، لم يأخذ من (الديالكتيك) "الجدل" إلا حالته السلبية التي هي نقيض القضية، نقيض الإثبات. أي حالة النفي والإنكار، وهو لا ينتقل منها إلى مرحلة الفعل والإنتاج والتركيب.
5-بعبارة أخرى، الفلسفة تفكيك ثم تركيب. الشكّاك يفككك ولا يُركب، وهذا عند أكابر الفلاسفة فعل ناقص، ولا بد من التركيب. لا بد أن يكون لك رؤية تخضع للنقد. أما أن تعمل كمطارق نتشه للأبد، فهذا هو موقف السفسطائي. وكان قدماء الفلاسفة يقولون، لن تسمع صوت الحكمة، حتى يسكت صوت السفسطائي.
6-ومع أن الفعل هو بمثابة نفي للمعطى، نجد أن الشكّاك يقتصر في نفيه على إعمال الفكر فقط. يتصوّر أنه حر لأنه يوجد وحده في عالمه ذاك، لكنها حرية وهميّة فقيرة.والدليل على ذلك أنه لا يقوم بأي صراع حقيقي من أجل الحصول على إقرار فعلي أو شهادة عملية بما له من حرية، في صميم العالم الواقعي.
7-ولذلك فإن النفي الذي يقوم به الشَكّاك هو نفي نظري محض، لأنه لا يكاد يتجاوز الحملة على الفلسفة الحقة، إلا لينتقل إلى حالة من العدمية والعبثية والقول باللا جدوى.
8-يقول هيغل إن الشك قد ينطلق من خلال النفاذ إلى شتى تحديدات الخبرة والحياة، ولكن هذا النفاذ لا غاية له سوى الكشف عن عدمية تلك التحديدات ونفي وجودها. وبالتالي فإن موقف الشكّاك هو أقوى تعبير عن القوة السالبة الهدامة القابعة في صميم الفكر، فالشك يسعى دوماً في سبيل هدم الفهم والعقل.
9-الملحد يعتقد من خلال وعيه الحسي أنه قد نجح في رؤية الحقيقة من خلال استحواذه على المعرفة المباشرة بالأشياء المحسوسة، لكن سرعان ما يرى هذه الحقيقة وقد هربت منه دون أن يفهم كيف حدث هذا.
10-ويواصل هيغل نقده قائلاً : "وأما الوعي الإدراكي فقد راح يضع الشيء خارجاً عن خواصّه، ظناً منه أنه بذلك يهتدي إلى وضع ثابت مستقرٍ، ولكن هذا الوضع الثابت قد هرب أيضاً، دون أن يفهم كيف أمكن أن يحدث هذا أيضا".
هيغل يرفض فكرة الوجود الساكن وكان يسعى لفهم الوجود في حركته لا في سكونه.
11-ثم ظهر الشكّاك فرفضوا الآخر الذي يسمّى بالموضوع، لا موضوعية على الإطلاق، وأصبح الوعي الذاتي هو الحقيقة الواقعية، وذلك عندما قالوا إن الإنسان مقياس كل شيء.
12-وهكذا يتضح أن موقف الشكاك عند هيغل يقترن بحب الهدم والرغبة في التحطيم، فهو أشبه ما يكون بعملية ديالكتيكية ذات طابع سلبي محض لا ترغب في الوصول إلى المركب من القضيتين، ولا ترغب في الخروج برؤية موضوعية للوجود والكون والحياة. ناهيك التحدث عن التفاؤل أو راحة.
13-ولا يمكن للشك أن يؤكد ذاته، إلا من خلال نفيه لما هو مباينٌ له. هذا معناه أن هناك ثنائية تقبع في صميم الموقف الشكوكي. وبهذا يكون موقف الشك بحسب هيغل، موقفا متهافتا متناقضا، لأنه يبقى ملتصقاً بالواقع الذي يحاول إنكاره، إنه أسيرٌ لما يريد أن يقوم بنفيه.
14-اختر أي اسم من أسماء الكُتاب المشهورين وتتبع مؤلفاته، وستجد أن كلام هيغل ينطبق عليه تماما. عبدالله القصيمي مثلا، لم ينشغل بشيء آخر بعد أن نفى الدين، بل بقي في كل مؤلفاته أسيرا لما يريد أن يقوم بنفيه، وكأنه كان يشعر بعد كل كتاب أنه لم ينجز مهمته بعد. هذا شأن لا ينتهي.
انتهى

جاري تحميل الاقتراحات...