عبداللطيف خالد القرين
عبداللطيف خالد القرين

@AlquraynAK

20 تغريدة 8 قراءة Apr 07, 2021
استقلّت مقعدها في القطار الأسبوعي المتجه إلى العاصمة حيث مصدر رزقها، بعد أن تأكدت من اتجاه سير هذه القاطرات التي تشق الصحراء غير آبهة. العادة الوحيدة التي ما زالت تحتفظ بها منذ طفولتها، اعتادت أن تعاكس تجاه القطار! تقول أنها تُحب مراقبة الأشياء وهي تكبر وتشعر أنها تحتضن مدينة.
غرست سماعتيها في أذنيها لتشتعل موسيقى صاخبة وشرعت تقرأ روايتها الملأى بالدموع. هذه العادة تعود بدورها إلى عام، تقول: "انتبه أن تترك لقلبك حريّة القرار، دعه يواجه ثلاثة إلى أربعة مشاعر مختلفة في الوقت نفسه، هذا القلب اللعين لا يجب أن يترك القرار إليه، سيعبث بك".
انطلق القطار وغرقت هي في روايتها متعامية عن أفول مدينتها الصغيرة خلف ظهرها. كانت تقرأ بصمت جاد كأنها تلتهم معلومات تاريخية من أمهات الكُتب أو كأنها تنهل مما سطّر آباء الفلسفة. صمت تتخلله قهقهات يغطي دويّها قاطرة واحدة على الأقل، تزيد المسافة قليلًا لكنها لا تنقص أبدًا.
على المقعد المقابل شاب تقليدي مابين الجديّة وعدم الاكتراث، صوّب عينيه نحو الغلاف مع أول قهقهة:(شجرتي شجرة البرتقال الحزينة)،ابتلع الشاب غموضه، وابتلعه مع القهقهة الثانية حتى كاد يغص به في المرة الثالثة فانقض على الرواية بهستيرية: "كفي عن اللعب! تضحكين وأنتِ تقرئين هذه الرواية!"
"لقد قرأت ٣٦٢ رواية خلال خمسة عشر عامًا، لم أبكِ قط كما بكيت على أحداث هذه الرواية! كم عمرك؟ هل أنتِ مجنونة؟ هل تميزين الأحداث! أم أنكِ بلا قلب؟ هذه الرواية ليست للتسلية!".
اتسعت عينا الفتاة، ضحكت بدايةً ثم استنكرت ما حدث فجأة، وبالكاد تعرفت على الشعور الحقيقي فانخرطت في البكاء.
ارتبك الشاب: "ماذا فعلت! دع الفتاة وشأنها! متى تكف عن هذه الأفعال الحمقاء. احترام الكتاب؟ هل يعلم يا مغفّل الكتاب عن ردود أفعال قارئيه؟! ألم تسمع عن موت الكاتب؟! الكتاب يُصبح ملكًا لقارئه يُفسّره كيفما شاء".
استمرت الفتاة في البكاء حتى تقطّعت أنفاسها وأخذت تنتظم رويدًا رويدًا ..
بادلته بنظرات مريبة، لم يتعرّف على مغزاها بسهولة رغم إجادته للغة الأعين. امتنان ظاهر وسط ذلك الزحام من الدموع، قفز الشاب إلى الكافتريا واحضر قارورة مياه، فتحها، ناولها إياه: "آسف". ابتسمت وشرعت تغسل روحها بالمياه بعد أن أشاحت بوجهها عنه ...
بعد أن انتظمت نبضاتها ودون أن تعيد أنظارها إليها: "ليس لدي إجابة على هذه الأسئلة المعقدة، أما عمري فأنا طفلة فقدت مشاعرها منذ عام بما يُناسب هذا العالم الكئيب الذي يعج بالغرباء، أم تظن أن المدينة شيء آخر غير قطار كبير؟! كُلٌ يحمل آلامه وآماله في حقيبة سريّة لا يكترث بما فيها أحد"
"فقدت مشاعري أو التعرف عليها بالتحديد منذ عام، تستطيع القول أنني من المواليد حسب تقويم الكآبة. تبدأ الأحداث منذ شخصت بالاكتئاب، لم يكن حادًا، لكنه اكتئاب على أي حال. كنت أختنق لأحدد مشاعري،كنت أصارع الألوان،كل شيء كان أُحاديًا، ألا تعلم أن الرمادي يُصنّف زهريًا في عالم الاكتئاب؟"
"فقدت أقرب صديقاتي التي كانت كل شيء، حتى أسميتها أمي في هاتفي بعد أن رحلت أمي، فارقتني لأنها لم تحتمل حدّة تعاملي الذي لا أتذكّره، كنت أتمزق إحباطًا وكراهية لنفسي،تقول أنني آذيتها، لا أتذكّر ذلك قط. اتصلت بفهد، تستطيع القول أنه حبيبي أو خطيبي أو زوجي فكل صفة يكتسبها تبقى مستمرة".
"أخذ يطبطب عليَّ، لا عليك سأكون معك، لن أتحرّك خطوة، لن أتركك يا صغيرتي. لم يتجاوز صبره أسبوعًا، اكتئابي وفقدي لصديقتي؟! كان ذلك كثيرًا عليَّ، كنت غير محتملة أدرك ذلك جيدًا، لكنني بين يديه كُنت أشعر أنني في مأمن، كان شعورًا زائفًا. هجرني مع أول كلمة أصابت روحه لحظة فقداني للوعي"
"استيقظت من اكتئابي، أخذت أركض عارية من كل شيء، على وجه الخصوص حذائي وعقلي، وبناء على تجربتي إذا أُجْبرت في هذا العالم عن التخلي عن عقلك أو حذائك فقاتل على حذائك. عمومًا ركضت إلى قدميه، رجوته ألا يتركني، قال بحزم لم أعهده منه، أنا لست مسؤولًا لأتحمل الأذى من كلماتك اللا مسؤولة!"
"قال عن سلامه الداخلي أشياء كثيرة، وقال أنه مستعد أن يعطيني كل شيء إلا أن يتحمّل كلماتي اللاواعية. شعرت باختناق أيها الغريب حينها، و أمضيت على المعاهدة مرغمة، معاهدة ليس فيها سوى مستفيدًا واحدًا. أما أنا فقد فقدت وطني منذ تلك اللحظة، لكنني أردت أن أخرج بأقل الخسائر"
"ومنذ تلك الليلة حتى شُفيت من الاكتئاب وحدي دون مساعدة من أحد، عفوًا كان يُسَمِّي انتباهه إلى مواعيد أدويتي وإلى موعد نومي اهتمامًا، لكنني كنت أستطيع أن أتدبّر هذا لوحدي، كُنت بحاجة إلى من تخرج أمامه مشاعري بشكلها الطبيعي. كنت أود أن أصرخ، أشتم وأن أغضب عليه دون أن يهدد بالرحيل!"
"بدوت كأنني طيرٌ في قفص، يضعون له زاده ويغلقون عليه أبواب، ويقصقصون شيئًا من جنحانه. هكذا فقدت رغبتي في التعبير بعد أن تغلغل الخوف فيَّ من فقدان العلاقة، وبعدها بدأت عادتي في مخادعة عقلي وقلبي، أصب عليهما ثلاثة إلى أربعة مشاعر في آن واحد حتى اختل ميزانهما"
"قُل لي يا غريب ما هو الأمان إذا فقدنا القدرة على التعبير عن دواخلنا؟ قُل لي ما هو إذا كنت تخشى أن تغضب كي لا تفقد عزيزًا! الأمان أن تخيّرني بينك و أن انفعل انفعالًا طبيعيًا في أشد حالاتي سوءًا! أليس الأمان أن أجعل مشاعر الحزن تتدفق دون أدنى خوف أن تُسْتخدم أوراقي لإقصائي؟!"
تتسع ابتسامتها وهي تحتضن العاصمة، مجرد عادة طفولية، أكملت وهي مبتسمة: "والحمدلله تمكنت من الحفاظ على زوجي، لم أفقده، لكن مشاعري تم إقصاؤها، ألا تجدني أتعرى أمامك دون خجل! فهذه هي المرّة الأولى منذ ذلك الحين أن يستمع إليَّ أحد دون أن أخشى رحيله عنّي"
"مر عام كامل ولست متأكدة إن كُنت حافظت عليه أم لا، لكن الأكيد أنني أشاركه كل شيء إلا مشاعري، وعندما أغضب عليه لا أتفوّه بكلمة، فأنا تحت تهديد السلاح. تستطيع القول أننا حافظنا على علاقة بلا خلافات بعد أن عريّناها من انفعالاتنا."
كسر الشاب صمته: "كالطعام بلا ملح!".
"ما المشكلة؟ عالجتها وأصبحت أتناول العلاقة وأنا أتخيّل الملح، وسارت الأمور على نحوٍ لا بأس به. فحتى شجرة البرتقال اللذيذة جعلها هذا الكاتب التافه حزينة، لا أعلم كيف أعطى لنفسه الحق أن يُكْسِب جمادًا مشاعر حزن، ألا يكفينا أن هذا العالم الكئيب فرّغ البشر من مشاعرهم!"
"هل تدرك أنه بإمكاننا أن نُسْعِد شجرة البرتقال بمجرد الاصغاء إليها عندما تئن؟! و التربيت على جذعها عندما تقذف ثمارًا غير صالحة؟"
النهاية
عبداللطيف القرين
٥ أبريل ٢٠٢١ م

جاري تحميل الاقتراحات...