بدأ تاريخ التحرش الجنسي مع نشوء فكرة الحدود الاجتماعية التي لا يجب تجاوزها، التحرش مفهوم لا يمكن أن يكون إلا في مجتمع نشأت فيه الأسرة والزواج وتم فيه تحريم الزنا، مجتمع نشأ فيه نوع من الفصل بين الجنسين مع تقسيم تكاملي بين الرجال والنساء.مجتمع له بناء أخلاقي يدعم تلك المؤسسات.
بذلك يكون التحرش موقفا لا أخلاقيا، وجريمة يعاقب عليها المجتمع وتاريخ التشريعات لا يعطي عقابا محددا للتحرش لأنه من نوع تلك الجرائم التي تضرب الأسس البنائية التي يقوم عليها المجتمع. فمثلا جريمة زنا المحارم مختلفة عن جريمة الزنا بين بقية الرجال والنساء..
الزنا له عقوبات، لكن زنا المحارم هو جريمة أعظم يستنكرها المجتمع أشد النكران وفاعلها قبل أن يعاقب يستحق ما هو أعظم، فيتم نفيه وإلغائه من المجتمع تماما أو ينظر له كمريض يجب عزله، العقاب وسيلة اجتماعية مخففة مقابل تلك الظواهر التي تعكس مرضا اجتماعيا عميقا..
الجريمة وإن كانت في حدود معينة ظاهرة عامة وطبيعية تستحق العقاب إلا إن بعض الجرائم الشاذة والخطيرة ستكون ظواهر مرضية معتلة غير طبيعية، تستحق العقاب لكنها تستحق العلاج لأنها تعكس وجود المرض، و التحرش نموذج لهذه الجرائم خصوصا حين يكون بين الأقارب مثل زنا المحارم.
للتأكيد وإقامة البرهان حول إتصال التحرش ببناء أخلاقي تطور مع تطور المجتمعات وتطور حدود العلاقات ومظاهر تقديسها، وعلاقته مع تطور ثقافة اللبس غير المنحل و تطور مؤسسة الزواج وتحريم للزنا وترسيخ الأسرة..الخ، لتأكيد كل ذلك يمكننا تأمل مجتمع أولي ضارب في القدم.
عبر علوم الإنسان نعرف عن الثقافة السائدة قديما، لا يمكننا تخيل فكرة عن التحرش قديما، فالحدود الاجتماعية بسيطة جدا في مجتمع مشاعي متجانس تغيب فيه الشخصية الفردية وتحضر فيه الشخصية الاجتماعية. كل شيء مشاعي و تقسيم العمل التكاملي يكاد يكون منعدما، ملكية مشاعية وعلاقات جنس مشاعية
في ذلك الوقت لم تظهر الأسرة ولم يكن مفهوم الزنا معروفا ولا يمكن تخيل حالة تحرش، يمكننا أن نتخيل عراكا بربريا عنيفا بين رجل وإمرأة يعكس حالة رفض لأي سبب، والأنثى والذكر حينئذ في قمة تماثلهما الوظيفي بل التشريحي مع فروقات طفيفة.
التحرش اليوم إنعكاس لخلل في المجتمع وهو غير مفصول عما نكرره من مهددات عديدة تصيب البناء الاجتماعي وتهدد بقائه، المجتمع اليوم خاضع لعلاقات تخلف اقتصادي مع العالم، وفي ذات الوقت خاضع لهيمنة ثقافية حداثية تكرس للأخلاق الفردية مع عداء للدين.
الدين اليوم يجب أن يؤدي وظيفة هامة في منح الفردية بعدها الروحي والاجتماعي الذي سيكون مخزونا لأخلاق تضامنية ضرورية في ظل تقسيم عمل معقد، العولمة ووسائل التواصل التي تحمل قيما مضادة لكل ما هو إنساني حيث يزداد تواصل الأفراد لكنهم أبعد ما يكونوا عن التواصل الإنساني في ذات الوقت.
يسيطر وعي (الميديا) على العقول ذلك الوعي الباحث عن الإثارة والحدث ليحولهما لحملة دعائية لا أحد يهتم بأثرها على الواقع.التعاطف تحول لضغطة زر لعمل إعجاب و البناء الاجتماعي يتحلل تماما.
وهذا ما يشعر الفرد حين يشاهد حديث إحدى (الراقصات) في الميديا ممن تعرضن للتحرش من أحد أفراد أسرتها بحسب ما قالت. هذه الحوادث تحدث بشكل حقيقي وشهودها كثر، وهي حالة مرضية كان إستنكارها سيدفع كل المجتمع، ممثلا في الأسرة الأب الإخوة الإبن بقية العائلة لتنفيذ أشد العقوبات على الخال.
هذه الحالات جريمة قريبة من جرائم زنا المحارم، وفي تاريخ قديم ستكون العقوبة القتل أو النفي للأبد.
على المستوى الفردي فإن لجوء الفتاة الراقصة للميديا يعكس نوع الخلل العظيم في المجتمع، هناك لا أفق للحل فمهما تحدث الناس عن قانون وعقوبة فليس ثمة حلول أو معالجات داخل فضاء الميديا. لذا كان من الطبيعي أن تنزعج إحداهن وتقول للراقصة (خلاص ياخ كترتي الكلام).وهذا ما حدث فعلا.
شيء محزن أن نقول للضحية وإن كانت راقصة ذلك الأمر ولكن حالة السأم هذه تعكس الصوت الحقيقي للميديا التي تحتاج لإثارة جديدة، و(ترند) جديد، لاحظوا معي في الأيام السابقة كمية الإثارات والترندات التي تفجرت وأختفت في لمح البصر.
تفاهة الميديا وحالة الرقص هي الحالة الأهم بجانب مرض التحرش التي تعكسها هذه الحادثة، المعالجة مزدوجة والأهم أن يكون التفسير واعيا بشرط الميديا، لأنه يحول القضية الاجتماعية الجادة لتضامن مؤقت يقوم به الناس ويتخلون عنه في أقرب وقت لصالح إثارة جديدة.
التحرش مرض اجتماعي يهدد أسس البناء، ومن يستنكره يجب أن يحمل إنتماء عميق للأسرة، وللحدود الاجتماعية ويسعى لإصلاحها، لتطويرها مع الاحتفاظ بأخلاقيتها لأن غياب الأخلاق سبب رئيسي للتحرش، وتحديدا فإن نمو تقسيم العمل المعقد هذا طور نوعا من التعاون العضوي مع نزعة فردية قاهرة.
كل ذلك يحتاج لصحوة أخلاقية جديدة.
وما حوادث التحرش إلا مجرد صرخات من البناء الاجتماعي يحكي فيها عن حاجته للأخلاق من جديد.
وما حوادث التحرش إلا مجرد صرخات من البناء الاجتماعي يحكي فيها عن حاجته للأخلاق من جديد.
الخلاصة تحكي لنا عن تهافت جملة الخطابات الأخيرة حول التحرش وحول الحادثة، هي خطابات غير معزولة عن المداخل الفكرية المتأثرة بالأفكار الغربية النسوية وحتميتها الليبرالية وغربتها الفكرية والذهنية والأخلاقية عن الواقع، وبذلك فهي غير جديرة لقيادة مهمة الإصلاح الحقيقي والمهم لمجتمعنا.
جاري تحميل الاقتراحات...