أول سمة تمتاز بها الأمة الحيّة المتحضّرة هي تقدير ماضيها، ودراسته والعناية به، ومحاولة استخراج العبر والعظات من ثناياه، واستمداد الثقة بالنفسِ من مواقفه المشرّفة، وصفحاته الناصعة، والإفادة مما قد يُلِمُّ به من عيوب وسقطات، وهزائم وانتصارات.
وقد يكون هذا الماضي بعيد الأعراق طويل الآماد، وقد يكون مقصورًا على عشراتِ السنين، ولكن سواء طال هذا الماضي أو قصر فإنَّ الأمة التي تنسى ماضيها وتتنكر له، وتهمل ذخائره ولا تعبأ بتراثه، وتتقدم في طريق الحياة خالية الوفاض من الذكريات؛
ربما لا تكون من الأمم المتخلفة، ولا نستطيع في الوقت نفسه أن نعدّها من الأمم التي ارتفع مستواها الحضاري. ”وماضي الأمة هو رأس مالها المتجمع على مدى السنين، وبدون رأس المال لا تستطيع الأمة أن تبتني لها مجدًا، أو توطد لها مكانة“. وبطبيعة الحال لا مفر من مراعاة المحافظة على التوازن
بين الماضي والحاضر. لأن الأمة التي تتجه بكليتها إلى الماضي، ولا تدير الطرف إلى الحاضر والمستقبل، وتظل مستغرقة في ذكرياتها السوالف، وأمجادها القديمة قد تصاب بالجمود، وتقف حركة تقدمها. والإسراف بعبادة الماضي يضر بحياة الأمم كالإسراف في أي شيء آخر.
جاري تحميل الاقتراحات...