هشام الشواني
هشام الشواني

@hisham_alshwany

18 تغريدة 7 قراءة Mar 30, 2021
سأركز على حجة متهافتة يقولها المتواطئون مع إعلان جوبا وهي: إذا كانت العلمانية ستفرض اليوم بالسلاح فإن قوانين الشريعة قد فرضت قديما بالسلطة مع نظام النميري عام ١٩٨٣. هذه حجة متهافتة وبها مغالطة تاريخية لنذكرها ببساطة:
١- تاريخ السودان الحديث بدأ مع العام ١٨٢١م ولم يكن الحكم علمانيا معاديا للإسلام، كانت السلطة نفسها غير شاملة بحسب تطور الدولة في ذلك الوقت، كان الحكم التركي حكما أجنبيا ظالما غاشما، وكان صراع السودانيين معه على أساس أنه لا يمثل الدين الإسلامي مهما كذب بشأن تمثيله للخلافة.
هكذا نظرت سلطنات الفونج والفور للتركية، على أي حال كانت الشريعة تحكم عبر أطر الفقهاء والحكماء ورجال الطرق في تنظيم قانوني تقليدي موروث قائم على الإسلام، و جاءت الثورة المهدية ثورة إسلامية وطنية خالصة.
٢- أقدم من عهد التركية كان نظام الممالك الإسلامية ممثلا في مملكة سنار في حوالي ١٥٠٤م ومملكة الفور وممالك تقلي والمسبعات، حكمت بأنظمة تشريع محلي تقليدي قائمة على الفقه وعلى الموروث التقليدي لقبائل السودان.
وهذه طبيعة حكم الشريعة فهي ليست حزمة جاهزة بل هي براح واسع متنوع مرن من الأحكام جوهره قائم على الإسلام وتفاعله مع الثقافة، في عهد الفونج تمدد المذهب المالكي وظهر رجال الشرع الذين يجمعون بين التصوف والفقه(الفكي/الفقير).
مثل الشيخ العركي القادري الذي نال الطريقة القادرية بعد لحاقه بتاج الدين البهاري في مكة،وجده قد توفي قبل ذلك كان فقيها شرعيا، وغيره كثر في كتاب طبقات ود ضيف الله،إطلاع بسيط من أي شخص على كتاب جي سبولدنق عن (عصر البطولة في سنار) سيفهم القارئ نمط الحكم الإسلامي في عهد الفونج.
مملكة الفور كانت حكما إسلامي محلي مختلط مع التقاليد منذ عهد سليمان صولون المؤسس، ثم في عهود لاحقة مع السلطان ابراهيم تمدد الفقه والمذهب المالكي أكثر، وقتها العلمانية لم تكن موجودة أصلا!!
٣- أقدم من سنار الإسلامية في القرن السادس عشر يمكننا أن نعود لقرن من الزمان أو أقل ففي فترة بسيطة سبقت الفونج كان العبدلاب يحكمون على أنقاض مملكة سوبا التي كانت تتفكك، من يسمون (العنج) من أهالي سوبا أسلموا وتحولوا للإسلام، وقام حكم العبدلاب في قري يتخذ الفقه والشريعة منهج حكم.
خصوصا لو تذكرنا أن الشيخ الشاذلي(ابو دنانة) قد جاء قبل ذلك الوقت وأن الركابي غلام الله بن عائد قد أسس مسجده في دنقلا العجوز قبل ذلك التاريخ وكان منارة العلم والدين، كان الحكم شرعيا إسلاميا تقليديا موروثا لا يعرف العلمانية ووقتها أوروبا كانت في عهود حكمها الكنسي الصليبي.
٤- قبل ذلك العهد أيضا كانت ممالك نشأت بعد غزو عيزانا منذ القرن الرابع الميلادي، هي (نوباتيا/المقرة/علوة).ممالك مسيحية تحكم من كنيسة سودانية ذات صلة بالكنيسة القبطية في مصر والحبشة، كان الحكم تقليديا خليطا من نظام الكنيسة ونظام قبائل النوبة المتساكنة مع تدفقات العرب شرقا وشمالا.
في دارفور كان الداجو يحكمون والزغاوة جهة الصحراء يحكمون كل بتقاليده، يبدو طريق إثبات تهافت الحجة واضحا، فالعلمانية هي الطارئة والجديدة مع الإستعمار.
٥- قبل تلك الممالك كانت مروي المسيحية وقبلها مروي الوثنية مع الإله (أبادماك) وقبلها كوش بآلهة مشتركة مع الفراعنة ومركزها جبل البركل المقدس في الشمال.
٦- نعود للعصر الحديث ونكتشف أمرا بديهيا ينسف كل إدعاء بأن الشريعة جديدة في الحكم، فالمستعمر الانجليزي بعد العام ١٨٩٩ وحتى مابعد الإستقلال هو من خلق عالما ثنائيا منقسما على نفسه، عالم بين القاضي الشرعي ممثل المجتمع المحلي وبين الأفندي (المستغرب) كقاضي مدني.
تاريخ صراع الشريعة مع العلمانية هو صراع بين من يمثل صوت السودانيين الثقافي المحلي وبين من يمثل المستعمر وحكمه، والشريعة ليست معطى مغلق جامد بل لها قابلية للتطور والتنوع وأهم مافي الأمر ألا يتم التعامل معها بتلك الطريقة الغربية الإستشراقية والتي تراها تخلفا ورجعية.
هي هويتنا الأصلية السابقة على كل علمانية وبالتالي فإن مطالبتنا بدستور يأتي عبر تراضي الشعب وخياره ومشاورته هو أمر سليم ومتسق واثق من أصالة وتجذر هذه الهوية.
وفي كل الأحوال فإن الواقع يفرض تطورا وإستيعابا كان قد حدث أساسا في تطور تشريعي وقانوني بذل فيه قضاة سودانيون كثر مجهودات فكرية ونظرية، نحن لسنا رجعيين منغلقين بل نحن نفهم السياق جيدا وأبعاد الصراع.
لذا نرفض أن يأتي نصر الدين عبد الباري ابن منظمات الغرب البار ومعه عبد العزيز الحلو ذراع الاستعمار الجديد ومعهم البرهان الذي لا يملك تفويضا سوى من الصهاينة والإمارات، يأتي هؤلاء ليقرروا دستورا علمانيا للبلاد.
الخلاصة : حجة أن الشريعة نفسها جاءت بالسلطة في ١٩٨٣ حجة غبية، وهؤلاء المتواطئون السذج الذين يقولونها نعرفهم جيدا، إنهم تلك الفئة التي لا تتخذ موقفا أخلاقيا جادا وقت الصراع ووقت الحقيقة. المسألة أعمق من ذلك ولا تتعلق بالإسلاميين بل ذات صلة بالهوية الوطنية السودانية.

جاري تحميل الاقتراحات...