Ghaydaa Abukheiran
Ghaydaa Abukheiran

@Ghaydaa_ak

14 تغريدة 53 قراءة Mar 30, 2021
ثريد بكلام مكرر ومُعاد:
تهيمن لغة الصحة النفسية والعلاج النفسي على العالم اليوم. لا لأن الصحة النفسية آخذة بالتدهور وحسب -الأمر الذي لا نستطيع إنكاره، خاصة بعد عام على بدء الجائحة- ولكن لأن اللغة التي من المفروض لها أن تكون شديدة الخصوصية بمجال كعلم النفس قد غمرت الثقافة الشعبية
يتحدث اليوم عن المرض النفسي والأعراض النفسية كل من هب ودب: أشخاص من ذوي الاختصاص، محررون وصناع محتوى، مؤثرون يركبون كل تريند ليجنوا المشاهدات واللايكات، مشتغلون بالـ Coaching والتنمية البشرية.
والأسوأ من ذلك، هناك مَن خضع لعدة جلساتٍ من العلاج وتعلّم عددًا من المصطلحات والمفاهيم ثمّ فوّض نفسه متحدّثًا في هاته المواضيع ظانًا بنفسه مخلّصًا لمن حوله بعدما أوهمه معالِجه أو طبيبه أنه "حارب" الاكتئاب وتخلّص من قيود صدمات طفولته ومراهقته وشبابه
لا أتحدث هنا عن المريض حقًا؛ سواءً المكتئب أو الذي عانى من تجربةٍ صادمة أو غيرها من الأعراض النفسية الصعبة. كلامي هنا عمّن تشرّب أيديولوجيا المرَض النفسي التي تقدّم لنا وعرّف نفسه مكتئبًا وبات يستدعي أيٍّ من تجارب حياته كـ"صدمة"، ويصرّ أن ينظر لحياته من هذا المنظار فقط
لماذا أقول أنّ المرَض النفسي أو أعراضه أصبحت أيديولوجيا؟
لأنّها قائمة على بناء وعيٍ زائفٍ بالواقع يصدّر إلينا بشكل جاهز ويتبناه الكثيرون بشكلٍ عشوائي كبير. هذا ما نشهده يوميًا على السوشال ميديا: الجميع اليوم مكتئب، والجميع عانى من صدماتٍ Trauma في حياته!
إذ يبدو أنّ مفهوم "الصدمة Trauma" بات يقدّم لنا باعتباره السمة الأساسية لوصف أي شيء تقريبًا: حرب ما، أزمة سياسية أو اقتصادية، جائحة مفاجئة، موت قريب، البلوغ والحمل والولادة، الطلاق، والعلاقات الفاشلة، التحرّش والتنمّرـ وتقريبًا أي من الأحداث والتفاصيل المتعلقة بالحياة
ما السيء في هذه الثقافة؟
- الإفراط الحاصل في التبني الجماعي للكلام النفسي يضرّ أكثر ما يخدم. يجب علينا ألا ننسى أن هناك خيطا رفيعا جدا بين نزع الوصمة عن الأعراض النفسية ومحو التابو الملتصق بها، وبين واستنزاف قيمتها وإضعاف معناها بشكل يؤدي إلى الإضرار بالأشخاص المصابين بها فعليا
كيف يحدث الضرر؟
- يحدث حينما تجد المعاناة لغتها إلى أفواه مَن يختلقونها ويزيفونها ويجعلون منها عدسةً يصفون من خلالها حياتهم اليومية وأفكارهم وعواطفهم وعلاقاتهم المتضاربة وتوفر لهم مساحة يهربون منها من أيّ مسؤولية وتحمّل للوجود البشري الذي فيه من الكبَد ما فيه منذ بدء الخليقة. >
وشيئًا فشيئًا تتوسع هذه المساحة حتى تغدو كمخدّر تغيّب الشخص عن واقعه نحو عوالم وهمية يبنيها في رأسه ويعتقد من خلالها أنه قادرٌ على رسم حدودها وتحديد نطاقها كما يشاء ويرغب.
- تزرع هذه الثقافة عن عمد الضعف النفسي بين الناس وتخلق أشخاصًا لا يتحملون أي إزعاج أو حزن أو كدَر ويبحثون عن حلول سريعة وأجوبة جاهزة لكلّ شيء.
- تؤجّج فيهم شعورهم بالفردانية، إذ غالبًا ما يكون هذا النوع من الخطابات موجهًا أساسا إلى "الأنا"، و"الأنا" نقطة البداية دائما لها وإن كانت لا تعبر عن ذلك بصراحة ووضوح >
فلسان حالها يقول ضمنيا: أنا أهم شخص وأحتاج أن أعتني بنفسي وأحمي ذاتي من أي "أذى نفسي" وعلى الجميع أن يحترم معاناتي لأنني أعاني دونا عن غيري أو لأن معاناتي أهم من كل ما يحدث حولي ومن أي شخص آخر في حياتي. وطبعا مفهوم المعاناة والأذى النفسي بات نسبيا يتحدد بحسب مزاج الواحد وتفضيلاته
باختصار، المرض النفسي هو الأيديولوجيا المخلصة للجميع اليوم. تارة يتربع الاكتئاب على القائمة وتارة اضطرابات القلق وتارة أخرى الصدمات وغيرها، بطريقة لا تخدم سوى أنماط الحياة الفردانية والاستهلاكية، سواء التي تشجع استهلاك الأدوية أو التي تبيع الأفكار الوهمية عن أنماط الحياة الصحية
ومجددا، لا أنفي أن هناك من يعاني من الاكتئاب. ولا أنفي الصدمات أو غيرها من الأعراض. بل أقول أن المعاناة أصبحت لغة سهلة في أفواه الكثيرين يفصّلون بها حياتهم كيفما شاؤوا في حين أنّ مَن يعاني حقيقةً هو أكبر المتضرّرين من كل هذا!

جاري تحميل الاقتراحات...