أحمد الحقيل
أحمد الحقيل

@ahmedalhokail

11 تغريدة 20 قراءة Mar 30, 2021
ردت قريش على عرض خُفاف بن إيماء بأن يمدهم بالرجال في بدر: "لئن كنا إنما نقاتل الناس، ما بنا ضَعفٌ عنهم، ولئن كنا نقاتل الله - كما يزعم محمد - فما لأحد بالله من طاقة".
وكأن سادتهم - ممن تنسب إليهم هذه المقولة - قد افترضوا ضمنيا أن من المحتمل أنهم يقاتلون الله، ولم يوقفهم ذلك.
لنذهب إلى إيفان في الإخوة كرامازوف.
في مشهده الأخير مع الشيطان، يخبره بقصة فيلسوف يرفض القوانين والإيمان والحياة الآخرة، يفاجأ بها حينما يموت، ويُطلب منه السير في الظلمات مسافة طويلة لتفتح له أبواب الجنة. هز كتفيه لامباليا، ثم رقد على الطريق: أرفص حفاظا على العقيدة وتمسكا بالمبدأ
يجلس الفيلسوف ألف عام، ثم ينهض مستسلما، ويمشي. يصل أخيرا، وحينما يدخل الجنة يتطرف في إيمانه إلى حد يجعله مثار السخرية.
إيفان المتأرجح بين شكه وإيمانه وقبوله وأنفته، كان يقول أول الرواية لأخيه: "لست أرفض الإله، افهمني، وإنما أرفض العالم الذي خلقه ولا أستطيع الموافقة على قبوله".
ويشرح له كيف أن الله سيكشف في الآخرة حكمته للمظلومين المتضررين من قسوة هذا العالم: "سيهتف جميع الأحياء: فهمنا طرقك يا رب... ستنجلي عندئذ جميع الأسرار وسيكون ذلك اليوم تمجيدا للمعرفة".
هل هذا كاف؟
يصر: "ولكن ذلك بعينه هو العقدة، لأنني لا أستطيع أن أقبل حلا كهذا".
لنعد لقريش.
لقد استهزأ أبو جهل بالأحلام التى سبقت سقوط معركة بدر بإصرار (متنبئ آخر من بني عبدالمطلب). ودفعت الحمية عتبة بن ربيعة، أحد أحكم الرجال، إلى أن يقاتل ويُقتل فور أن عُير بالجبن بعد أن حاول أن يقنع قريشا بالرجوع. وبرر أبو طالب رفضه عرض ابن أخيه: "يقال جزع عمك من الموت"
المعركة مع كثير منهم، لم تكن معركة إيمان أو تكذيب، بل كانت معركة تبرير ووجود. لم يفهم كثير منهم، وقد جاؤوا إلى غزوة بدر محاربين للرسول الذي وصفهم "هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ أكبادها"، كيف اصطفى الله هذا من بينهم. حتى بعد أن أسلم بعضهم، عامل الرسول بعضهم معاملة المؤلفة قلوبهم
بل انهم عرضوا عليه أن يعبدوا ربه عاما، على أن يعبد ربهم عاما. وكأن الأمر صفقة تُوازن معايير القوى بينهما وتخفف وطأة موقفهم.
ولذا تمتلئ النصوص الدينية بكلمة "الاستكبار". فالعقدة -عند بعضهم - لم تكن تصديقا أو تكذيبا، بقدر ما كانت قبولا ورفضا. ولذا يوصفون كثيرا بـ "عاندوا واستكبروا"
لنعد إلى إيفان، وتحديدا مشهد "المفتش الأعظم" الذي يرويه في قصة متخيلة.
فبعد أن نزل المسيح في زمن محاكم التفتيش، قُبض عليه وأودع السجن لخروجه عن سلطة الكنيسة عبر حضوره المفاجئ غير المتوقع، وواجهه المفتش الأعظم عبر مونولوج مطول شرح له فيه كيف أن المؤسسة الدينية قد انفصلت عنه
يصرخ الكاردينال في المسيح: "اسكت! لا تقل شيئا، إنني أعرف سلفا كل ما قد تقوله لي. لماذا تجيء اليوم تزرع الاضطراب في حياتنا؟ ذلك أنك إنما جئت لتعرقل عملنا، وأنت لا تجهل ذلك... أأنت هو حقا، أم لست إلا طيفه؟ سيان، لأنني سأحكم عليك بالإعدام وأحرقك مثلما أحرق أسوء الزنادقة".
يبرر المفتش الأعظم انفصالهم عن المسيح بحجج كثيرة متداخلة ومعقدة، جذرها الأصلي أن الإيمان بحقيقة الشيء ليس العنصر الأساسي في الاتباع، وإنما الموقف والتبرير الشخصي والسياقي والتاريخي، الذي دفع المؤسسة الدينية إلى أن تبني منهجا يخالف تعاليم المسيح المثالية ويناسب واقعية الحياة أكثر.
في نسختي القديمة للإخوة كرامازوف، هنالك تعليقات بسيطة في الهوامش. إحداها فوق مشهد إيفان والشيطان: "للبعض، الحقيقة ليست كافية".
وترحمت على زمن كنت فاضيا بما فيه الكفاية لأفكر في الحقيقة. من عنده وقت الحين؟؟؟

جاري تحميل الاقتراحات...