فهد.
فهد.

@I0ll

10 تغريدة 35 قراءة Mar 29, 2021
سأل الأديب محمود قراعة العقاد رحمه الله عن السبيل إلى مداواة نفوس الشباب؟ فأجاب: لستُ أعرف ما الداء الذي يريد الأديب صاحب السؤال مداواته في نفوسِ الشبان. فإن أدواء النفوس كثيرة والذي منها في نفوسِ شبابنا لا يحصر في مقالٍ واحد.
ثم يقول: لكنك قد تعالج الداء في كلِّ نفس بتذكرةٍ واحدة إذا كانت له صفة الوباء الشامل المتفشي الذي لا تسلم نفس من جرثومتهِ في درجةٍ من درجاته، فهل في أدواء النفوس التي تعتري نفوس شبابنا ما له هذه الصفة، أعني صفة الوباء الشامل؟ أقول نعم؛ وذلك الوباء الشامل هو: الهزل.
وأزيدك بياناً فأقول: إن داء الشبان جميعاً هو استخفافهم بالأمور وأنهم لا يأخذون الحياة مأخذ الجد ولا ينفذون منها إلى صميم، فهم عابثون حتى في جدهم هازلون حتى في همومهم وأكدارهم، قانعون من الحياة بغلافها دون لبابها وبأعراضها دون جوهرها.
فلو التمست لهم هيئة تمثّلهم أصدق تمثيل لأحلتك على نواويس الموميات التي يصورون على أغطيتها صورة الميت المدرج فيها، ولجعلت الشاب المصري المصاب بهذا الوباء هو هذه الصورة التي على الغطاء لا الجثة التي من ورائها ولا الروح التي كانت حياة هذه الجثة؛
فهو صورة فيها كل ما راقك من ألوان الحياة وأشكالها ولكنها بغير حراك. إذا تعلّم الشاب المصري فشارة العلم هي التي يريدها لا لذة العلم ولا تهذيبه، وإذا طلب الوظيفة فإنما يطلب كساءها المترائي للعيون لا العمل الذي ينفع به أمته ويُظهر به مقدرته.
وإذا سعى للتقدم والرفعة فليست قوة النفس التي تزج به في هذه المزالق ولكنها هي الغَيرة من ظهور غَيره بهذا المظهر الذي يعجب الأنظار ويطن في الأسماع. وإذا تجمّل فلكي يراه الناس لا شعورًا ببهجة الجمال ولا استمتاعاً بما فيه من أريحية وسرور.
وإذا قال أو عمل فإنما هو في كل أقواله وأفعاله وحركاته تلك الصورة المرسومة على غطاء الناووس التي تنبئك عن جثة ميتة وعن روح ذاهبة لا تحتوي من الحياة إلا قالب الأشكال والألوان. وأحسب أن الداء داء الأمة لا داء الشبان وحدهم. الداء وباء شامل لنفوس الجميع والهزل في كل شيء هو ذلك الوباء.
فإنَّ أجد الجد لا يتنزّه في نفوسنا عن الهزل المضحك والعبث الماجن واللعب السخيف، وأي شيء أجد من بكاء الحزين على ميته؟؟ أيمكن أن يمتزج هذا الشعور بالتصنع والمباهاة أو يحتاج الإنسان إلى من يعلمه البكاء على موتاه ويمثل له لوعة الفراق ووحشة الحداد؟؟ لا!
ولكن تعال فانظر إلى النائحة وهي تتصنّع البكاء للباكيات وهن يَقبلن هذا التصنع المضحك في هذا المقام المحزن وقل لي أمناحة هذه أم مهزلة؟! ودع هذا وانظر إلى تصنّع الأفراح ونقلهم شوار العروس على عشرين مركبة وهو يُنقل في مركبتين اثنتين وقل لي من يخدع هؤلاء بهذا التصنع المكشوف؟؟
قل لي ما معنى هذه المبالغة البلهاء إلا عبادة الظواهر وتأليه القشور وازدراء الحقائق والاصطلاح على الكذب الصبياني في وضح النهار؟ فنحن جميعاً صرعى الظواهر بل صرعى ظواهر الظواهر بل صرعى ما هو أشد من ذلك إمعاناً في الظهور والتدله بالأعراض والقشور.

جاري تحميل الاقتراحات...