أنس بن مراد الرهوان
أنس بن مراد الرهوان

@amrahwan

7 تغريدة 311 قراءة Mar 24, 2021
“يا ابنَ عمِّ، إني قد رغبت فيك لقرابتك وسِطَتِك في قومك وأمانتك وحسن خُلقك، وصدقِ حديثك”.. حروفٌ نورانيةٌ بادرتْ بها خديجةُ ذلك الشابَّ الأريبَ على أثرِ خروجه في تجارةٍ لها، فأربَحها ضعْفَ ما يُربِحُها الآخرون، ولِما اشتهر به من الصدقِ والأمانةِ وعوالي الأخلاقِ معَ كونِه ما يزالُ
في غضارةِ الشبابِ، ومعَ كونها يومئذٍ “أوسطَ نساء قريشٍ نسبًا وأعظمهنَّ شرفًا، وأكثرهنَّ مالًا، كلُّ قومِها كان حريصًا على ذلك منها لو يقدر عليه”، وقد تزوَّجَت مرتين قبلَ إعلانها تلك الرغبةَ، ثم اختار اللهُ لها ذلك الرجلَ الصالحَ زوجًا من بين أولئك الذين كانوا يبذلون لها النفسَ
والنفيسَ لو كانت تقبل.
مَن يقرأ سيرةَ خديجة بنت خويلد، يجد أنها كانت في جاهليةِ الناسِ امرأةً شريفةً عفيفة نقيةً طاهرةً، راجحةَ العقلِ غزيرةَ الفطنة، ولم تكن سخَّابةً كسائر النساء، وحسبُك من ذلك أنها كانت تدعى في الجاهلية: الطاهرة.. وكأنها حين عرضتْ نفسَها على محمدٍ ﷺ الشابِّ
الأمين، أزيح لها سترٌ من الغيبِ، فأبصرَتْ ما ينالُها من المكرمات من أثرِ ذلك الزواج، وتكشَّفَ لها أن لهذا الرجل شأنًا لن يطاولَه فيه أحدٌ من الناس، وإذن فالأمرُ عندها مجاوزٌ لمظاهر الأمانة والصدق حسن الخلق، التي كانت شعارَ محمدٍ ﷺ في شبابه ودثارَه.
وفعلُها ذاك -عرضُها نفسَها عليه- من حسْن الفطن، فهي امرأةٌ تصبو إليها النفوس وتطمح لها الأبصار، لكنها سمَتْ فوق ذلك ولم تألُ فيما اختارتْ لنفسها خيرًا، وكأن الله قد أعدَّها من لدُنْ شبابها لتكون أعظمَ من محض زوجةٍ تؤنس زوجَها ويسكنُ إليها ويكون له منها الولدُ، بل هيأَها لتكون
سندًا له في ملمَّاتِ الأمور، وحدبًا عليه من صروف الدهرِ وحوادثِه الجسيمة.
وما حديثُ بعثةِ نبينا محمد ﷺ بخافٍ على أحدٍ، حين حُبِّبَ إليه الخلاءُ فكان يتعبد في غار حراء، وهي تعدُّ له الزادَ، فجاءه الوحيُ في إحدى الليالي المباركاتِ، فاستقبلَ أمرًا لا عهد له به ولم يكن متحوِّطًا له
لولا أن اللهَ صنعه على عينِه وأحاطه برعايته في كلِّ أطوارِه، فرجع إلى خديجةَ فزِعًا ترجفُ بوادرُه، ولعله لو كان غيرُه ﷺ لَسقط ميْتًا من الهول!.
فكان صنيعُها في الذروة من العجَب، لم تجزع ولم تقلق ولم يخالطْها الشكُّ والريْب، ولم يقَع في نفسها أنه قد يكون متوهِّمًا أو قد مسَّه
طائفٌ من الشيطان، أو غير ذلك من الخواطر، بل استقرَّ في خلدها أن ما جاء به زوجُها المباركُ هو النبوةُ حمَّلَه إياها ربُّ العبادِ جلَّ جلاله، ولذلك انطلقَت به إلى ابن عمِّها، الذي كان عارفًا بالكتب السماوية، ولم تذهب به إلى طبيبٍ أو كاهن أو غيرهما، فخبَّرهما بالأمرِ، فاطمأنت نفسُها
وعرفَت صدقَ شعورِها البليغ، وذهبتْ بشرَف سبْقِ هذه الأمةِ رجالًا ونساءً إلى الدين الحنيف.
ولم يكن إيمانها تسرُّعًا تلحقه الندامة، أو قولًا غير مشفوعٍ بالفعال، بل رسخَت في الإيمان منذ اللحظةِ الأولى، وبذلَتْ نفسَها ومالَها وما لَها من شيءٍ في حياطة هذا الدين ونصرتِه حتى يستوي على
سوقِه، وشعارُها في ذلك كله: الرضى وطيبُ النفسِ بما تصنع، إن قلبَها لَيُفيض على لسانها وجوارحها من الإيمان ما لا تملكُ إلا مسايرتَه ومطاوعتَه، بذلًا لكل جميلٍ من القولِ ولين الكلام، وسخاءً بكل نفيسٍ من الأموالِ والمكانة.
فلنعمَ حليلةُ الرجلِ كانت خديجة: حسنَ تبعُّلٍ وجميلَ عِشرةٍ
وزوجًا وصاحبةً وأمَّ ولدٍ، لقد نشَّأتْ بناتِها أعظم تنشئةٍ وربتهنَّ أحسن تربية، وكانت خيرَ معينٍ لزوجها ﷺ على ما يكابد من مشقات الحياةِ ومصاعبها، وبلسمًا لجراحاتِه التي يقاسيها من ظلمِ قومِه وفجورهم، ونفسًا صابرةً راضيةً مطمئنةً بحياتها معه.. يجدُ من قومِه ما يجد، فيشكو إليها
فتخففُ عنه حتى تطيبَ نفسُه.. وتواسيه وتثبِّتُ قلبَه بجمالِ إيمانها وكمالِ عقلها.
وحين حُصِر المسلمون في الشِّعب، كانت يدُها في تزويدهم بالميرة يدًا بيضاءَ مذكورةً لا ينساها اللهُ ﷻ، حتى فرج اللهُ عن عباده المؤمنين.، ولكن لكلِّ أجلٍ كتاب.. هنالِك ارتقتْ روحُها إلى عليين، والتحقتْ
بركبِ الخالدين في النعيم المقيم، فكان الأمرُ كما قال ابن إسحاق: “تتابعتْ على رسول الله ﷺ المصائبُ بهَلْكِ خديجة، وكانت له وزيرة صدقٍ”، ولك أن تتأمل في هذه العبارةِ وتُعملَ فكركَ في حروفها لتعلم أيَّ امرأةٍ كانت خديجة بنت خويلد، رضي الله عنها وأرضاها!
وإذا أردتَ أن تعرف كيف تكون
الأسرةُ المثاليةُ فانهل من سيرةِ هذه المرأةِ العظيمة، التي لا أظنك تجد في طولِ الدهر وعرضِ الكون امرأةً كانت أحسنَ عشرةً لزوجها ولا أنبلَ عاطفةً ولا أعظم محبةً ولا أسخى يدًا ولا أكرم نفسًا ولا أصدقَ إيمانًا منها، ولا بيتًا كانت الحياةُ فيه أهنأَ من بيتٍ كانت هيَ حياتَه وضياءه،
ذلك الضياء الذي افتقدَه الحبيبُ ﷺ بموتها.
فكانت منه على ذكرٍ أبدًا، لا ينساها ولا ينكرُ معروفَها وفضلَها، ويثني عليها دوامًا ويقول إنه رُزِق حبَّها، ويا له من رزقٍ!، ويسمعُ استئذان أختِها فيرتاع ويتذكرها، ويقسمُ الشاةَ بين صدائقها، حتى إذا عذلتْهُ في كثرة ذكرها عائشةُ
رضي الله عنها مدفوعةً بغيرةِ النساءِ، قال ﷺ كلمته الخالدة: “ما أبدلني الله خيرًا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني اللهُ ولدَها إذ حرمني أولادَ النساء”!، ورفعَها اللهُ تبارك وتعالى إلى مصافِّ الكوامل من النساءِ مَجدًا
غير مُضارَعٍ وشأوًا ليس بمُدرَك، وحسبُك من فضلِها أنه لم توصفْ بالكمال في أمةٍ واحدةٍ امرأتانِ من النساء، غير خديجة وابنتِها فاطمة، عليهما سلامُ الله!
وأنا أذكرُ بها أبا بكرٍ الصديق وأذكرُه بها، فبينهما مشتركاتٌ جمةٌ، من سبْقٍ في الإيمان زمانًا وترقِّيًا في مدارجه وتصديقًا تامًّا
غير مسبوقٍ بتردُّدٍ ولا مخالَطٍ بريبة، وبذلٍ للنفس والمال بسخاءٍ بالغٍ غيرَ مشوبٍ بالتبرم أو الشحِّ أو انتظار السؤال، وكونِ أسرتيْهما أهلَيْ بيت إسلامٍ وخيرٍ لا يُلحَقون فيهما، وغفلةٍ من المسلمين في هذه الأزمان عن تذكرهما وتقصيرهم في بيان فضائلهما، وغير ذلك من الأمور.
ولقد أخبرها الصادق المصدوق ﷺ، على لسان جبريل الأمين عليه السلام، بلاغًا عن ربِّ العزة ﷻ، أنه يقرئها السلامَ ويبشرها ببيتٍ في الجنة من قصبٍ، لا صخب فيه ولا نصب، والتفتَ السهيلي إلى نكتةٍ مستملَحة في تعليل هذا الأمر إذ يقول: وإنما بشَّرها ببيت في الجنة من قصب -يعني قصب اللؤلؤ-،
لأنها حازت قصب السبق إلى الإيمان، لا صخب فيه ولا نصب، لأنها لم ترفع صوتها على النبي ﷺ، ولم تتعبه يومًا من الدهر ، فلم تصخبْ عليه يومًا ولا آذتْه أبدًا.
...
رضي الله عنها وأرضاها!

جاري تحميل الاقتراحات...