بـُـدور
بـُـدور

@Budoor2012

111 تغريدة 46 قراءة Mar 24, 2021
هذه القصة حصلت أحداثها منذ أكثر من ١٠ أعوام وتحديداً قبل أزمة سوريا بعام واحد .. عايشتها أنا شخصيّا وأثّرت في حياتي تأثيراً كبيراً ..
ويسعدني مشاركتها معكم ..
فكونوا معي ♥️
#اليوم_العالمي_للنساء
#الجويخات
قابلتها الصيف الماضي في إحدى القرى السورية أو كما يسمّونها " الضيعة "
كنا قد ذهبنا لتلك الضيعة خصيصاً لطبيب أسنان اشتهر ببراعته وخفة يده ..
وصادف أن كان هو من استأجرنا عنده إحدى شققه المطلة على الجبال ..
وبعد أن حجزنا الموعد وذهبنا إليه وشرع بفحص أسنان زوجي إلا وقطع الكهرباء ..
مما اضطره لأن يؤجل ذلك بعد نصف ساعة – وهذا هو الحد الأعلى لقطع الكهرباء كما قيل لنا –
وما كان منّا إلا أن بقينا في انتظار عودة الكهرباء ..
وكانت من عادات تلك القرية الجميلة هي أن يخرج أبناؤها على الأرصفة أمام منازلهم ..
فالجو راااائع .. والهواء عليل .. ورائحة أشجار التفاح تنتشر في كل مكان ..
وكانت هناك جالسة لوحدها على أحد الكراسي أمام عيادة الطبيب ..
(عرفت فيما بعد أنها والدة الطبيب )
تركت زوجي مع الطبيب وتوجّهت لأجلس بجوارها ..
سلّمت عليها ، وجلست أتبادل معها أطراف الحديث ..
كانت طيّبة جداً ..
وجهها ذكّرني بجدّتي رحمها الله ؛
بتلك الابتسامة النقيّة ، وبتلك العينان الصغيرتان الحنونتان ، وذلك الشعر الناعم الأبيض ، وبالتجاعيد التي ملأت كل جزء في جسمها 💔
وبالرغم من كبر سنّ هذه العجوز إلا أنها كانت ذات ثقافة واسعة أمام المستجدّات في حياتنا العامة ..
فيما عدا استيعابها للهجتنا السعودية .. مما اضطرّني للتحدّث معها بلهجتها السوريّة التي أثارت إعجابها وكأني ابنة بلدها ..
تناقشنا في أمور متنوّعة ..
ثم سكتنا برهة ..
ففاجأتني بأن قالت أنّها ارتاحت لي وأحبّت جلستي وحواري معها ..
ابتسمتُ لها ، فاستطرَدت وقالت بأنها تستغرب منّي كيف لي أن أستمتع معها وأبادلها الحديث وفارق العمر بيننا كبير !
برّرتُ لها أنّ كبير السن عندنا هو بركة البيت .. وأننا نحبّ أن نجالسه ونسمع أحاديثه ونأخذ برأيه ..
ثم .. أحسست أنّي أحببتها ..
وحاولت ألا أجعل مشاعري تقودني خاصّة وأنا أعلم يقيناً بأنّها نصرانيّة ، كما هو الحال بكل سكان تلك القرية ..
كان بداية تعلّقي بها هو جملتها : ( ديانتكم يا بنتي تقدّر كبير السن كتير )
ابتسمتُ فخورة بذلك وسألتها :
وما الذي جعلك تقولين ذلك ..؟!
فقالت : جلستكِ معي ومبادلتك لي بالحديث وأنا مجرّد عجوز لا يرغب أحد بالتطلع بوجهها ، فما بالك بالجلوس والحديث معها ..؟!
واستطرَدتْ : أرى الكثير من السعوديين عندما يأتون إلى هنا يقدِّرون أمهاتهم ..
فهم يفتحون لها باب السيارة ويمسكون بيدها ويلبّون لها كافة متطلّباتها ..
وهي التي لها الكلمة فلا يُفعل شيء إلا باستشارتها وهذا كله ليس في ديانتنا البتة ..
سعدتُ كثيراً بما قالته وأيّدتها على كلامها ..
وأخبرتها بأن طاعة الوالدين واجبة وأن الله سبحانه وتعالى قرن طاعته بطاعة الوالدين ..
واستشهدتُ لها بالآية القرآنية :
(( إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً ))
لاحظتُ تأثّرها بالآية القرآنية ، ربما لأنها لامستْ مشاعرها كأم مهمشة ،
وتنهَدتْ بحرقة أحسستُ بحرارتها ، ثم سكتت .. وكأنها تداري دمعات ساخنة أبت إلا أن تسيل على خديها اللذان ملأتهما التجاعيد 💔 ..
كانت تتكلّم عن ابنها الدكتور وتذكر إنجازاته ومواهبه وأنّ الكثير يتردد عليه ويأتيه من كل مكان سواء داخل سوريا أو خارجها ..
نظرتُ إلى عينيها .. فرأيتُ كم هي فخورة بابنها ، ذلك الابن الذي لم يلق نظرة لها أو يعرها أيّ أهمية ..
وكأنه اعتاد على وجودها كأي معلم موجود على الرصيف !
تعاطفتُ معها للغاية .. وكنت متشوّقة لأن أسمع منها وأُسمعها منّي .. فمازال في جعبتي الكثير لأقوله لها ..
ولكنّها فاجأتني بأن استأذنَتْ للذهاب .. فسألتها إلى أين ..!
فقالت إلى منزلي فقد حان موعد دواء الضغط والسكّر و .... ولا أريد أن أتأخّر عن موعده ....
سألتها وأين منزلك ..؟
قالت في نهاية الشارع عند منزل ابني الدكتور ..
- وكان في نفس موقع الشقة التي استأجرناها من ابنها -
عرضتُ عليها أن أوصلها فرفضَتْ ، وأضافت بأنها اعتادت على الذهاب وحدها ، إضافة إلى أنّ الكهرباء ستعود قريباً ولا تريد أن تعطّلنا بإيصالها ..
وعندما أخبرتها بأن المسافة بعيدة .. قالت : أنا كل يوم آتي إلى هنا لكي أرى ابني وقد اعتدت على المشي ..
شكرتني وسلّمتْ علي ثم ذهبت ..
وقفتُ أتأمّلها وهي عائدة ..
قد احدودب ظهرها وركبتاها فرحمتها كثيراً ..
ولم أرض عن نفسي مطلقاً فناديت زوجي وعرضت عليه أن يوصلها ..
فسارعَ بركوب سيارته والتي ركنها بالقرب من سيارة الدكتور الذي نظر إلينا ببرود ولم يحرّك ساكناً ..
كيف لا وقد اعتاد على حضور والدته وذهابها كل يوم دون مساعدته ..
سبقتُ زوجي مشياً على الأقدام ، وناديتها إلى أن سمعتني ..
فالتفتَتْ إليّ مندهشة فأخبرتها بأننا أتينا لإيصالها ..
فتمنَّعتْ باندهاش ثم استسلمَتْ ..
فتحتُ لها باب السيارة وساعدتها في الركوب وأغلقتُ وراءها الباب وركبتُ من الجهة الأخرى ..
وطول المسافة وهي تردد كلمات الشكر ..
وصلنا .. ففتحتُ لها باب السيارة وساعدتها بالنزول ..
سألتُها عن منزلها واعتقدتُ أنّه بقرب منزل ابنها كما قالت ، ولكنه كان في الأسفل تنزل إليه بدرجات كثيرة متعبة
ـ بحكم أن هذه القرية على جبال فالبيوت ليست على مستوى واحد ـ
عرضتُ عليها أن أوصلها للباب فرفضت رفضاً قاطعاً وقالت يكفي أني أتعبتكم لهذا الحد فشكراً ..
وقبل أن تهمّ بالنزول قالت لي :
لي طلب واحد يا ابنتي !
قلت : تفضلي يا خالة ..
قالت : هل من الممكن أن تزوريني في الغد ..؟!
لبرهة فاجأني طلبها .. إضافة إلى أنّي لا أدري عن موقف زوجي تجاه زيارتي لها ..
فمهما كان تظل امرأة غريبة وديانتها تختلف عن ديانتنا ..
ثمّ حسمتُ الأمر وقلت : على الرحب والسعة ..
ولكم أن تتخيلوا مقدار سعادتها بقبولي دعوتها ، فودّعتني بقبلة أحسست بحرارتها من خلف غطاء وجهي .. وذَهَبَتْ ..
راقبتها وهي تنزل الدرجات بتمهل وصعوبة وانتظرت إلى أن وصلتْ إلى باب منزلها فتنهّدتُ بحزن على حالها وعدتُ أدراجي ..
وفي الغد ذهب زوجي لوحده إلى عيادة الطبيب ..
وعندما عاد حكى لي ما قاله ذلك النصراني من لومه لزوجي بإرغامي على لبس الحجاب ..
وعبثاً حاول زوجي إقناعه بأنّ هذه قناعة داخلية لدى جميع النساء السعوديّات فرضها عليهم الدين ولبّين طائعات ملتزمات مقتنعات بذلك الشرع ..
ولكنّه رفض الاقتناع ، وقال أنتم تهمّشون المرأة وتقتلون حريّتها ، ومن المستحيل أن تكون المرأة عندكم ترضى أن تلتف بهذا السواد بدون أن تُظهر زينتها إلا خوفاً منكم أنتم الرجال واستشهد ببعض السعوديات اللاتي يأتين إليه أنّهن يؤكّدن أنّهنّ مرغمات على لبس الحجاب وبودّهنّ لو تخلّصن منه 💔
واستشهد أيضاً بالبعض الآخر اللاتي ما أن يخرجن من حدود دولتهم يتركن الحجاب خلفهن ..
ولكنّ زوجي ردّ عليه بأن ماذكرته من أمثلة هن قلة وعارٌ على بلدهن وعلى دينهن ..
وليس كل النساء سواء فلكل قاعدة شواذ وأنّه لا يستطيع الحكم على هذه القلّة من النساء ..
وأنّ من يحقّ لنا أن نفتخر بهنّ كثير ،
ثمّ عقد زوجي مقارنة بينهن وبين بنات قريتهم وقال :
ألا تشعر بالغيرة وزوجتك وابنتك يظهران محاسنهما عند الرجال بهذه الملابس الضيّفة المظهرة للمفاتن ..
فردّ عليه : هذه هي الموضة وهن يماشينها .. فعلم زوجي أنّ الحديث معه مضيعة للوقت !
خاصّة وأنّه لا يتحدّث مع مسلم عاصٍ أو مستهتر .. بل نصراني يرفض دينك كاملاً فكيف بجزء من هذا الدين !
وأنهى زوجي حديثه بأن قال : والله لو أجبرتُ زوجتي على كشف وجهها لرفضتْ رفضاً قاطعاً
ولو زدتُ في ذلك فلربّما طَلَبَت الطلاق فطاعة الله واجبة ومقدّمة على طاعة غيره ..
وهذا واقع ولله الحمد فالرجل الذي يرضى لنسائه بالسفور ماهو إلا غاشّ لأهله وسيحاسبه الله حساباً عسيراً يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون ..
فالشرع واحد لا يتغيّر مع تغيّر الزمان ومع هذا التفتح من البعض لا حيلة لنا إلا أن نسأل الله الثبات 💔
ضايقتني فعلا نظرة هذا الرجل .. وكان بودّي لو واجهته وأقنعته باعتزازي وفخري بهذا الحجاب ..
ولكن كيف ذلك ؟!
ثم تذكّرت أنّي قادرة على إيصال ماأريده من خلال والدته .. فأخبرتُ زوجي برغبتي بالذهاب إليها بعد العشاء ..
وكان قد عارض – معذوراً – فمهما كان تظل هذه امرأة نصرانيّة ولا ندري عن نواياها ..
ولكني طمأنته بأنها امرأة كبيرة بالسن وبأني لن أتأخر عندها ..
وبالفعل ذهبت وقد أخذت معي قهوة وقليلاً من التمر وبعضاً من الشوكولاته ..
توجّهتُ أنا وزوجي إلى منزلها ذو الدرجات الطويلة والمتعبة ، وأخيراً وصلتُ لباب بيتها .. وعاد زوجي أدراجه !!
طرقتُ الباب وانتظرت إلى أن سمعت صوتها آذنة لي بالدخول ، وعندما دخلْتْ هالني مارأيْتْ ..
وجدتها ممسكة بعصا المكنسة الخشبي وقد انتهت من كنس إحدى الغرف 😢
آلمني المنظر كثيراً ..
وقارنتها بجدّاتنا اللاتي يجلسنَ معززات مكرّمات في منزل أحد أبنائهم أو بناتهم ..
يأتيهم طعامهم وشرابهم ..
وتلبى احتياجاتهم ..
بل ويخدمهم كل من في البيت ..
ولا يخلو البيت من الزائرين والزائرات براً وتقديراً لهن ..
عندما رأتني عرفتني بعباءتي فاستبشر وجهها فرحاً وأتت مسرعة تحضنني ..
قمت في تلك اللحظة بكشف وجهي بعد أن تأكدتُ من خلو المنزل من الرجال ..
فأصبحتْ تتأمل وجهي ..
وقالت : أليس حرام عليكِ أن تغطّي هذا الوجه ؟!
فقلت : بل الحرام أن أكشفه أمام الرجال ..!!
فقالت : كنت أظن أن القبيحات أو صاحبات العاهة فقط هن من يغطّين وجوههن ..!!
فقلت : لسنا قبيحات .. بل ديننا أمرنا بذلك ونحن نلبّي ..
وانتبَهَتْ للقهوة ومامعها فلامتني على إحضارها وقالت أتخشين ألاّ أضيّفك !!
أنتِ ضيفتي وواجب علي أن أضيّفك ..
قلتُ بل من حقّكِ علي أن أخدمك فأنتِ في مقام والدتي ..
نظرتْ إليّ متعجّبة ثم ابتسمت بحزن ..
جلسنا .. ومازالت تتأمّلني وتردّد هذه العبارة :
الله يحميك باسم العذراء ثمّ قامت بتحريك يدها بحركة الصليب على جسمي ، فقاطعتها بأنّي مسلمة ، وأنّ هذا يؤذي مشاعري ..
فاعتَذَرَتْ بلطف ..
أعطيتها فنجاناً من القهوة .. ثمّ بدأتُ بالحديث عن حجابنا وكيف أننا فخورات به ..
وقد اعتقَدَتْ ـ كابنها ـ أننا مرغمات على لبسه وأنه لا رأي لنا في ذلك ..!!
وكانت هذه هي النظرة السائدة مع الأسف التي يظنها بنا العرب والمسلمون خارج مملكتنا الحبيبة ..
ولا ألومهم باعتقادهم بأننا مغلوبات على أمرنا ومرغمات على ذلك ؛ فالقلّة العاصية واللامبالية من بلدنا هم من أعطاهم هذا الانطباع ـ هداهم الله ـ
ثم مددت لها علبة الشوكولاتة وقد تعمّدت وضع بعضها مكشوفاً والبعض الآخر مغطّى
>> حركة قديمة طبّقتها على أرض الواقع 😎
وأصبحت أرقبُ يدها أيّها تختار وماكان منها إلا أن أخذت الشوكولاتة المغطّاة ..
فسألتها لِمَ لَمْ تأخذي الشوكولاتة المكشوفة فشكلها أجمل ..
فهمّت باستبدال ما أخذته خجلاً من تعليقي ..
فقاطعتها : لم أقصد ياخالة ..
ولكنّي ظننت أنّك ستأخذين الشوكولاتة المكشوفة كون شكلها يغري أكثر للأكل ..
قالت : ربّما ، ولكن المكشوفة تكون عرضة لأيدي عمّال محل الشوكولاتة .. وللهواء .. وللغبار ..
بينما هذه لم يمسّها شيء ..
فابتسمت فرحة بنجاح مخطّطي وقلت : نحن كذلك ..
المغطاة أطيب وأنظف وأنقى وأحب لأي شخص من المكشوفة حتى لو كان شكلها أجمل ..
ونحن بحجابنا ترفّعنا من أن ينظر إلينا إلا محارمنا ..
سأسألكِ سؤالاً ياخالة : لمن تتزيّن المرأة ؟ وهل يحلّ لها أن ترتبط بأكثر من رجل ؟
فقالت أعوذ بالله أبداً ..
فقلت : إذن لماذا تظهر زينتها للرجال كإظهارها لزوجها ؟
فقالت : معك حق ياابنتي فيما تقولينه،أنتِ يا ابنتي صغيرة ولكنّك بعقلك هذا جعلتني أنا الصغيرة ..
الله يكمّلك بعقلك، وأنتن بالفعل عفيفات وطاهرات أكثر من بناتنا ..
فابتسمت منتصرة وواصلت الحديث عن الحجاب واعتزازنا به ..
ثمّ فضّلتُ ـ لأضرب على الوتر الحسّاس ـ أن أتحدّث عن كبير السن عندنا ، وكيف يلقى الاحترام والتبجيل من الصغير والكبير .. القريب والبعيد ..
ثمّ سألتها :
هل يزورك أبنائك وأولادهم باستمرار ياخالة ..
سكتت ثم أومأت برأسها إيجاباً وعيناها تكذّب ماقالته ..
وألحّيت عليها :
متى يزورونك كل أسبوع مثلاً ؟
ففزّت مستنكرة :
كل أسبوع ؟ يااااالييييت ..
ثم استطرَدَت : بين حين وآخر ..
ولكنّهم لا ينسوني في عيد الأم ، وفي المناسبات العامّة ..
قلت لها : لو كنتِ قريبتي فسأزورك بين حين وآخر .. فكيف لو كنتِ والدتي ؟!
وأكمَلْت : نحن في السعودية نجتمع بأمّهاتنا يومان أو أكثر في الأسبوع ..
ولا يمر يوم بدون أن نحادثها بالهاتف .. وهذا أقل واجب على والدينا ..
فهم تعبوا من أجلنا كثيراً ويستحقّون منّا كل رعاية واهتمام خاصة عندما يكبرون ..
وأكمَلْت : وكان الرجل يحمل أمّه العجوز التي لا تستطيع المشي لكبر سنّها للعمرة والحج ..
ومع هذا فإنّه لم يجزها حقّ طلقة واحدة من طلقاتها ساعة الولادة ..
حق الوالدين كبير عند الله ..
أسأل الله أن يرزقني برّ والدتي ووالدي .. وأن يحفظهم لي يارب ..
كانت تنصت إليّ باهتمام وقد أعجبها ما أقول ..
ثمّ واصلتُ الحديث مستشهدة بآيات قرآنيّة وببعض القصص التي تحكي برّ الوالدين ..
انتقلت بعدها إلى الرسل وبدأت بسرد قصص بعضهم ..
وتعمّدت أن أذكر قصة عيسى عليه السلام كاملة ووجدت منها كل إنصات لا يخلو من الدهشة والتعجّب بعض الشيء ..
بعدها سألتني :
أنتِ تعرفين أكثر ممّا أعرفه عن قصّة عيسى والعذراء ،
فكيف تتكلّمين عن قصتهما وأنتِ تؤمنين برسولكم محمد ؟
فقلت أنا أؤمن بمحمد وأؤمن بعيسى وموسى وإبراهيم وكل الأنبياء ..
وأكمَلْت : نؤمن بأنّه وفي السابق كانت الديانة هي المسيحيّة كما كانت اليهوديّة ولكنّها تغيّرت بمشيئة الله ..
وجاء محمد خاتم الأنبياء والرسل ليبطل كل الديانات السابقة ، وليقرّ بأنّ الإسلام هو الديانة الباقية والسائدة إلى يوم القيامة ..
واستطْرَدْت : أمّا ديانتكم فهي لا تؤمن بمحمّد بالرغم من أنّ الإنجيل قد ذكره وأقرّ بوجوده ، وهذا الإنجيل الموجود لديكم الآن محرّف ، بل كلّ كنيسة تجعل لها إنجيل خاص بها يختلف عن غيره ..
ألا ترين ذلك ياخالة أنّ كل كتاب يختلف عن غيره من كتب الإنجيل ولا تتشابه إلا ببعض الصفحات !
فأومَأَتْ موافقة ، فأكملتُ حديثي : بينما قرآننا ظلّ كما هو منذ أكثر من ألف عام ولم يحرّف فيه ولا حرف واحد ..
أنزله الله وتعهّد بحفظه .. وهاهو بيننا لم يتغيّر .. والحمد لله وحده أن هدانا إلى الإسلام ..
قطع حديثنا رنين هاتفي الجوّال وكان زوجي يطمئن ويسألني إن أنا انتهيت ليأتي ..
فاستأذنت منه بالبقاء قليلاً ..
سألتني : هل أنتِ سعيدة مع زوجك ؟
فقلت : الحمد لله ..
قالت : أرى حرصه عليكِ في اصطحابك إلى هنا وبالاتصال عليك ..
ألأنّك لا تقودين السيّارة وهو ملزم بإيصالك ؟
ومنزلي قريب من مكان سكنكم وتستطيعين الذهاب وحدك !!
فقلت : كلّهم كذلك .. حريصون علينا لأنهم مسؤولون عنّا ، وليس من أجل إيصالي فقط .
قالت : أولا ترغبين في أن تكوني أكثر حريّة في الذهاب إلى أي مكان دون أن يقيّدك بإيصالك وإحضارك ؟
قلت : ولله الحمد نحن لسنا مقيّدات .. ونستطيع الذهاب إلى أيّ مكان متى ما أردنا ، وهذا الحرص الذي ترينه ماهو إلا اهتمام أكثر من كونه سيطرة ..
وفي شرعنا " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته "
بينما عندكم ياخالة أجد الفتيات في الشارع يمشين لوحدهن وكثير منهم يرجعن قبيل الفجر ، أليس كذلك ؟
قالت : بلى .. ولكنّنا هنا في أمان كلنا نعرف بعضنا ، والفتاة تأخذ حريّتها لأنّنا واثقون منها ..
فقلت : ونحن في أمان أكثر .. ولكن أتسمّين هذه ثقة ؟
إنه تقصير في حق بناتكم ..
ولو حصل لها شيء لا سمح الله ألن تندموا على إعطائها الحريّة في الذهاب متى ماشاءت بدون حرص واهتمام !
سكَتَتْ برهة وكأنها تراجع كلامي ثمّ أومأت برأسها ، ولا أعلم أهو اقتناع أم هو رغبة منها لتغيير الموضوع ..
أشادت بقهوتنا .. وقالت أنها كثيراً ما تشربها عندما يأتون هنا العوائل السعوديّة ..
ثمّ تحدّثت عنّا السعوديّون بشكل عام .. فقالت : تمتازون بالشهامة والطيبة والتعاون ..
وأضافت : أعرف الكثير من السعوديّات اللاتي تعلّقت بهن ، وتمنّيت لو أنّهن يبقين عندنا للأبد ..
ففي كل صيف أنتظر قدومكم لأنّكم شعب طيّب ودود وخدوم ..
وأنتِ يا ابنتي أكثر من تعلّقت به وأنا لم أعرفك إلا بالأمس ..
فقد دخلتِ قلبي من أوسع أبوابه وأحسّ أنّكِ كابنتي تماماً ..
فاستغلّيتُ الفرصة وقلت : وأنا كذلك ياخالة .. يعلم الله وحده أنّكِ لامست شغاف قلبي ..
ولو أنّك مسلمة لما فقدت الأمل في رؤيتك ..
ولتمنّيت إن لم أرك في الدنيا أن أراك في الآخرة في الجنّة ..
ثم باغتها بسؤالي : أتؤمنين بالجنّة ؟
فقالت : بلى ، نحن نعلم أنّ هناك جنّة ونار ، ومن يتمسّك بدينه سيدخل الجنّة ..
قلت : لا يا خالة ، المسلمون فقط هم من يدخلوها ، وأنتِ نصرانيّة ..
كم أتمنّى لو كنتِ مسلمة لألقاك في الجنّة بإذن الله ..
لم ياخالة لا تفعلي شيئاً جيّداً في حياتك !
لم لا يكون لك هدف تسعين وراءه ؟
قالت : أنا أودّ أن أفعل شيئاً جيّداً في حياتي .. فدلّيني ..
قلت : أن تختمي حياتك بالإسلام .. بالعودة إلى طريق الحق ..
قالت : أي حقّ هذا يا ابنتي ..
نحن مسيحيّون أباً عن جد ..
وهذه هي ديانتنا التي نشأنا عليها ..
قلت : هل نعذر القاتل إن قتل لأنه من نسل قتلة ؟
نحن لا نتبع آباءنا وأجدادنا بالخطأ لمجرّد أنهم كانوا عليه ونحن نأخذه من بعدهم ..
نحن لنا عقول تفكّر ..
تميّز بين الخطأ والصواب ..
وديانتكم ليست من الصواب في شيء ..
دعيني أسألك :
ما مدى تعلّقك بهذه الديانة ؟
سكَتَتْ فقد احتارت فعلا ماذا تقول !
ولكنّها ردّت أخيراً :
المتدين منا يذهب كل أسبوع إلى الكنيسة وأنا أذهب متى مااستطعت الذهاب عندما يمرّني أحد أولادي ، وهناك نتقرّب ونبكي على العذراء ، ونذهب لتعميد الصغار و .. و .. و ..
( خزعبلات لا أذكر منها إلا أني حمدت الله أن وُلدتُ مسلمة )
قلت : كل هذا ليس من الحق في شيء ، فالله هو وحده من تتقرّبي إليه ، وما العذراء وعيسى إلا عبيد من عباده ..
ولكن هل ذهابك للكنيسة نابع من حرص ورغبة أم هي عادة وتقليد لا أكثر ..
قالت : في الزواجات نحرص على الذهاب لنبارك للعروسين ـ وذكرت بعض الأفعال والأقوال التي لا أذكرها ـ
ثم سألتها : ألم تري بيت الله الحرام في التلفزيون ؟
قالت : بلى ..
قلت : ما إحساسك عندما تشاهديه ؟
قالت : تعجبني طريقة اصطفافهم للصلاة ..
وأتعجب من انتظامهم وصلاتهم في أوقات محدودة ، بينما ديانتنا ليس فيها ارتباط أو وقت محدد ..
قلت ـ ووالله أنّ عيني دمعت حينها ـ :
هذا هو ديننا ..
وهذه هي صلاتنا التي لا غنى لنا عنها بأي دين من الأديان .. نصليها خمس مرات في اليوم ..
نحرص على القدوم إلى مكّة ننشد الراحة النفسيّة ، عندما نلامس الكعبة ونشرب زمزم وندعو الله ..
شعور لا يحسّ به إلا المسلمين ..
ثم استطْرَدْت :
أتعلمين يا خالة ؛ دائماً أحمد الله أنّي لم أولد هنا أو في أي مكان آخر لا يؤمن بالله وحده وبأن محمّداً رسوله وخاتم أنبيائه صلى الله عليه وسلّم ..
وهذه نعمة كبيرة تمنّيتُ أنّكِ حظيتِ بها أنتِ ومن هم مثلك ممن سلكوا الطريق الضال ..
قالت وقد تأثّرت من نبرة صوتي وبصدق مشاعري :
ألهذه الدرجة نحن مرفوضون من قبلكم ؟
قلت : نحن لا نرفضكم .. ولكن نرفض دينكم .. ونرثي لحالكم إذ لم تعرفوا الطريق الحق .. ولم تحظوا بنعمة الإسلام ..
ونسأل الله لكم الهداية ..
قالت : دينكم ارتباط !
قلت : على العكس تماماً ، نحن نتقرّب إلى الله بالصلوات والأعمال الصالحة ، ديننا حثّنا على كل الأخلاق الفاضلة ، ونهانا عن كل الأفعال المشينة ..
أذكري لي خصلة تكرهينها في الإسلام ،
لن تجدي !
بينما لو قارنته بديانتكم فكلّها أخطاء .. تستطيعين المقارنة والحكم !
قالت : أتعجّب فعلاً من صلواتكم .. فأنتم تؤدّونها في أوقات محدّدة ولا تنسون أو تتكاسلون عنها ..
فصفي لي طريقتها ..
فقمت بشرحها باختصار .. وذكر مواقيتها وعدد ركعاتها .. وضرورة الوضوء قبل أدائها ..
فتوقَّفتْ عند الوضوء وسألتني عن ماهيّته فأول مرّة تسمع به ..
قلت : هو أساس الصلاة ، والكافر حين يسلم وينطق الشهادتين : أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّداً رسول الله يتوجّب عليه أن يتوضّأ ..
وتذكّرتُ حينها موقف إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكيف كان قبل الإسلام فذكرته لها وختمته بذهابه إلى الرسول وإعلان إسلامه بذكر الشهادتين ..
قالت : وهل قلتم ذلك لتسلموا ؟
قلت : لا .. ولدتُ مسلمة .. أجدادي مسلمين والحمد لله .. وبلدي هو موطن الحرمين الشريفين الذي يأتيه المسلمون من كل مكان .. والذي ظهر الإسلام فيه .. وكل من فيه مسلمون مؤمنون بالله وحده ..
سكَتَتْ لحظة ثم قالت : وكيف يدخل غير المسلم في الإسلام ؟
قلت : البداية هي أن يشهد أنّ لا إله إلا الله .. وأنّ محمّداً رسول الله ..
عمّ الصمت لدقيقة ثم قالت :
وأنا أشهد أنّ لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمّداً رسول الله 😭
لم أكد أصدق ماسمعت .. أُصبتُ بصدمة قويّة فكلماتها فاجأتني ..
وبلا شعور بكيت ..
احتضنتها وأنا أجهش بالبكاء وأردّد الحمد لله الحمد لله والله أكبر ..
بادلتني البكاء بدموع غزيرة فرحة ..
وهنا قطع صوت بكائنا رنين هاتفي الذي كرهته في تلك اللحظة !
كان زوجي مرّة أخرى وقد ألحّ في المجيء لاصطحابي ، واستفسر بقلق عن تغيّر صوتي ولكنّي طمأنته أنّي بخير وأنّي بحاجة إلى المزيد من الوقت ..
فسألني وقد تعجبت من سؤاله :
هل أسلَمَت ؟
لا أدري ما الذي جعله يختار ذلك التوقيت ليسألني هذا السؤال خاصة بأني لم ألمّح أو أصرّح بذلك ..
فأجبته بسعادة : نعم ..
فقال : الحمد لله .. إذن ابقي معها وإذا انتهيتِ اتصلي بي ..
شكرته في نفسي .. فمازلت بحاجة إلى البقاء .. كيف لا وقد أحببتها وهي نصرانيّة فكيف بها الآن وقد صارت مسلمة والحمد لله !!
رجعتُ لها وكانت قد هدأت قليلاً ..
سألتها : أصدقيني القول ياخالة ؛
بماذا أحسستِ أثناء نطقك للشهادة وبعدها ؟
قالت : والله يا ابنتي أنّي أحسست ولازلت أحس براحةٍ عجيبة لم أحسّ بها من قبل !
فقلت : الحمد لله الذي هداكِ لهذا ، هذا من فضل ربي فالحمد لله
( كررتها من أعماقي مراراً )
سكتنا برهة وأنا أحدّث نفسي ما الخطوة التالية التي علي أن أخطوها ؟
الإسلام ليس نطق للشهادة وحسب .. ولابد أن أسعى أن يكمل ويحسن إسلامها ..
لكني لست ملمّة ولا مستعدة بما يكفي أن أضمن لها إسلاماً كاملاً ..
فلم يخطر ببالي قط أن أكون سبباً في إسلام أحدهم !
( وهكذا نحن وهذه مصيبتنا ؛ نسيء تقدير أنفسنا وبما لدينا من إمكانات ونعتقد أن الداعية هو وحده المسؤول عن الدعوة للإسلام )
كانت مشاعري مشتّتة وأحسستُ بالخوف والمسؤولية تجاه هذه المرأة فالأمر ليس بالسهل أبداً ..
وأكثر ما أثر في نفسي أننا سنغادر القرية في الغد ..
قطع أفكاري صوتها :
ولكن يا ابنتي ، أخشى من أبنائي فكما تعلمين بلدتي كلّها مسيحيّة إلا من بعض المنازل ..
فكيف سأواجه أبنائي وأنا لا أملك الجرأة في ذلك ؟
قلت لها : يا خالتي ديننا الإسلام دين يسر وسهولة لا دين عسر ..
وأكمَلْت : وتستطيعين كتم إسلامك والتقرّب إلى الله بالعبادات دون أن يشعروا .. فأنتِ كما ذكرتِ وحيدة ..
قالت : والكنيسة ؟ هل أستطيع زيارتها ؟
قلت : تستطيعين اختلاق الأعذار بالانشغال أو بالتعب إن طلبوا منك الذهاب معهم إليها .. ولو ذهبتِ مرغمة فلاشيء عليك فالله أعلم بنيّتك ..
سُرّت بهذا التعليل ، وبدا حماسها واضحاً في البدء بتطبيق الفرائض حيث بدأت تسألني عن كيفيّة الوضوء ..
قمتُ بشرحه لها وردّدته مراراً وتكراراً فامرأة كبيرة وصلت الثمانين من عمرها لن تستوعب ما أقوله بسهولة وخاصّة أنّ الوضع جديد عليها ولم تسمع به من قبل !
ولا يمكن أن أنسى صوتها ولهجتها وهي تكرر مافهمته مني في وصف الوضوء :
( شوفي يابنتي أول شِي إغسل كفيّا دخّل الميّة بمنخاري تلات مرّات وبعدين إتمخمض تلات مرّات وبعدها إغسل إيدي اليمين تلات مرّات ) ..
وكنت أقاطعها :
لا يا خالة الوجه قبل اليدين ..
فتكمل :
( إيه صح إغسل وشّي تلات مرّات وبعدها إغسل إيدي اليمين تلات مرّات وبعدها إيدي الشمال تلات مرّات وبعدها إمسح راسي مع إداني وبعدها إجري اليمين تلات مرّات وآخر شي إجري الشمال تلات مرّات )
وتعلو السعادة محياها عندما لا أصحح لها ، لتقوم بتكرار الخطوات مرة تلو الأخرى ..
سأصدقكم القول أنّي إنسانة ملولة .. وقليلة الصبر .. ولكن في تلك اللحظة ألهمني الله الحلم وسعة الصدر فلم أتبرّم من التكرار أو التصحيح ..
بل على العكس تماماً .. فقد كنت مستمتعةً وأنا أراها تتعلم بشغف ..!!
وبعد محاولات كثيرة أتقنت الوضوء أخيراً والحمد لله على تيسيره ..
خطرت في بالي فكرة إرسال كتب دعوية مع أشرطة لتتعلّم أدق التفاصيل ..
فقالت : نظري ضعيف يا ابنتي ولا أستطيع القراءة والتركيز ولا أريد أن يسمع أحدهم صوت المسجّل !
فاحترت أكثر وأكثر ، وظهر الهمّ في وجهي ، فأنا لا أريدها أن تصل عند هذا الحد وتتوقف ، فلا زال أمامها الكثير !
فقلت لها : ألا تعرفين عائلات مسلمة ؟
فقالت : بلى ، وأزورهم بين الحين والآخر ..
وقبل أن أستطرد قالت :
لا تحملي همّا يا ابنتي ، فأعرف عائلة مسلمة في آخر البلدة أزورهم بين حين وآخر سأكثّف زيارتي لهم ليعلّموني تعاليم ديني الجديد ..
وأنا واثقة أنّهم سيفرحون بإسلامي ..
فقلت مستبشرة : بالتأكيد يا خالة سيرحّبون بك ، وسيسرّون لإسلامك ..
لكم أن تتخيّلوا مقدار الفرحة التي أحسستُ بها ، فكأنما كان كالهم الذي انزاح عن كاهلي ..
فلو كنتُ سأبقى لو لبضعة أيّام فلن تكون مشكلة وسأحاول التركيز وترتيب أموري وسؤال غيري ، ولكن سفرنا حال دون المواصلة معها ..
عدتُ لأسألها كنوع من التأكيد :
أكيد ياخالة ؟
قالت : أكيد ، ولن أتراجع عن قراري هذا مهما كان السبب ، يكفيني منه أنّه جعلني أحسّ بقيمتي كأم تعبت من أجل أبنائها وتحتاج إلى قليل من الاهتمام ، لا مجرّد عجوز لا يلقى لها أي بال ..
ثم استطردت بحزن :
ليتني كنتُ عندكم لأحظى بالاهتمام !
قلت : الله معك ياخالة ولن يتركك أبداً ، ولكن المهم ألا تتركيه .
قالت : لن أفعل ..
بدأتُ أرى فيها بوادر بدء حمل همّ معرفة الدين كاملاً ..
فطمأنتها بأنّ الصحابة تعلّموا من الرسول فترةً ليست بالقصيرة ..
وأنّ الدين لم يأتهم دفعة واحدة .. وعليها ألا تستعجل ولا تفكّر كثيرأً ..
وأكّدتُ لها أنّ عماد الدين الصلاة ، فعليها إتقانها وما سوى ذلك ستتعلّمه مع الوقت ..
حرّصتها وبشدة على أهمية ربط الفراغ الذي تعيشه بالذكر على أي وضعٍ كانت ، فالذكر أسهل وأعظم العبادات ، وفيه ارتباط وثيق بالله سبحانه وتعالى ..
كما أنه سبب في غفران الذنوب ومضاعفة الحسنات ..
وأوصيتها بالإكثار من الدعاء أن يثبتها الله على دينه وأن يعينها على أن تكون سبباً في هداية أهلها للإسلام .
شرحت لها كيفية الصلاة وما أراحني أنّها كانت تعرف بعض قصار السور والتي سمعَتْها وحفظتها عندما كانت صغيرة ..
لكني اضطررت لتصحيح بعض الآيات التي كانت تقرأها بطريقة خاطئة .
وعندما هممنا بالتطبيق العملي وقامت لتتوضّأ .. فُتح الباب ودخل علينا ابنها الدكتور وقد علم مسبقاً أنّي آتية لزيارتها ..
سارعت بوضع الغطاء على وجهي فاعتذر وبرر حضوره أنّه جاء ليطمئنّ على والدته وليتأكد إن كنتُ قد دللت الطريق أم لا ..
لم أفهم سرّ لحاقه بي لمنزل والدته .. ربما كان في شك من أن والدته قد تترك النصرانية يوماً .. لا أدري !
ولكن مافهمته هو استغرابه الشديد لبقائي مع والدته بالأمس وبحرصي على زيارتها اليوم ..
اتّصلتُ على زوجي ثمّ استأذنتها في الانصراف فأذنت لي بحزن وأوصلتني لباب المنزل ..
وبالرغم من كونها متلهّفة لزيارة ابنها إلا أنّها في تلك اللحظة لم ترحّب بوجوده بل تضايقت لرحيلي ..
سلّمتُ عليها وهمستُ في أذنها لا تنسي ما اتفقنا عليه ـ أقصد الوضوء ـ فقالت : لن أنسَ ذلك ، وسأفعل بعد مغادرة ابني المنزل ..
فقلت ردّدي الشهادة مرّة أخرى ـ لأتأكّد أنّي لا أحلم ـ
فقالت : أشهد أنّ لا إله إلا الله وأنّ محمّداً رسول الله
ضغطتُ على يدها بقوّة ، وقبّلتها وذهَبْت ..
وصوتها من خلفي يردّد :
"الله يحفظك يابنتي"
وجدتُ زوجي ينتظرني في منتصف الدرجات وعند صعودنا للأعلى التفت فوجدت ابنها قد غادر منزلها ، فتأكدت أنه لم يذهب إلا بدافع الفضول !
في الصباح .. انشغلتُ أنا وزوجي بترتيب الأغراض استعدادا للرحيل ، تناولنا وجبة خفيفة وبعد صلاة الظهر وضعنا حقائبنا في السيارة وقبل أن أركب استأذنت زوجي بالذهاب للسلام عليها ..
توجّهت لمنزلها والشوق يسبقني .. وجدت الباب مفتوحاً فطرقته ودخلتُ وناديتها فأتت إليّ مسرعة فرحة ..
سلّمتُ عليها وسلّمت علي بحب وحنان
سألتها : ما أخبارك البارحة ؟
فهمست لي : توضأت وصلّيت ..
وردّدت الشهادة " كتير "
" ووالله يابنتي مابعرف شو سر هالراحة والسعادة اللي بحسها من امبارح "
حمدتُ الله ..
ثم أخبرتها بأنّنا مسافرون ..
فظهر الحزن على وجهها ،
وقالت : ومن سيسأل عنّي إن ذهبتِ ؟
فقلت : الله معك ياخالة لا تنسي ..
وسأحاول أن أزورك السنة القادمة إن شاء الله ، ولكن أرجوك ياخالة أرجوك لا تتكاسلي في تعلّم الإسلام .. واذهبي مراراً وتكراراً لتلك لعائلة المسلمة ..
فقالت : لا تقلقي يا ابنتي هذا ما سأفعله وقد بدأت به هذا الصباح فقد ذهبت إليهم وتباشروا بإسلامي ووعدوني أنّهم سيبادلوني الزيارة إن لم تتيسّر لي المواصلات في الذهاب إليهم ..
سُعدت لحماسها والذي ظهر من حرصها على الذهاب للعائلة المسلمة للاستزادة من هذا الدين ..
قبّلتُ رأسها ، فأمسكت وجهي بيديها النحيلتين وقبّلت جبيني ..
ثمّ احتضنتني بحنان ..
وأصرّتْ أن ترافقني إلى أن أصل السيارة ..
صعدنا الدرجات ممسكة بيدها ..
وقبل أن أركب السيارة التفتتْ إلى زوجي وأوصته بي ..
سلّمتُ عليها مرّة أخرى ..
وركبتُ السيارة !!
ودعتها ولا أعلم هل سيُكتب لي أن أراها مرّة أخرى أم لا ..
ودّعتها وسألت الله من قلبي ألا يحرمني رؤيتها إن لم يكن في الدنيا ؛ ففي الفردوس الأعلى من الجنة ..
ودّعتها وأنا أدعو الله لها في سرّي أن يثبتها ويعينها على طاعته على الوجه الذي يرضيه ..
ودّعتها وأعلم يقيناً أني لن أستطيع التواصل معها بحكم عدم وجود أي وسيلة اتصال لديها سوى ابنها ..
ودّعتها ولوّحت لها بيدي ولم أستطع أن أمنع عيناي من البكاء وأنا أراها وقد قرّبت يدها إلى عينيها لتمسح دموع أبت إلا أن تكون هي آخر ما أراه منها ..
ودّعتها وكنتُ بعد عودتي للرياض قد تواصلت مع ابنها الدكتور في الواتساب أسأل عنها وأطلب أن أحادثها فتجاهلني تماماً ، وكررتها بعد مدة مرة أخرى وواصل التجاهل رغم قراءته لمحادثتي !
فكان وداعي لها في قريتها هو الوداع الأخير ، فقد توفيت في ذلك العام وعزائي أنها ماتت مسلمة 😢💔
أخيراً إخوتي وأخواتي ..
لم أكتب هذه القصة لأنال الإعجاب والبحث عن المديح ..
فقط أحببت أن تشاركوني فرحتي بقصتي مع امرأة أُنقِذت من الخلود في النار بإذن الله ..
والثقة بأن كل شخص قادر أن يكون سبباً لإسلام أحدهم ..
وهدفي استفادة الجميع من تجربتي البسيطة من إنسانة بسيطة ..
كان سر إسلامها : استشعار الموقف والثقة بسهولة نشر الإسلام بالكلمة الطيبة والتطبيق السليم والفخر والاعتزاز بشعائر الإسلام في أي مكان ..
صحيح أني لم أحمل المؤهلات الكافية التي تعينني على أن تكون لدي الحجة في كل ما أنصح به ، لكني صرت على يقين أن مدخل دعوتي للغير تبدأ من خلالي !
فاجتهدت وأخلصت النيّة لله ، وهذا والله أسهل الطرق ..
تجسيد الصورة الصحيحة للإنسان المسلم رجلاً كان أو امرأة ..
كنت أفكّر كثيراً كيف تركتُ لها أثراً جعلها وهي في تلك السن تفرّط في دين أجدادها ؟
هل كنت سأتركُ لها الأثر ذاته فيما لو كنت متبرجة بعكس ما أنا عليه في بلادي !
ووالله لم أواجه أي صعوبة في جذب اهتمامها رغم بساطة كلماتي ..
وربما لأني ركّزت على جانب مهم في ديني تفتقده في دينها ألا وهو " بر الوالدين "
وأحمد الله الذي علم صدق نيتي ..
فكان معي فوفّقني لما كان مني ..
أحببت أن أوجّه رسالة للنساء ؛
كوني سفيرة لدينك قبل كل شيء
كم مرّة شعرتُ بِغَصّة أثناء حديثي معها وهي تؤكد لي أن الكثير من نسائنا لا يترددن في نزع الحجاب بمجرد تجاوزها حدود الوطن ، بل ويتردّدن على أماكن اللهو والطرب والرقص وغيره .
( هذا الحديث قبل ١١ سنة فكيف بهن اليوم 💔 )
لا ألومها ولا ألوم أحداً على تلك النظرة ، فهذا للأسف حال بعض نسائنا ـ هداهنّ الله ـ وقد فصلن بين تعبّد الله داخل وخارج البلاد !
وقد برَّرَتْ لنفسها أن لا أحد ( هناك ) ـ من رجالهم ـ يهتم لأمرها أو ينظر إليها .. !
هذه وتلك ترتديان العباءة ..
لكن من منهما مأجورة ..؟
محظوظةٌ تلك التي أخلصت النية لله ، واحتسبت الأجر في كل جزءٍ رغبت في ستره عن الرجال ..
ولا أنسى أن أذكّر إخواني بأن يكون لهم تأثيراً إيجابياً في من يعولون من النساء بالإقناع ؛
وإن لم تحصل قناعة فبالإلزام وعدم التهاون ، فأوامر الله ليس فيها تنازلات لأجل الهوى والحرية والشيطان ..
لن أنسى شغفي ولهفتي وأنا أحدّث والديّ وإخوتي وأخواتي بتلك القصة ..
أحسستُ أنّي ولأوّل مرّة فعلتُ شيئاً يجعلني أخدم إسلامي ..
كم مرة وصلتني رسائل عبر هاتفي الجوال : ( مكتب توعية جاليات البديعة يبشّركم بإسلام رجل من الجنسية الكورية ) ..
وفي الغد امرأة فلبينية .. وهكذا ..
كنت أغبط هؤلاء الدعاة على روعة صنيعهم ، وأتمنى لو كنتُ مكانهم ..
وأنا اليوم أتمنى أن يمر الجميع بنفس التجربة وأن يكون هذا دأبهم وهمهم ..
مشاعري أتمنى أن تستشعروها يوماً .. وأسأل الله أن يكون قريباً ..
فاللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ..
أعتذر على الإطالة فقد تعمدت أن أروي لكم القصة بتفاصيلها لتعيشوا معي التجربة ، رغم أنّها ظلّت حبيسة دفتر ذكرياتي منذ ذلك الوقت ..
وأختم سلسلة تغريداتي بـ :
أحب الصالحين ولستُ منهم
وأرجو أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي
وإن كنا سواء في البضاعة
دمتم بخير ♥️

جاري تحميل الاقتراحات...