عندما لا يضبط الإنسان بوصلته في معالجة ظاهرة " التطرف " فإنه سيقع حتماً في " التطرف الفكري والمعرفي " في الوقت الذي يظن أنه يعالج ظاهرة التطرف وذلك إذا أسلم نفسه للتشنج وردود الأفعال والمبالغة في المواقف حتى يشط به الطريق ...
وسأضرب لذلك بعض الأمثلة التي يمارسها بعض الناس حتى يصل إلى مرحلة مؤسفة من الإقصاء والغلو في التصنيف ، فلا يمكن بعد ذلك أن تميز بينه وبين المتطرف الأصلي الذي يظن أنه يواجهه ..
كلنا يعلم أن أي متطرف أو إرهابي يتكيء على المرجع الديني في تبرير أقواله وأفعاله وتصوراته ، ويستدل بالقرآن والسنة ، وأقوال الصحابة والعلماء ، وأساس الانحراف عنده هو في ( المنهجية المعرفية في قراءة وتأويل النص ) الذي يوصله إلى الوقوع في الإرهاب والتطرف ...
فالخوارج الأوائل مثلاً اعتمدوا في تقرير مبدأ " الحاكمية " عندهم على نص قرآني ، قال عنه أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ( كلمة حق أريد بها باطل ) ، فبين أن الإشكالية عندهم هو في " التأويل " الفاسد الذي أودى بهم إلى هذا الانحراف الخطير في وقت مبكر من الرسالة ..
ولأن بعض الناس لا يملك الأهلية الكافية إلى تمييز مناهج التطرف ، ولا الإشكاليات الفعلية في فهم آلية المتطرف وفهمه ، يبدأ ينقض على كل شيء يستدل فيه المتطرف فيجعله أساساً للتطرف ، فالنص القرآني والحديثي والصحابي والعالم كلهم مغذون للتطرف من وجهة نظرة ..
ثم تبدأ عند هذا المتطرف في علاج التطرف متتالية خطيرة تودي به إلى نتائج كارثية ، فيبدأ في سلسلة من اللوازم التي تخلق منه مشكلة جديدة بدلاً من أن يكون عاملاً من عوامل العلاج ، فينزل حكمه على كل من يعتمد المرجعية التي يتكيء عليها المتطرف .
فأنت تستدل بالقرآن ، والمتطرف يستدل بالقرآن ، إذن = كلاكما متطرف ، أنت تستدل بالصحابة والمتطرف كذلك إذن = كلاكما متطرف ، أنت تستدل بأقوال عالم معين والمتطرف كذلك إذن = كلاكما متطرف ..
ثم تتوسع هذه الدائرة المتطرفة إلى أن يصل إلى جعل حتى مسائل الحق التي ربما يقولها المتطرف تصبح في ذهنه مسائل باطل ، فحين ينكر المتطرف مثلاً الإلحاد يصبح من ينكر الإلحاد متطرفاً وهكذا .. في متتالية تشط بالإنسان وتوصله إلى نتائج لم يحسب لها حساباً ..
ولذلك فإن من لوازم علاج التطرف الفكري نفسياً أن يكون عند الإنسان القدرة على ضبط انفعالاته ، والنظر في مآلات أقواله ، حتى لا يعالج الخطأ بالخطأ والانحراف بالانحراف ، فيصبح جزءا من المشكلة بدلاً من أن يكون جزءاً من الحل ...
جاري تحميل الاقتراحات...