Sulaiman AlSultan
Sulaiman AlSultan

@sulaimanalsulta

11 تغريدة 6 قراءة Mar 23, 2021
لأنه ترسخ لدينا "اعتقاد" لدينا بأن "الحقيقي" هو ما هو ملموس بصورة مباشرة معرفيا، أصبح من الصعب الاحتجاج بالقضايا الأخلاقية والجمالية على التأسيس لقضايا ميتافيزيقية، (رغم محاولة كانط مبكرا في عصر الحداثة لفعل ذلك)...
مثلا أن قضية أن ثمة حساب بعد الموت، لا يمكن البرهنة عليها معرفيا بشكل صلب، أصبح من الصعب تصوره، ولم يعد ثمة ثقة في البرهان الأخلاقي، وهو حس العدالة الذي يطغى على واقعنا هنا، ويوم الحساب هو يوم تحقيق هذه العدالة...
التصور الوضعي يرى بأن هذا من التوهم لإخفاء حقيقة أنه لا ثمة عدالة في الواقع الفعلي، فأصبح الإيمان بحياة أخروية هو من صنع "الخيال"، تعليلا للنفس على خيبتها.
البرهان الأخلاقي لم يعد كافيا كدليل، بل أصبح عكس ذلك، خرافة أو وهما!
لماذا كان هذا البرهان مقنعا قديما، لكن لم يعد كذلك حديثا؟
طبعا الطرح الوضعي سهل عليه الاجابة على ذلك، لأنه يرى بأن الإنسان ما قبل عصر الحداثة لم يكن حقا كامل الإنسانية، كان قاصرا، وأن التاريخ يسير إلى الأمام ويقطع بما كان قبله.
لكن هذه التصورات الوضعية نقدت بشدة لفجوات بها!
هناك حاجة لاعادة النظر في "حقيقية" التجربة الإنسانية ليس على أنها مجرد أطروحات ذاتية صرفة، وإنما لأن الزعم بأن هناك تجربة موضوعية صرفة (كما ترى الأطروحة الوضعية) لا يمكن البرهنة عليها أيضا! إذن بأي حق يمكن نكران التجربة الإنسانية حتى لو كانت ذاتية أيضا؟!
أطروحة كانط كانت ذكية، لأنه وإن أقر بعد امكانية تأسيس الميتافيزيقا على الشروط المعرفية التي يفرضها العقل العلمي، إلا أنه يمكن ذلك على أساس الشروط الأخلاقية التي يفرضها العقل العملي. ها هو ذا، نعود إلى البرهان الأخلاقي، لكن اضطر كانط أن يصوغه وفقا للعقلية التي أخذت تسود في عصره.
لا يمكن في ظل نموذج معرفي مهيَّمن عليه البرهان الحسي/العقلي أن يتحقق من العدالة بعد الموت، لكنه يمكن أن يبرهن على تجربة عميقة لدى الإنسان ملموسة بالواقع، وهي أن ضميره/نفسه تهتف بهذه العدالة.
ليس هذا وحسب،بل أن اكتمال هذه العدالة -ناهيك عن طلبها-لا تتحقق إلا بوجود حساب بعد الموت.
من دون ذلك، يصبح من الصعب التدليل على القضية الأخلاقية إلا ببراهين نفعية (كما فعلت المدرسة النفعية)، وهي تخلق عدة اشكاليات، لذا انتقدها كانط، ووضع بدلا عنها أخلاق الواجب، مع الملاحظة أن كل ذلك يقوم على الأخلاق العملية، أي تلك التي تفرض إشكاليات في الواقع الفعلي، لا ما وراءه.
ملاحظة جانبية: الفلسفة لا تنكر التجربة لدى كافة الناس، حتى من الأميين، الكثير من هؤلاء الناس من واقع تجربة حية، يعتقدون بما قاله كانط، ليس لأنه يعرفون فلسفته، بل لأنه أحس بما أحسوا به، لكن تسعى أن تضع ذلك تحت مشرط النقد، إذ قد تكون مخادعة، تأتت بفعل سلطوي، لا تجربة حية حقا.
بلغة بسيطة كما في المقولة السيّارة: "الله ما شفناه لكن بالعقل عرفناه".
لكن العقل هنا هو التجربة الحية بالإلهي، وليس بالقياسات المنطقية والعقلية.
بلغة كانط (بتبسيط واختزال): "الله ما شفناه بالعقل المحض "المعرفي" الذي لا يتأسس إلا بالحس، لكن بالعقل العملي الذي يتأسس بالأخلاق.
أقصد هنا انتقد منطقها وليست هي كمدرسة لأنها جاءت بعده، لكن جذور فكرتها موجودة لدى نظرية ارسطو في الأخلاق، وذلك لأنه ربطها بالسعادة، لا بأداء الواجب الأخلاقي بحد ذاته.

جاري تحميل الاقتراحات...