وصل عمر إلى بريطانيا بعمر ٣ أشهر، وبعد تسجيله في نظام الرعاية الصحية زارتنا(زائرة صحية) من الصحة البريطانية لتسجيل ملاحظات نموّه واعطائنا تعليمات تساعدنا في تربيته. من ضمن نصائحها لنا: تحدثوا معه بلغتكم واحرصوا على أن يتقنها فهي أفضل له في التواصل معهم وأفضل لنموه.
في أحد الأيام التقيت بأحد الزملاء ومعه طفله وحاولت أتكلم معه وألاعبه، لكني لاحظت أنه لايفهمني، وبادرني والده (مايفهم عربي)، تنبّهت يومها للمشكلة واتفقنا، زوجتي وأنا، على أن تكون لغة عمر الأولى هي لغة أهله ومجتمعه الذين سيعيش معهم بعد عودتنا.
اشتريت تلفزيون عربي، ليشاهد عمر قناة براعم، وكنا نقسم له الوقت بين براعم و cbeebies البريطانية، واشترينا له كتب قصص عربية. وبرغم قلة القصص العربية وضعف محتواها إلا أننا كنا نأخذ المضمون ونعطيه القصة بمستوى لغة مناسب له.
بدأ عمر يتكلم ولاحظنا فصاحة لسانه وقدرته على التعبير من عمر مبكّر. انتهت بعثتي وحصلت على عمل ثم ابتعثت لأمريكا لوقت قصير عدت بعدها للعمل ثم الابتعاث مرة أخرى لبريطانيا وكان عمره ٣ سنوات. كان يفهم العربية والانجليزية تقريباً بنفس المستوى.
عند وصولي إلى بريطانيا لدراسة الدكتوراه سجلته في الحضانة وبرغم استمرارنا في نفس الجهود معه، لاحظنا أن الانجليزية بدأت تطغى على العربية لديه. كنت قلق جداً من هذا الوضع، فالولد أصبح يتكلم ويحكي مايحصل له في الحضانة بالانجليزية، أسأله بالعربي ويجيب بالانجليزية.
في البداية منعنا عنه القنوات الانجليزية تماماً، وقررنا أن الإنجلزية ستكون فقط في الحضانة/المدرسة. قمنا أيضاً بشراء قصص عربية اضافية، وقررنا منعه من التواصل معنا بالانجلزية. في البداية كان يبكي لكننا كنا نساعده، يقول الكلمة الانجليزية نصححها له بالعربي.
بعدها أصبحت أذكر له قصص مختلقة عن بعض الأطفال الذين لايعرفون العربية وكيف أنهم يعانون عندما يتواصلون مع الأهل، وأن هذا أمر غير جيّد. فعلاً بدأ يحاول اكثر التواصل معنا بالعربي ويتجنب الانجليزية قدر المستطاع.
أعدنا له القنوات الانجليزية ولكن حددنا له المشاهدة بأوقات محددة وضيّقة، واشترطنا أن يشاهد القنوات العربية أكثر من الانجليزية، القنوات الأهم له الآن هي ماجد و جيم ومؤخراً روتانا أطفال.
في احدى الاجازات شاهدت أطفال العائلة يسخرون من عمر لأنه حاول يعطيهم نكتة انجليزية هو ترجمها لهم بنفسه. تضايق الولد وتضايقت أنا لكني أيضاً انبسطت أنه يحاول وأيضاً أنه قادر على ترجمة أفكاره للعربية، وهذا كان بسبب أسلوبنا معه، أي شيء لازم يقوله لنا بالعربي فكان يترجم لنا كل شيء.
بعد العودة قمت بتسجيله في حلقة لتدريس القرآن وبدأ لسانه يتفتق أكثر. كان يقضي ٦ ساعات في المدرسة (انجليزي) و ساعتين في المسجد (قرآن) و باقي وقته في البيت عربي فقط. حققنا توازن له بدخوله للمسجد.
قررنا تعليمه القراءة، فبدأ فعلاً من عمر ٦ سنوات يقرأ عربي وهذا بجهود من أمه جزاها الله خير، وكنّا نتابع معه باستمرار حتى أصبح قادر على القراءة بنفس مستوى أقرانه في السعودية في صف أول ابتدائي. ثم الكتابة، وكتابته واملاؤه ممتازين لكنه بطيء قليلاً لقل الممارسة.
بعدها جبنا له كتب مدرسية من السعودية وبدأ يأخذ كامل دروس السعودية من البيت . لغتي والرياضيات والتوحيد والعلوم. بعد سنتين من المواصلة، أصبح قادر على الجمع والطرح والضرب والقسمة بالعربي وفهم بعض جوانب العلوم. صحيح ليس بالقدر الذي نطمح له لكنه جيد جداً.
أيضاً عمر يحفظ من القرآن على منهج الحفظ في المدارس السعودية، واليوم أكمل سورة العاديات.
بسبب اتقان عمر للعربية أصبحت أخته أيضاً تتكلم العربية بشكل طبيعي، اجتهدنا معه فقام هو بدور مهم في نقل مهاراته اللغوية إلى أخته. تواصلنا مع الطفلين الآن عربي بنسبة ١٠٠٪.
بسبب اتقان عمر للعربية أصبحت أخته أيضاً تتكلم العربية بشكل طبيعي، اجتهدنا معه فقام هو بدور مهم في نقل مهاراته اللغوية إلى أخته. تواصلنا مع الطفلين الآن عربي بنسبة ١٠٠٪.
اليوم نحن على أعتاب العودة إلى المملكة، وأنا مُصر أن أستمر في هذا التحدّي بتسجيله في المدارس الحكومية ولن ألجأ لما يسمونها بالمدارس العالمية أو الأهلية. صحيح سيعاني في البداية لكنه ولد متحدّي وقادر على أن يتأقلم، والسلاح الأهم الذي يمتلكه هي لغته التي حرصنا عليها منذ ولادته.
جاري تحميل الاقتراحات...