ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

31 تغريدة 4,651 قراءة Mar 22, 2021
عمر الشريف ليس أول ممثل عربي في هوليوود، وإنما هو شخص آخر من بُريدة، عاش 105 أعوام، وتنقل بين أربعة قارات، وتزوج من أمريكيتين، وكان مستشارًا ملكيا، زخرت حياته بالمغامرة والترحال وظللها الكمد والألم حين حرم من ابنه ليعيش طيلة حياته باحثًا عنه،
حياكم تحت🌹
في منتصف القرن الثامن عشر ونتيجة للأوضاع المضطربة في نجد وطلبًا للرزق؛ قرر بعض تجارها العبور بتجارتهم إلى أسواق أخرى في بلاد محيطة، فساحوا في الأرض وتفرق بهم الحال في بلاد مجاورة، لكن حنينهم إلى مسقط رأسهم لم ينفك، حيث يعودون إليه مرة بعد أخرى.
على ظهور الإبل صال هؤلاء وجالوا، حيث كانوا همزات وصل بين نجد وبين حواضر العرب الأخرى، يُسّيرون قوافل الحجيج ، وينقلون الأقمشة والتوابل ويتاجرون في الخيول والسمن والأغنام وسواها من المواد، إنهم العقيلات أصحاب التاريخ التجاري المشرف.
كانت دمشق من بين هذه الحواضر التي نزل فيها العقيلات وعلى الأخص عائلة الرواف، حيث اتخذوها مركزًا وسيطًا، ينطلقون منه نحو جهات الأرض المختلفة، لقد امتزجوا وتصاهروا مع المجتمع الشامي، لكنهم أبدًا لم يتخلوا عن ثقافتهم وتقاليدهم ذات الخصوصية والتفرد.
في عام 1895 ولد طفل لإبراهيم الرواف وهو تاجر نجدي يسكن دمشق، أسماه خليل، وفي ظلال من البساطة نشأ الصغير، حيث اهتم والده كثيرًا بتعليمه القراءة والكتابة، فألحقه بإحدى مدارس دمشق، ليجد الفتى طريقه نحو الفهم والإجادة والتعلم، وفي ذات الوقت أدمجه والده في تجارته وقوافله.
كان خليل ذا هيبة رغم صغر سنه، حيث اعتمد على ذاته منذ وقت مبكرة، فكان يشتري الإبل والخيول الصغيرة من بريدة ويربيها، ثم يقدم بها على أسواق دمشق والعراق وفلسطين ويبيعها، ولم تكن حياته المبكرة بجانب التجارة لتخلو من القراءة والتدوين، فقرأ مصنفات شتى وحفظ الشعر واهتم بالأدب.
حملته حياة الترحال إلى تكوين صداقات وعلاقات كثيرة، إلى تلك الدرجة التي التقى فيها بالملك المؤسس عبد العزيز آل سعود -يرحمه الله- عام 1930 من أجل مساعدته في استعادة وقف لعائلته في العراق، فحمّله الملك برسالة إلى ملك العراق حينها فيصل بن الحسين، والذي رحب به وبشدة.
لاستعادة أوقاف عائلته كان على خليل الرواف سلوك طريق القضاء، والمفاوضات مع هيئة الأوقاف العراقية حينها، طريق لم يجن من ورائه سوى ثلاث سنوات ضائعات، تردد فيها على العراق وأقام بها مددًا طويلة، إلى أن تسرب إليه اليأس، فكف نفسه عن المواصلة.
خلال مدة إقامته الطويلة في فندق تايكرس بالاس ببغداد دأب خليل على لقاء كثير من الصحفيين الأجانب، والذي كانوا يتحاورون معه كمثال براق لما هو عليه العربي الأصيل من هيئة، لكن كان ذلك اليوم مختلفا، إذ اقتحمت حياته رحالة وصحفية أمريكية فأحالته إلى ضفة مغايرة تماما من الجغرافيا والحياة.
متواضعة بسيطة الثياب رغم ثراءها في مقتبل العقد الرابع تحتفظ بجمال هادئ آخاذ، تحدثت معه في لقاء جمعهما يحضره مدير الفندق كمترجم، عن الجزيرة العربية وحياة البادية، وخلال اللقاء كانت مشدوهة به، غادرت بعدها إلى القاهرة وبعد أيام وصله خطابا منها تتمنى فيه أن يبقى بجانبها طيلة الحياة.
ارتباك ووجوم وصراع عميق في نفس خليل، بين ذلك النجدي الممسك بعرى دينه وجذوره وبين عفويته كإنسان لديه حس ومشاعر، لم يكن من بد أن أمسك بقلمه وشط بتعبيراته وأنشأ يكتب رسالة عن تآلف القلوب، وعن نبتة الحب التي دبت في ذاته، كتب رسالته بالعربية موقنًا أنها ستجد الطريق لترجمتها.
توالت البرقيات وتلاقت المشاعر وزفت فرانسيس أليسون إليه خبر عودتها إلى بغداد قريبًا، كل هذا والانفكاك والضياع بعيدا عن ملاقاتها يدور في نفسه، لكن روح المغامر الرحالة رجحت الكفة، وعقد قرانه عليها، واتفقت معه أن يبحر بصحبتها فيما قريب إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
أصر الرواف أن يكون زواجهما في بيت العائلة في دمشق، ومنه انطلقا معًا يطوفان العالم بجنون العشاق في شهريهما الأول، حيث ذهبا إلى لبنان والقاهرة واليونان وسويسرا وإيطاليا، قبل أن ينتهي بهما المطاف في نابولي، حيث استقلا منها الباخرة كونت دي سافواي التي قادتهم رأسًا إلى نيويورك.
كانت فرانسيس تعني له أكثر من مجرد سائحة التقاها صدفة، فهي المغامرة والسفر والحلم وقصص العالم مجتمعة، هي نافذته التي أطل خلالها على عالم جديد لم يتخيل ذاته مطلعًا عليه أبدًا،و خليل عنى لها الكثير كذلك، فهو رحلتها الحقيقية التي تمنت وهو الشرق بحكاياه التي ما فتأت تحبه وتتردد عليه.
حطت أقدام الزوجين أخيرا إلى نيويورك بعد رحلة بحرية ماتعة استمرت نحو 7 أيام، مدينة عامرة ليلها كنهارها لا فارق، تجاوز خليل أيام انبهاره الأولى وقرر هو وفرانسيس أن يرى أمريكا حقا، فتنقلا في أرجائها اقاموا وسط البراري، وامتزجا بالطبيعة حتى طافا أحد عشر ولاية من ولاياتها الخمسين
لكن متى التقى الشرق والغرب ؟!
إذ ما لبثت الهوة الثقافية بين الزوجين أن وجدت متسعًا لها، فدبت بينهما كثير من الخلافات، يتعلق أكثرها برفض خليل أن تستمر زوجته في الإنفاق عليه، فانفرط عقد التلاقي وقرر خليل مغادرتها إلى لوس أنجلوس، غادرها ولم يكن يمتلك في جيبه إلا ثمن تذكرة القطار.
حطت قدماه في لوس أنجلوس غريبا شريدًا لا وجهة له ولا شيء ليستند عليه، لكن تصاريف القدر جمعته ببعض العرب الذين مدوا له يد العون، فأتقن الإنجليزية، وأتاحت له خلفيته الثقافية أن يعمل كمستشارٍ لعديد من الجهات المهتمة بالشأن العربي، ورويدًا رويدًا رسخت خطوته.
منحته شخصيته الفذة انفتاحا على عديد من الفرص، إلى أن كانت فرصته الأشهر حين طلبته استوديوهات هوليوود للعمل لديها كمستشار لشؤون الثقافة العربية، لم تقف خطوته عند ذلك الحد، بل تخطت مساحته خطوط الاستشارة ليقف ممثلا في فيلم "أنا مراسل الحرب" أمام النجم الشهير جون واين.
أصبح خليل الرواف بهذا الدور الذي أداه عام 1937 أول ممثل عربي في تاريخ هوليوود، لم يكن دورًا محوريًا لكنه كان كافيًا لمنحه هذا اللقب، والذي اكتفى به ولم يكمل الوقوع في شباك هوليوود، حيث قفل عائدًا إلى نيويورك وهناك شيد مدرسته الأولى في بروكلين لتعليم اللغة العربية والدين الإسلامي.
وفد إليه كثير من المسلمين والمقبلين على الإسلام والمحبين للشرق والعربية، ومن ضمنهم السيدة كونستانت ولمان، كاتبة بليغة مثقفة مأخوذة بالشرق متضامنة مع قضاياه خصوصًا قضية فلسطين، منفتحة على الإسلام، كل هذه الأمور عجلت من سير الأمور نحو زواج الرواف منها، غير آبه لما مر به من تجربة.
بعد الزواج مباشرة عرج خليل إلى مساره الحقيقي كتاجر، فبدأ في إنشاء شركة تعنى بالتصدير لاسيما الأقمشة وغيرها وحقق نجاحًا كبيرًا، وذلك في ظل زواج أثمر عن ابنه الأول نواف، كان سعيدًا به كأقصى ما يكون، فهو ثمرته الأولى التي انتظرها لأكثر من خمسين عامًا ونيف.
لا تسير الأمور دائمًا كما يود الناس، بل تجنح الأحداث كثيرًا إلى ضوائق لا نتمناها، وهو ما سيطر على خليل حين هوت تجارته وتعثرت حالته المادية بشدة مع البنوك، أمور أسلمته إلى مرض لازم به الفراش، ثم أتت الشدة الكبرى حين انفصلت عنه زوجته نتيجة خلافات مادية وتركته ورحلت.
قفل عائدًا إلى السعودية والألم يعتصره، أن ترك ورائه فلذة كبده في أمريكا، محاولا بعودته هذه تقويم مساره المالي والخروج من شرنقة الدين وتوفير بداية جديدة، أقام مدة من الزمن حتى استوت له الأمور ونجح في مداوة أزماته، ثم سافر إلى القاهرة استعدادًا للانطلاق منها إلى أميركا مرة أخرى.
أثناء إقامته في فندق سميراميس عام 1951 سلبت لبه إحدى الفتيات، فلم يكن منه إلا أن قصد في الغد منزلها الذي تتبعها إليه، وطلب يدها من أخيها الذي وافق، كانت فتاة متعلمة تجيد من اللغات ما تجيد، وكان أبيها ذا مركز سياسي كبير، عقد القران ولفظ خليل فكرة السفر واستقرت نفسه على البقاء.
رغم أنه رزق بابنتين من زواجه الأخير، إلا أن ابنه نواف الذي لم يهتد إلى مكانه ولم يره منذ انفصاله عن والدته ظل طعنة تؤرقه وتدمي قلبه، فرحة أولى لم يهنأ بها ولم يحطها بحبه، ظل لأجله على مدى عقود يتردد على أمريكا بحثا عنه وعن والدته، دون أثر، وهو ما أورث فيه كمدًا وألما مستمرين.
في عام 1991 ومع بلوغه سن الـ 96 عاما لا يزال خليل متطلعًا للعثور على ابنه المفقود، حلم واحد يباغته كل ليلة طيلة تلك الأعوام ، يرى فيه رجلا يُعرف عن ذاته أنه نواف، يحتضنه ويبكي، لذلك لم يكن من خليل إلا أن مال إلى ابن أخيه عثمان طالبًا منه أن يرافقه إلى أمريكا للبحث عن ابنه.
جبرا لخاطره وافق عثمان على ذلك وانطلق معه صوب أمريكا، بعد وصولهم اقترح عثمان الاستعانة بمحقق خاص للبحث عن نواف، التقيا معًا المحقق وأمداه بكامل المعلومات المتوفرة، ولم يتخيلا أبدًا أن مثل هذه خطوة قد تثمر، لكنهما أقدما عليها من باب المحاولة ليس أكثر.
بعد 3 أيام رن جرس الهاتف، رفع عثمان السماعة وأجاب فإذ به المحقق يقول له اكتب ورائي، مدينة هوليوود كالفورنيا، وهذا رقم هاتف نواف، وحين تتصل به ناديه بكلايف ويلمان، فقد غيرت أمه اسمه في وقت مبكرة، على الفور تواصل معه عثمان، تفاجأ الابن بداية وارتبك لكن ذلك لم يمنع من ترتيب لقاء.
45 عامًا مضت لم ير فيها خليل ابنه، كان لقاء ككله الدمع واهتزت له الفرائص، وأزهرت من جوفه ينابيع لا تحصى من المشاعر المختلطة، التقى الأب ابنه ليس هذا فحسب بل كذلك زوجته السابقة التي جاوزت حينذاك سبعا وسبعين عاما، انفطرا الأب وابنه سوية يبكيان عمرًا طويلًا مضى دون لقاء.
لقد تزوجت الأم بعد خليل الرواف من الأديب العربي الشهير أحمد زكي أبو شادي، الذي تبنى نواف وعامله كابنه تمامًا، ولم يدر نواف أبدًا من أبيه الحقيقي، لحظة كان لابد منها لخليل، الذي استقرت نفسه أخيرًا، ولقى ربه بعد هذا اللقاء بنحو تسع سنوات، تحديدًا عام 2000، بعد مسيرة طويلة وعمر حافل
سيرة ذاتية دسمة
أتت على استعراض قرن كامل من الزمان.
راق لي حرص الرواف على تدوينها
تجاوز عدد صفحاتها 600 صفحة.
أعتقد أن القصة تصلح بامتياز فيلمًا ,
حادت به الأقدار حينًا وتفرقت حياته
بين مغامرة وانطلاق وفقد وألم
كحياتنا جميعًا..

جاري تحميل الاقتراحات...