د. متجرد
د. متجرد

@motjrd

25 تغريدة 198 قراءة Mar 20, 2021
#روايا_متجرد يُحكى أن العباس صاحب شرطة المأمون قال: دخلت يومًا مجلس أمير المؤمنين ببغداد وبين يديه رجل مكبل بالحديد فلما رآني قال لي: عباس، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين قال خذ هذا الرجل المكبل معك واحتفظ به وبكر به إلي في غد واحترز عليه كل الإحتراز أن لا يفر منك.
قال العباس: فدعوت جماعة فحملوه ولم يقدر أن يتحرك. فقلت في نفسي: مع هذه الوصية التي أوصاني بها أمير المؤمنين من الأحتفاظ به فيجب أن يكون معي في بيتي لا في السجن فأمرتهم فتركوه في مجلس لي في داري ثم أخذت أسأله عن قضيته وعن حاله ومن أين هو،
فقال: أنا من دمشق فقلت جزى الله دمشق وأهلها خيرًا، فمن أنت من أهلها؟
ًقال: وعمن تسأل؟
قلت: أتعرف فلانًا؟
قال: ومن أين تعرف ذلك الرجل؟
فقلت: وقع لي معه قضية
فقال: ما كنت بالذي أعرّفك خبره حتى تعرفني قضيتك معه. فقلت: كنت مع بعض الولاة بدمشق فبغى أهلها وخرجوا علينا
حتى أن الوالي تدلى في زنبيل من قصره وهرب هو وأصحابه وهربت معهم فبينما أنا هارب في بعض الدروب وإذا بجماعة يعدون خلفي فمازلت أهرب منهم حتى أضاعوني فمررت بهذا الرجل الذي ذكرته لك وهو جالس على باب داره فقلت: أغثني أغاثك الله. قال: لا بأس عليك أدخل الدار، فدخلت
ولما دخل الدار قالت زوجته: أدخل تلك المقصورة فدخلتها ووقف الرجل على باب الدار فما شعرت إلا وقد دخل والرجال معه يقولون: هو والله عندك، فقال: دونكم الدار فتشوها، ففتشوها حتى لم يبقَ سوى تلك المقصورة وامرأته فيها، فقالوا: هو ههنا فصاحت بهم المرأة ونهرتهم فانصرفوا
وخرج الرجل وجلس على باب داره ساعة وأنا قائم أرجف ما تحملني رجلاي من شدة الخوف، فقالت المرأة: اجلس لا بأس عليك، فجلست فلم ألبث حتى دخل الرجل فقال: لا تخف قد صرف الله عنك شرهم وصرت إلى الأمن إن شاء الله فقلت له جزاك الله خيرًا فما زال يعاشرني أحسن معاشرة وأجملها،
وجعل لي مكانًا في داره ولم يحوجني إلى شيء ولم يمل من تفقد أحوالي فأقمت عنده أربعة أشهر في أرغد عيش وأهنئه إلى أن هدأت الفتنة وزال أثرها فقلت له: أتأذن لي في الخروج حتى أتفقد حال غلماني؛ فلعلي أقف منهم على خبر؟ فأخذ علي المواثيق بالرجوع إليه فخرجت وطلبت غلماني فلم أرَ لهم أثرًا
فرجعت إليه وأعلمته الخبر وهو مع هذا كله لا يعرفني ولا يسألني ولا يعرف اسمي ولا يخاطبني إلا بالكنية، فقال: علام تعزم؟
فقلت: عزمت على التوجه إلى بغداد.
فقال: القافلة بعد ثلاثة أيام تخرج وها أنا قد أعلمتك.
فقلت له: إنك تفضلت علي هذه المدة ولك علي عهد الله
أني لا أنسى لك هذا الفضل ولأوفينك مهما استطعت.
ثم دعا غلامًا له وقال له: اسرج الفرس الفلاني ثم جهز متاع السفر، فقلت في نفسي: أظن أنه يريد أن يخرج إلى ضيعة أو ناحية من النواحي! فأقاموا يومهم ذلك في كد وتعب فلما كان يوم خروج القافلة جاءني قبيل الفجر
وقال لي: يا فلان قم فإن القافلة تخرج الساعة.
فقلت في نفسي: كيف أصنع وليس معي ما أتزود به ولا ما أدفع به أجرة مركوبًا؟ ثم قمت فإذا هو وامرأته يحملان بقجة من أفخر الملابس وخفين جديدين ومتاع السفر ثم جاءني بسيف ومنطقة فشدهما في وسطي ثم قدم بغلاً فحمل عليه صندوقين وفوقها فرش
ومعهما خمسة الآف درهم وقدّم إلي الفرس الذي كان جهزه وقال اركب وهذا الغلام يخدمك ويسوس مركوبك، وأقبل هو وامرأته يعتذران إلي من التقصير في أمري وركب معي يشيعني حتى وصلت إلى القافلة، ثم أنضممت إلى القافلة حتى وصلت إلى بغداد، ومنذ ذلك الحين وأنا أنتظر خبره لأفي بعهدي له وأكافئه
وأشغلت مع أمير المؤمنين فلم أتفرغ أن أرسل إليه من يكشف خبره فلهذا أنا أسأل عنه.
فلما سمع الرجل الحديث قال لقد أمكنك الله من الوفاء بعهد ومكافأة صاحبك على فعله ومجازاته على صنيعه بلا تعب منك، فقلت: وكيف ذلك؟
قال: أنا ذلك الرجل وإنما الضر الذي لحق بي غيّر هيئتي وحالي!
ثم لم يزل يذكر لي تفاصيل ما حدث حتى أثبت أنه هو، فما تمالكت أن قمت وقبلت رأسه ثم قلت له: فما الذي أصارك إلى ما أرى؟
فقال: هاجت بدمشق فتنة مثل الفتنة التي كانت في أيامك فاتهموني أني من تسبب بها وبعث أمير المؤمنين بجيوش فأصلحوا البلد وأخذوني وضُربت إلى أن أشرفت على الموت
ثم قُيدت وبُعث بي إلي أمير المؤمينن وأمري عنده عظيم وخطبي لديه جسيم وهو قاتلي لا محالة وقد أخرجوني من عند أهلي بلا وصية وقد أرسل أهلي أحد غلماني ليتتبع خبري وهو نازل عند فلان فإن رأيت أن ترسل من يحضره لي حتى أوصيه بما أريد فقد جاوزت حد المكافأة ووفيت عهدك ورددت الجميل
قال العباس: يصنع الله خيرًا ثم أحضر حدادًا في الليل ففك قيوده وأزال ما كان فيه من الأنكال وأدخله حمام داره وألبسه من أحسن الثياب ثم أرسل من يحضر إليه غلامه فلما رآه جعل يبكي ويوصيه، فاستدعى العباس نائبه وقال: هات الفرس الفلانية والفرس الفلانية والبغل الفلاني والبغلة الفلانية
حتى عدّ عشرة من الخيول والبغال، ثم عشرة من الصناديق ومن الكسوة كذا وكذا ومن الطعام كذا وكذا وأحضر لي عشرة آلاف درهم وكيسًا فيه خمسة آلاف دينار، وقال لنائبه في الشرطة: خذ هذا الرجل وأوصله إلى حدّ الأنبار، فقال له الرجل: إن ذنبي عند أمير المؤمنين عظيم وخطبي جسيم
وإن أنت أحتججت بأني هربت بعث أمير المؤمنين في طلبي كل جيوشه فيردونني إليه ثم يقتلني. فقال العباس: أنج بنفسك ودعني أدبر أمري.
فقال الرجل: والله ما أبرح من بغداد حتى أعلم ما يكون من خبرك فإن احتجت الى حضوري حضرت.
فقال العباس لصاحب الشرطة: إن كان الأمر على ما يريد الرجل فأذهب به في موضع كذا فإن أنا سلمت في غداة غد أعلمته وإن أنا قُتلت فقد وقيته بنفسي كما وقاني بنفسه، وأُنشدك الله أن لا يذهب من ماله درهم وتجتهد في إخراجه من بغداد. فأخذ صاحب الشرطة الرجل إلى مكان لا يعلم به أحد.
ثم قام العباس وتحنط وجهز لنفسه كفنًا، قال العباس: فلما فرغت من صلاة الصبح أرسل المأمون في طلبي "يقول لك أمير المؤمنين هات الرجل معك"
قال العباس: فتوجهت إلى دار أمير المؤمنين فإذا هو جالس وعليه ثيابه وهو ينتظرنا، فلما رآني لوحدي قال: أين الرجل؟ فسكت العباس
فقال المأمون: ويحك أين الرجل؟
فقال العباس: يا أمير المؤمنين اسمع مني!
فقال: لله علي عهد لئن أخبرتني أنه هرب لأقتلنّك
فقال العباس: لا والله يا أمير المؤمنين ما هرب ولكن اسمع حديثي وحديثه ثم شأنك ما تريد أن تفعله في أمري
قال المأمون: قل.
فقصّ العباس عليه القصة كلها وأخبره أنه يريد أن يفي بوعده ويكافئه على ما فعله معه، ثم قال العباس: أنا ومولاي أمير المؤمنين بين أمرين إما أن يصفح عني وعن الرجل فأكون قد وفيتُ بعهدي وكافأته، وإما أن يقتلني فأقيه بنفسي وقد تحنطت وهذا كفني يا أمير المؤمنين.
فلما سمع المأمون القصه قال: ويلك لا جزاك الله عن نفسك خيرًا إنه فعل بك ما فعل من غير أن يعرفك وتكافئه بعد أن عرفته بهذا لا غير! هلّا أخبرتني عنه فكنتُ أكافئه عنك!
فقال العباس: يا أمير المؤمنين إنه في بغداد قد حلف أن لا يبرح حتى يعرف سلامتي فإن احتجت إلى حضوره حضر.
فقال المأمون: وهذه والله منه أعظم من الأولىا إذهب الآن إليه فطيب نفسه وسكّن روعه وائتني به حتى أتولى مكافأته. قال العباس: فأتيتُ إليه وقلتُ له: ليزل خوفك إن أمير المؤمنين قال كيت وكيت، فقال: الحمد لله الذي لا يحمد على السراء والضراء سواه ثم قام فصلى ركعتين ثم ركبنا وجئنا المأمون
فلما وقف بين يدي أمير المؤمنين أقبل عليه وأدناه من مجلسه وحدثه حتى حضر الغداء وأكل معه وخلع عليه وعرض عليه أعمال دمشق، فطلب أن يعفيه منها، فأمر له المأمون بعشرة أفراس بسروجها ولُجمها وعشرة أبغال بآلاتها وعشر بُدر وعشرة آلاف دينار وعشرة مماليك بدوابهم
وكتب إلى عامله بدمشق يوصيه به وأن يُطلق خراجه وأمره بمكاتبته بأحوال دمشق فصارت كتبه تصل إلى المأمون وكلما وصل كتابه، يلتفت المأمون إلى العباس ويبتسم ويقول: يا عباس هذا كتاب صديقك.
تمّت.

جاري تحميل الاقتراحات...