تشرشل كان له جملة شهيرة: لا توجد صداقات دائمة وإنما هناك مصالح دائمة!
أحياناً الأوهام والضلالات تسيطر على ذهن السياسي ويبدأ في التحرك سياسياً ويفتح جبهات متعددة ويفضل مستمراً في الحرب على الجبهات المختلفة، لحد ما يستنزف ويبدأ في التراجع ومحاولة إصلاح المسار.
تركيا نموذج مهم تأمله
أحياناً الأوهام والضلالات تسيطر على ذهن السياسي ويبدأ في التحرك سياسياً ويفتح جبهات متعددة ويفضل مستمراً في الحرب على الجبهات المختلفة، لحد ما يستنزف ويبدأ في التراجع ومحاولة إصلاح المسار.
تركيا نموذج مهم تأمله
في ٢٠١٠ العلاقات التركية المصرية كانت في أفضل حالاتها لدرجة إن الرئيس التركي عبد الله غول حضر مع مبارك حفل تخرج الكلية الحربية (اللي هو كان الأخير لمبارك). وكان فيه إعجاب بالنموذج التركي واللي عمله رئيس الوزراء إردوغان منذ أن كان عمدة لاسطنبول وطبعا كان فيه علاقات اقتصادية متينة.
خلال تلك المدة كان وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو هو صاحب سياسة "صفر مشاكل" وكان لديه كتاب اسمه "العمق الاستراتيجي" طلع إلى النور بالتركية عام ٢٠٠١. بالإضافة لذلك كان داوود أوغلو أستاذ جامعة ومعاه دكتوراه في العلاقات الدولية.
كتاب أحمد داوود أوغلو "العمق الاستراتيجي" كان عن صياغة دور لتركيا في العالم اللي تشكل بعد انتهاء الحرب الباردة. وكان بينطلق من نقطة إن تركيا فضلت بتلعب دور لخدمة حلف الناتو خلال الحرب الباردة باعتبارها دولة لديها حدود برية (جورجيا) وحدود بحرية (أوكرانيا) مع الاتحاد السوفيتي.
انتهت الحرب الباردة وأمريكا أصبحت القوة الوحيدة المهيمنة على العالم وتراجع دور تركيا وأصبحت حاضنة لقاعدة أنجرليك الجوية للعمليات العسكرية فوق العراق، بينما دول الكتلة الشرقية اللي كانت تركيا بتلعب دور في أي مواجهة مرتقبة معاها، تم احتوائها من خلال الناتو أو المشروع الأوروبي.
وبالتالي كانت فكرة داوود أوغلو إن على تركيا إعادة صياغة دورها من خلال صنع نفوذ وقوى ناعمة في الدول المحيطة بتركيا واللي كانت تاريخياً ضمن الخلافة العثمانية، وبالتالي تتحول تركيا إلى قوة إقليمية كبرى بدل ما تكون دولة تخدم حلف الناتو أو التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة.
أحمد داوود أوغلو يدخل الحكومة في ٢٠٠٩ ويبدأ في تنفيذ سياسته وتزيد تركيا من تمتين علاقاتها الاقتصادية مع سوريا والعراق وكردستان العراق ومصر والسعودية ودول الخليج وفي أجزاء من العالم الإسلامي وآسيا الوسطى. ويعلن عن سياسة صفر المشاكل وهي حل كل الخلافات مع الدول المجاورة بشكل سلمي.
لكن طبعا سياسة أحمد داوود أوغلو كانت في هدفها الأول والأخير هي تعظيم مساحة دور تركيا ونفوذها وممارسة الهيمنة التركية ضمن مظلة التعاون الاقتصادي والتنسيق السياسي والدفاع عن مصالح المنطقة وشعوبها. وهنا مثلا كان فيه المشاحنات التركية مع إسرائيل والمواقف المناصرة لقطاع غزة وحركة حماس
في ٢٠١١ تبدأ موجة الثورات العربية وتساندها تركيا ولكن الثورة الأهم بالنسبة لتركيا هي الثورة السورية حيث الحدود التركية مع سوريا والتي لا تقل أهمية عن حدود تركيا مع العراق.
تركيا التي كانت ترتبط بعلاقات اقتصادية وسياسية متينة مع بشار الأسد، تقرر دعم الثورة السورية وتنقطع العلاقة.
تركيا التي كانت ترتبط بعلاقات اقتصادية وسياسية متينة مع بشار الأسد، تقرر دعم الثورة السورية وتنقطع العلاقة.
وتساهم تركيا في دعم"الجيش السوري الحر" كمعارضة مسلحة مكونة من ضباط منشقين من الجيش السوري، وتدعم كيانات سياسية كي تكون بديلا للنظام. وتصبح تركيا حليفاً للسعودية وقطر في جهود إسقاط بشار وتدخل روسيا بسلاحها الجوي في ٢٠١٥ وتتوتر العلاقة مع تركيا وصولا لإسقاط تركيا لطائرة حربية روسية
بعد أقل من سنة يتعرض إردوغان لمحاولة انقلابية وينجح بأعجوبة في النجاة منها ويلعب بوتين وروسيا دوراً رئيسياً في إنقاذه وتنتهي فترة التوتر بين تركيا وروسيا وتتحول لتوتر بين تركيا والناتو وتركيا والامارات وتركيا والولايات المتحدة. وبالطبع تدخل العلاقات التركية المصرية نفقاً بعد ٢٠١٣
حتى لا نغرق في التفاصيل الكثيرة، تتطور مراحل الحرب الأهلية في سوريا ويجد الأتراك أنفسهم أمام وحدات حماية الشعب الكردي المنضوية تحت قوات سوريا الديمقراطية ويبدأ الأكراد في شمال سوريا في التحضير لحكم ذاتي في تلك المناطق بعد أن قرر الأسد أن يلعب بالورقة الكردية في وجه الأتراك!
يقرر الأتراك التراجع عن مسار دعم الفصائل السورية المعارضة من أجل مواجهة وحدات حماية الشعب الكردية والقضاء على فكرة منطقة كردية شبه مستقلة حتى لو أدى ذلك للقبول برجوع الجيش السوري لإدارة الحدود مع تركيا!
وبالتالي تصبح الجبهة السورية هي الأولى التي يجري فيها الأتراك تحولاً للخلف
وبالتالي تصبح الجبهة السورية هي الأولى التي يجري فيها الأتراك تحولاً للخلف
بعد فتح جبهة في ليبيا لدعم الفصائل الموجودة في الغرب في مقابل مصر والامارات التي تدعم الفصائل الموجودة في الشرق، وفتح جبهة مع السعودية على خلفية قضية جمال خاشقجي، وإدارة عمليات التدخل العسكري المحدود في شمال العراق أو شمال سوريا، تجد تركيا نفسها في مواجهة مع إدارة ترامب.
وفي نفس الوقت تقرر تركيا مواجهة اليونان على خلفية ترسيم الحدود البحرية ومناطق استغلال الثروات الطبيعية في منطقة شرق المتوسط.
وتنتقل تركيا من سياسة صفر مشاكل إلى توتر في العلاقات مع مصر والسعودية والامارات والولايات المتحدة واليونان وتصبح ملتزمة بالدفاع عن قطر خلال الأزمة الخليجية
وتنتقل تركيا من سياسة صفر مشاكل إلى توتر في العلاقات مع مصر والسعودية والامارات والولايات المتحدة واليونان وتصبح ملتزمة بالدفاع عن قطر خلال الأزمة الخليجية
الأزمة الاقتصادية العنيفة التي تمر بها تركيا حاليا، تجعل إردوغان يدرك أهمية تصفية المشاكل وخصوصا مع السعودية من أجل عودة استثماراتها لتركيا، وتصفية الخلافات مع مصر من أجل التفاهم في منطقة شرق المتوسط وإبرام تفاهم حول ليبيا، ونكتشف أن هناك محاولات تركية منذ أشهر للتواصل مع مصر.
تصريحات وزير الدفاع ووزير الخارجية وإردوغان تصبح الوسيلة التي يختارها الأتراك للكشف عن تحقيق تقدم في محاولات التواصل والتفاهم مع مصر، تمهيدا لعودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة وتحقيق مصالحة مع السعودية وربما الامارات والتفرغ لملف شرق المتوسط الذي يعتبر الأولوية الأهم لتركيا حاليا
جاري تحميل الاقتراحات...