8 تغريدة 129 قراءة Mar 15, 2021
(اثّاقلتم إلى الأرض)
في مَعنى أن يكونَ وُجودُكَ ثقيلًا مَذمومًا، يصف القرآن أحد العلاقات المَرَضية التي يعقدها الإنسان مع الوجود، تتسّم بملامح:
- الالتصاق بما هُو دَنيء وسُفليّ.
- الطمأنينة للانحدار والكَسَل والتقاعس .
- عدم القدرة على الانفكاك من كلّ ما يشدّك نحو الأرض.
هذا الوصف بديع (اثّاقلتم).. والتثاقل: لزوم الشيء والركون إليه.
والثقل عكس الخفّة، وهي صفة ذاتية، تحصلُ لكَ حين تمتلئُ ذاتُك بكلّ هذه المكنونات الدُنيوية من رغبات ومخاوف لا حصرَ لها ولا نهاية. فتصير مُتعطِّلًا ومَشدودًا لا تستطيع الحراك.
ثقيل لا يستطيع التحليق بروحه وفكره.
في موضع مماثل آخر، يصف ذات العلاقة:
ولو شئنا لرفعناه بها.. ولكنّه (أخلد إلى الأرض) واتّبع هواه.
هذه العلاقة الرأسية مع الوجود، التحرّر والسمو بالروح والتحليق بها نحو الأعلى والأسمى (الرِفعة).
في مُقابل الإخلاد والنكوص والانحدار إلى الأرض، والعودة إلى التراب والحيوانية الدنيئة.
قال القُشيريّ في تفسيرها:
فالجنوحُ إلى التكاسل، والاسترواحُ إلى التثاقل.. أمَاراتُ ضعفِ الإيمان.
إذ الإيمان غريمٌ مُلازِمٌ لا يرضى من العبد بغير ممارسة الأشقِّ، ومُلابسة الأحَقِّ.
هي هذه الفكرة عظيمة إنّه بإمكان الإنسان أن يتحرّر من أواصره الدُنيوية والتُرابية والحيوانية (الإخلاد) حين يُلازم التعبّد والتأمّل والارتقاء والسُمو الروحاني.
حتّى إنّه في الحديث: والذي نفسي بيده، لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذِّكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم.
وكأنّه هذه المداومة والملازمة تؤول للتحرّر من هذا النسيج الحيواني الذي يشدّه للأسفل، لدرجة تبلغ الارتقاء نحو وجود ملائكي، الذي يسحبه نحو الأعلى.
ويمكن هذه مُدخلية جيّدة لفهم الصلاة، بوصفها انقطاعات عن الانهماك بالدُّنيوي والدّنيء، وإعطاء روحَك هذه الفُسحة الزمنية القصيرة لكي لا تتلطّخ ولو لدقائق بكلّ هذه العوالِق المَعيشية، ولكي تُعطها فرصة أن تميل إلى عالَمها الطبيعيّ.
وانسحاب هذه الفكرة، أنّ الصلاة، هي هذه الانقطاعات الزمنية التي نوفّرها لأرواحنا كي تتصّل بعالمها الأصيل، هو أنّ العارفين قالوا (الصلاة.. زكاة الوقت).
وكأنّه هذا الوقت الذي تتزكّى به، عن كامل الأوقات التي أسرفتها في يومك وأنتَ مُنهَمِك وغارق بكلّ هذه العوالق الحياتية.

جاري تحميل الاقتراحات...