وفاة الدكتور الترابي لا تذكرك فقط بأن من السمات الرئيسية للسياسة السودانية هي أنها فَراقة حبايب فقط، ولكنها تتصف أيضاً بأنها "سياسة الرجل الواحد"!
بمعنى أن الملاحظة الرئيسية التي يمكن أن يقولها المطلع على التاريخ السوداني هو أن كل التجارب السياسية الضخمة تموت بموت القائد..
بمعنى أن الملاحظة الرئيسية التي يمكن أن يقولها المطلع على التاريخ السوداني هو أن كل التجارب السياسية الضخمة تموت بموت القائد..
ابتداءً من الدولة المهدية، التي تعتبر أول محاولة حقيقة لبناء دولة سودانية وطنية تجمع كل السودانيين، والتي ضعفت قوتها وتراجعت جداً بعد وفاة الإمام المهدي وتولي عبد الله التعايشي للحكم الذي تحول السودان في عهده إلى حالة من الحروب المستمرة بين أهله.
ثم تأتي تجربة الحزب الشيوعي الذي ضعف دوره القيادي في السياسة السوداني بعد وفاة عبد الخالق محجوب ووفاة قيادات اللجنة المركزية بعد الاعدامات التي قام بها نميري في حق قادة الحزب الشيوعي والمعروفة ب"إعدامات الشجرة". تتحرك في التاريخ قليلاً لتجد تجربة الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق،
الذي كان رجلاً صاحب رؤية وتكتيك سياسي، اختلفت معه أم اتفقت، وبعد وفاة جون قرنق تشتت الحركة الشعبية وتحولت مثلها مثل باقي الأحزاب إلى مجموعات متناحرة لا تمتلك أي مشروع سياسي سوا الوصول للسلطة والجلوس في كراسي الحكم حتى لو كان ذلك على حساب الأبرياء أو الحروب الأهلية.
وأخيراً تأتي تجربة الحركة الإسلامية مع الترابي، فبعد المفاصلة في أواخر التسعينيات تحول النظام السياسي السوداني من نظام القطبين (الذي كان يمثل الترابي والحركة الإسلامية القطب الأول فيه ويمثل البشير والجيش القطب الثاني فيه) إلى نظام القطب الواحد واستأثر البشير والمؤسسة العسكرية
بصورة تامة بالحكم والسلطة وتحولت الحركة الإسلامية إلى مجرد بوق من أبواق السلطة السياسية والعسكرية التي يمثلها البشير وزمرته، كل ذلك حصل فقط بسبب خروج الترابي من المؤتمر الوطني. ونفس الأمر حدث مع المؤتمر الشعبي الذي كان في حياة الترابي حزباً سياسياً معارضاً له وزنه وله تحركاته
السياسية المحسوبة، أما بعد وفاة الترابي فقد تحول المؤتمر الشعبي إلى حزب هزيل لا يمتلك أي وزن حقيقي في الساحة السياسية. ويمكننا أن نقول نفس الأمر في الأحزاب الطائفية التقليدية، فحزب الميرغني خسر كثيراً بعد وفاة على الميرغني، وحزب الأمة غالباً سيخفت كثيراً بعد وفاة الصادق المهدي.
والكلام دا برضو بينطبق بصورة عامة على بعض الأحزاب الحديثة زي المؤتمر السوداني والفكرة الجمهورية في صورتها السياسية وأنصار السنة- المركز العام (ديل أنصار السنة الدخلوا السياسة في عهد الإنقاذ).
في المقابل مثلاً يمكنك أن تقول بأن بعض الأشكال المجتمعية استطاعت أن تحافظ على عملها ونشاطها بذات القدر حتي بعد وفاة مؤسسيها، والمثال الذي يحضرني في هذه اللحظة هي جماعة أنصار السنة المحمدية (جناح الإصلاح) التي بالرغم من وفاة الشيخ أبو زيد وكثير من قياداتها المركزية إلا أن
عملها استمر دون تأثر كبير، وحتي درجة التأثر والضعف التي أصابت طبيعة برامج أنصار السنة سببها تغيير البيئة الدعوية مع دخول وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الحديث وطبيعة المواضيع التي اثيرت مع الثورة السودانية وغيرها، ولا علاقة لذلك بفقدان الجماعة لقادتها أو كبارها. وبدرجة أقل
حنلقى أنه النقابات السودانية والتي بالرغم من تغيير وتتابع الحكومات العسكرية والمدنية في السودان استطاعت أنها تحافظ على الأدوار السياسية ليها في ثورتي أكتوبر 1965 وأبريل 1985.
الكلام الفوق دا بثير عدة تساؤلات مهمة لابد الناس تناقشها من ضمنها:
الكلام الفوق دا بثير عدة تساؤلات مهمة لابد الناس تناقشها من ضمنها:
- إذا كانت الأحزاب السياسية والطبيعة السياسة السودانية غير قادرة بصورة عامة على بناء "مؤسسية سياسية" تستمر في نشاطها وفاعليتها وأجندتها حتى بعد وفاة قادتها، هل من العبث محاولة إصلاح الأحزاب دي والبحث عن أشكال سياسية جديدة؟ ولا طريقة معينة ممكن تصلح الأحزاب دي وتبنى المؤسسية فيها؟
- هل فعلاً الإصلاح في السودان في اللحظة الزمنية دي من عمر السودان يعتمد بصورة رئيسية على "جهود الرجل الواحد" وأنه المؤسسية كسمة للعمل السياسي والمجتمعي ما ممكن نشوفها في العهد القريب دا ؟
- هل مفروض الناس الساعين للإصلاح طويل الأمد في البلد دي يركزوا على تأسيس أشكال مجتمعية ويغرسوا فيها المؤسسية اللازمة بدل الدخول في الفضاء السياسي السوداني، ولا أصلاً مافي فرق بين الأثنين ديل من حيث القابلية لبناء مؤسسات تستمر في جهود الإصلاح حتى بوفاة الشخص/القائد/المؤسس؟
جاري تحميل الاقتراحات...