فولتير بتٙصٙرُّف
فولتير بتٙصٙرُّف

@Hisoka_ME2

32 تغريدة 18 قراءة Mar 09, 2021
أكثر من مئتي عام مرت على صبيحة الاول من مارس الدامية،أنهت ستة قرون من حكم المماليك للمحروسة، حتى يقال أن الدرب الأحمر استمد اسمه من دماء المماليك التى سالت فيه،سواء كان هذا صحيحا أم لا، فإن مذبحة المماليك أضخم عملية اغتيال سياسي فى التاريخ المصري كتبت بدم الف مملوك أو يزيد.
غادرت جيوش نابليون المحروسة سنة 1801 بعد فشل حملتها الشهيرة ، و تركت خلفها البلاد تغلي کالمرجل فوق النار . حيث إنقسم المماليك " حماة الدار " و ولاة الأمور ، إلى تحالفات متناحرة على السلطة ، بعضها بتأييد و دعم خارجي ( إنجليزي بالأساس ) و بعضها بواعز من الداخل المصري المضطرب
وفي ظل هذه الظروف ، ظهرت مجموعة جديدة من التجار و المشائخ و العلماء نصبت " محمد علي " واليا على مصر بموجب فرمان مايو 1805 و إلتفت حوله المواجهة المماليك و من ورائهم . فكتب إسمه بدم أكثر من 1000 مملوك من أمراء و جنود فيما عرف ب " مذبحة القلعة "
من القلعة المقصودة هي قلعة " صلاح الدين و التي أمر ببنائها لتحصين القاهرة هجمات الصليبيين . و منذ ذلك الحين باتت القلعة مقر الحكم ، حتى بناء قصر عابدين ، و رمزا من رموز السيادة لقرون حتى قيل بأن " من يملك القلعة ، يملك مصر ! "
و لكنهم كانوا أوفر حظا من غيرهم ، فبدل أن ينتهي بهم الأمر في الحقول و الإسطبلات وجدوا العناية من قبل الملك نفسه الذي أعتقهم و قربهم منه و حرص على أن يتلقوا أفضل العلوم الدينية و الدنيوية على أيدي أعتى العلماء ، كما قام بتدريبهم على مختلف فنون القتال و خطط الحرب و إدارة الجيوش
و هكذا أدرك الأيبيون غايتهم ، فكونوا جیوشا قوية من المماليك تدين بالولاء للملك وحده و تتلقى تعليماتها و مهامها منه شخصيا و تستميت في الدفاع عنه و عن عرشه . و كان لهم دور كبير في التصدي لهجوم التتار و الصليبيين من بعدهم على المحروسة
. و تمكنوا من الوصول أخيرا إلى سدة الحكم بعد زواج أحد قادتهم " عز الدين أيبك " من " شجرة الدر " أرملة الملك الصالح أيوب و الذي سلمته بموجبه الوصاية على العرش
وبدأ بذلك عصر المؤمرات و الدسائس و التناحر داخل البيت المملوكي ، فإنصرف القادة المماليك إلى المجون و رموا عباءة الإنضباط
فإشتكاهم أهل مصر إلى " خورشید باشا " العثماني ، و لكنه أجاب : " أناس جاهدوا أشهرا وأياما قاسوا ما قاسوه في الحر والبرد ، حتی طردوا عنكم الفرنسيز .. أفلا تسعونهم في السكن ! "
بدت فرصة لبعض القيادات الشعبية المصري ، لرفع يد المماليك عن البلد
و هو ما حصل فعلا عندما نضبت هذه القوى الشعبية الناشئة أحد ضباط الحامية العثمانية " محمد علي " ، الذي توسمت فيه الكفاءة و الحكمة و بالأخص القوة و القدرة على تولي حكم مصر في فترة حرجة، و المؤامرات و الظلم . و لذلك إلتف قادة الحركة الشعبية من مشائخ و علماء و تجار حول " محمد علي "
الذي تولي على مصر بموجب فرمان 12 مايو 1805، ووفروا له المال و العتاد قاموا بإستقطاب قادة و جنود الجيش ممن ضاق ذرعهم بالمماليك لمساعدته بل إنهم ذهبوا في وقوفهم خلف " محمد علي " إلى أبعد من ذلك بكثير عندما وقفوا في وجه محاولات " الباب العالي " وحالوا دون نقله من مصر
كما قاموا بالتصدي اللحملة الإنجليزية على تخوم " رشيد " ، و التي كان هدفها القضاء على الوالي الجديد لمصر " محمد علي " و إعادتها إلى " بيت الطاعة " المملوكي و كانت حملة الإنجليز بمباركة المماليك القشة التي قصمت ظهر بعير " محمد علي باشا "
الذي نفى المماليك من القاهرة و تعقبهم حتى الصعيد ، و لكنه عاد و عفا عنهم
من يذوق دفع السلطة و النفوذ لن يخلع عباءة الحكم مهما حصل ، و يبدو بأن محمد علي لم يشذ عن القاعدة الصحيحة . فبعد أن تمكن من إرساء دعائم حكمه و توطيدة ، سعی والي مصر إلى التخلص ليس فقط من منافسيه
بل من كل من رأى في وجوده خطرا قد يعكر صفو حكمه . فانقلب على أصدقاء الأمس ، قادة الحركة الشعبية الذين ساندوه و نصبوه واليا على بلادهم ، و على رأسهم " عمر مكرم الملقب بسيد الأشراف فقتل منهم من قتل و نفی منهم من نفي و شرد اليقية بين المنافي و صادر أموالهم و سائر أملاكهم
و أودع بعضهم السجون ، كاعتراف منه بالجميل و إلتفت إلى أعداء الأمس ، المماليك الذين إستطاع في فترة وجيزة أن يستميلهم إليه بالعطايا و الهبات من أموال المحروسة و أراضيها ، بينما يصفي قادة الحركة الشعبية و جاءت الفرصة للتخلص من المماليك على طبق من فضة ، فإستغلها " محمد علي " كما يجب
كان والي مصر قد تلقى رسالة من السلطان العثماني يطالبه فيها بإرسال حملة عسكرية إلى الحجاز و نظرا إلى تمرسه يغدر المماليك فقد كان " محمد علي متأكدا من أن المماليك سيفتالونه بعد مغادرة جیشه ، فقرر أن " يتغدى بهم قبل ما يتعشوا به
فأرسل مبعوثية إلى جميع أمراء المماليك المنتشرين في أصقاع البلاد ، يدعوهم إلى حضور حفل بهيج " سيقام على شرف الجيش المغادر إلى الحجاز بقيادة نجله الأكبر " إبراهيم بيك طوسون " ، فإستجاب جميع المدعوين و حضروا في الموعد المحدد ( 1 مارس 1811 ) ، كما طلب والي المحروسة بكامل زينتهم
رحب بهم " محمد علي " وقربهم إليه و تبسط معهم في المأكل و الحديث فخدعهم لطفه و إنطلت عليهم حيلته فما كان الحفل ينتهي حتى دعاهم إلى السير في موكب وداع الجيش ، و حرص أن يجعلهم بين مقدمة الجيش المغادر للحرب و مؤخرة الموكب المكونة من المرتزقة الألبان الذين انتدبهم خصيصا لهذه المهمة
سار الموكب في الطريق الوعرة المنحدرة باتجاه " باب العزب " ( و هو باب القلعة من الجهة الغربية )، و لم يكن إختيار مسار الموكب إعتباطيا ، بل مدروسا بدقة فائقة مقدمة الجيش و الطريق المنحدرة لعبا دورا هاما في حجب الرؤية عن المماليك الذين لم يتفطنوا إلى ما يدور حولهم
ما إن تجاوز المماليك البوابة حتى أغلقت من الخارج ، و إستدار الجنود الذين يسبقونهم و أصبحوا يواجهونهم مشهرين بنادقهم ، فيما تسلق رجال الكتيبة التي تسير خلف المماليك ، الصخور العالية و الأسوار من مختلف الجوانب ... و دوی صوت طلقة ، لم تكن سوى إشارة بداية المذبحة
فتساقط بعض المماليك صرعی، دون مقاومة تذكر ، فوق صهوة جيادهم التي تخوض في برك دمائهم ، فيما نجح البعض الترجل عن جيادهم و تخلصوا من ثيابهم الثقيلة المبهرجة ، و سارعوا إلى تسلق الأسوار علهم ينجحون في الفرار من القبر الجماعي الذي حفره لهم " محمد علي " . و لكن هيهات
فمن نجح في تسلق الصخور أو الجدران ، أجهز عليه رصاص الجنود المرابطين على الأسوار لتسقط جثثهم إلى الطريق المنحدر و تتكدس بجانب غيرها من الجثث التي تطؤها الجياد المرتعبة من دوي الرصاص . و من بين المماليك الذين ناضلوا للنجاة نذكر " شاهين بك الألفي "
أحد المماليك الذين عقدوا الصلح مع " محمد علي " و تمتعوا بعفوه " المؤقت " ، حيث إستطاع تسلق الحائط و بلغ عتبة قصر " صلاح الدين " و لكن الجنود عاجلوه برصاصهم ، و قطعوا رأسه و أرسلوه فورا إلى الوالي لنيل " البقشيش " ، فقد بشر " كل رجل يأتيه برأس من رؤوس أمراء المماليك بجزيل العطاء
و لم يكن " سليمان بيك النواب " بأوفر حظا من قريبه ، فقد زحف و هو ينزف إلى أن بلغ " سرايا الحريم " ( مقر إقامة النساء من قريبات وزوجات و جواري الحاكم ) و سقط على عتباتها صارخا : " في عرض الحريم " .. ناشدا الحماية ، واقعا في عرض النساء ( و قد سرت العادة في ذلك العصر بأن من يطلب
الحماية في عرض النساء لا يناله مكروه مهما كان ذنبه ، بل يغاث إلى حين ) و مع ذلك ، فقد لحق الجنود ب " سليمان بك " و مزقوه تمزيقا على عتبات " سرايا الحريم " و قطعوا رأسه " الثمينة " على مرأى و مسمع من نساء القلعة ، و رموا جثته بعيدا
أما من لم يمت برصاص المرتزقة الجنود ، فقد تم إقتياده حيا إلى الرحبة الوسطى و تم إعدامه بضرب عنقه بالسيف ،و الإحتفاظ برأسه . و تواصلت المذبحة و القتل في قلعة "صلاح الدين " من الضحى إلى اخرالليل كان الوالي خلالها جالسا بهدوء في قاعة الإستقبال رفقة أمنائه ، منصتا إلى صراخ المماليك
في يوم واحد تم فيه القضاء على أكثر من 500 مملوك دفعة واحدة ! و لم ينج منهم سوى رجل واحد يدعی " أمين بيك " كان يسير في ذيل الركب ، و لما رأى ما بدر من رجال " محمد علي " إغلاق البوابة و إطلاق الرصاص ، سارع بالهرب إلى المرتفع المشرف على الطريق
و لما أيقن الهلاك ، قفز بجواده من على سور القلعة الذي يبلغ إرتفاعه ستین قدما و لما كاد يدرك الأرض ، قفز مترجلا عن جواده فنجی بأعجوبة من موت محقق و فر إلى جنوب سورية حيث قضى بقية أيامه ( و قد خلد جورجي زيدان قصته في روايته المملوك الشارد )
و أوصد التجار أبواب دكاكينهم و فروا من جنود المرتزقة ، الذين كلفهم " محمد علي " بالقضاء على أتباع المماليك في أنحاء القاهرة . و طوال يومين عصیبین ، داهم الجنود الألبان المرتزقة البيوت و الدكاكين ، و فتكوا بكل من إعترض طريقهم و نهبوا و سطوا على كل ما وصلت إليه أيديهم من أموال
و جواهر و متاع ، و إغتصبوا النساء و هتكوا الأعراض و داسوا المحارم . و لم يتوقفوا عند أحياء المماليك و أتباعهم ، بل إمتد عدوانهم إلى الأحياء المجاورة ، و نال المصريين نصيب من القتل و النهب و الإعتداء ، و وصل عدد البيوت المنهوبة إلى 500 بيت .
و لم يتوقف الهرج و القتل و النهب إلا بخروج الوالي " محمد علي " رفقة إبنه " طوسون " و حاشيتهما و جنودهما ، ليضع جدا للفوضى آمرا بقطع رقبة كل من يستمر في النهب و القتل أو السطو .
انتهت مذبحة القلعة مخلفة 1000 قتيل من أمراء و جنود و أتباع المماليك ، عدا عدد غير محدد من المصريين الذين لا ذنب لهم سوى قرب مساكنهم من أحياء المماليك المستهدفة . علقت رؤوس بعضهم ک " شاهين بيك " ( كبير مماليك الألفية ) و " يحي " نعمان بيك " و " سليمان بيك البواب " و غيرهم
على بوابة مسجد الحسين ليكونوا عبرة لمن لا يعتبر عما ينتظر من يقلق تفرد " محمد علي باشا " بالحكم . و لم ينج من المماليك سوى عدد قليل ممن تخلفوا مع إبراهيم بيك الكبير " و " عثمان بك حسن " الذين لم يجيبا دعوة الوالي " محمد علي " الشكهما في نواياه الحقيقية

جاري تحميل الاقتراحات...