غادرت جيوش نابليون المحروسة سنة 1801 بعد فشل حملتها الشهيرة ، و تركت خلفها البلاد تغلي کالمرجل فوق النار . حيث إنقسم المماليك " حماة الدار " و ولاة الأمور ، إلى تحالفات متناحرة على السلطة ، بعضها بتأييد و دعم خارجي ( إنجليزي بالأساس ) و بعضها بواعز من الداخل المصري المضطرب
و لكنهم كانوا أوفر حظا من غيرهم ، فبدل أن ينتهي بهم الأمر في الحقول و الإسطبلات وجدوا العناية من قبل الملك نفسه الذي أعتقهم و قربهم منه و حرص على أن يتلقوا أفضل العلوم الدينية و الدنيوية على أيدي أعتى العلماء ، كما قام بتدريبهم على مختلف فنون القتال و خطط الحرب و إدارة الجيوش
و هكذا أدرك الأيبيون غايتهم ، فكونوا جیوشا قوية من المماليك تدين بالولاء للملك وحده و تتلقى تعليماتها و مهامها منه شخصيا و تستميت في الدفاع عنه و عن عرشه . و كان لهم دور كبير في التصدي لهجوم التتار و الصليبيين من بعدهم على المحروسة
فإشتكاهم أهل مصر إلى " خورشید باشا " العثماني ، و لكنه أجاب : " أناس جاهدوا أشهرا وأياما قاسوا ما قاسوه في الحر والبرد ، حتی طردوا عنكم الفرنسيز .. أفلا تسعونهم في السكن ! "
بدت فرصة لبعض القيادات الشعبية المصري ، لرفع يد المماليك عن البلد
بدت فرصة لبعض القيادات الشعبية المصري ، لرفع يد المماليك عن البلد
و هو ما حصل فعلا عندما نضبت هذه القوى الشعبية الناشئة أحد ضباط الحامية العثمانية " محمد علي " ، الذي توسمت فيه الكفاءة و الحكمة و بالأخص القوة و القدرة على تولي حكم مصر في فترة حرجة، و المؤامرات و الظلم . و لذلك إلتف قادة الحركة الشعبية من مشائخ و علماء و تجار حول " محمد علي "
الذي تولي على مصر بموجب فرمان 12 مايو 1805، ووفروا له المال و العتاد قاموا بإستقطاب قادة و جنود الجيش ممن ضاق ذرعهم بالمماليك لمساعدته بل إنهم ذهبوا في وقوفهم خلف " محمد علي " إلى أبعد من ذلك بكثير عندما وقفوا في وجه محاولات " الباب العالي " وحالوا دون نقله من مصر
كما قاموا بالتصدي اللحملة الإنجليزية على تخوم " رشيد " ، و التي كان هدفها القضاء على الوالي الجديد لمصر " محمد علي " و إعادتها إلى " بيت الطاعة " المملوكي و كانت حملة الإنجليز بمباركة المماليك القشة التي قصمت ظهر بعير " محمد علي باشا "
الذي نفى المماليك من القاهرة و تعقبهم حتى الصعيد ، و لكنه عاد و عفا عنهم
من يذوق دفع السلطة و النفوذ لن يخلع عباءة الحكم مهما حصل ، و يبدو بأن محمد علي لم يشذ عن القاعدة الصحيحة . فبعد أن تمكن من إرساء دعائم حكمه و توطيدة ، سعی والي مصر إلى التخلص ليس فقط من منافسيه
من يذوق دفع السلطة و النفوذ لن يخلع عباءة الحكم مهما حصل ، و يبدو بأن محمد علي لم يشذ عن القاعدة الصحيحة . فبعد أن تمكن من إرساء دعائم حكمه و توطيدة ، سعی والي مصر إلى التخلص ليس فقط من منافسيه
و أودع بعضهم السجون ، كاعتراف منه بالجميل و إلتفت إلى أعداء الأمس ، المماليك الذين إستطاع في فترة وجيزة أن يستميلهم إليه بالعطايا و الهبات من أموال المحروسة و أراضيها ، بينما يصفي قادة الحركة الشعبية و جاءت الفرصة للتخلص من المماليك على طبق من فضة ، فإستغلها " محمد علي " كما يجب
كان والي مصر قد تلقى رسالة من السلطان العثماني يطالبه فيها بإرسال حملة عسكرية إلى الحجاز و نظرا إلى تمرسه يغدر المماليك فقد كان " محمد علي متأكدا من أن المماليك سيفتالونه بعد مغادرة جیشه ، فقرر أن " يتغدى بهم قبل ما يتعشوا به
فأرسل مبعوثية إلى جميع أمراء المماليك المنتشرين في أصقاع البلاد ، يدعوهم إلى حضور حفل بهيج " سيقام على شرف الجيش المغادر إلى الحجاز بقيادة نجله الأكبر " إبراهيم بيك طوسون " ، فإستجاب جميع المدعوين و حضروا في الموعد المحدد ( 1 مارس 1811 ) ، كما طلب والي المحروسة بكامل زينتهم
رحب بهم " محمد علي " وقربهم إليه و تبسط معهم في المأكل و الحديث فخدعهم لطفه و إنطلت عليهم حيلته فما كان الحفل ينتهي حتى دعاهم إلى السير في موكب وداع الجيش ، و حرص أن يجعلهم بين مقدمة الجيش المغادر للحرب و مؤخرة الموكب المكونة من المرتزقة الألبان الذين انتدبهم خصيصا لهذه المهمة
فتساقط بعض المماليك صرعی، دون مقاومة تذكر ، فوق صهوة جيادهم التي تخوض في برك دمائهم ، فيما نجح البعض الترجل عن جيادهم و تخلصوا من ثيابهم الثقيلة المبهرجة ، و سارعوا إلى تسلق الأسوار علهم ينجحون في الفرار من القبر الجماعي الذي حفره لهم " محمد علي " . و لكن هيهات
فمن نجح في تسلق الصخور أو الجدران ، أجهز عليه رصاص الجنود المرابطين على الأسوار لتسقط جثثهم إلى الطريق المنحدر و تتكدس بجانب غيرها من الجثث التي تطؤها الجياد المرتعبة من دوي الرصاص . و من بين المماليك الذين ناضلوا للنجاة نذكر " شاهين بك الألفي "
أحد المماليك الذين عقدوا الصلح مع " محمد علي " و تمتعوا بعفوه " المؤقت " ، حيث إستطاع تسلق الحائط و بلغ عتبة قصر " صلاح الدين " و لكن الجنود عاجلوه برصاصهم ، و قطعوا رأسه و أرسلوه فورا إلى الوالي لنيل " البقشيش " ، فقد بشر " كل رجل يأتيه برأس من رؤوس أمراء المماليك بجزيل العطاء
و لم يكن " سليمان بيك النواب " بأوفر حظا من قريبه ، فقد زحف و هو ينزف إلى أن بلغ " سرايا الحريم " ( مقر إقامة النساء من قريبات وزوجات و جواري الحاكم ) و سقط على عتباتها صارخا : " في عرض الحريم " .. ناشدا الحماية ، واقعا في عرض النساء ( و قد سرت العادة في ذلك العصر بأن من يطلب
الحماية في عرض النساء لا يناله مكروه مهما كان ذنبه ، بل يغاث إلى حين ) و مع ذلك ، فقد لحق الجنود ب " سليمان بك " و مزقوه تمزيقا على عتبات " سرايا الحريم " و قطعوا رأسه " الثمينة " على مرأى و مسمع من نساء القلعة ، و رموا جثته بعيدا
في يوم واحد تم فيه القضاء على أكثر من 500 مملوك دفعة واحدة ! و لم ينج منهم سوى رجل واحد يدعی " أمين بيك " كان يسير في ذيل الركب ، و لما رأى ما بدر من رجال " محمد علي " إغلاق البوابة و إطلاق الرصاص ، سارع بالهرب إلى المرتفع المشرف على الطريق
و أوصد التجار أبواب دكاكينهم و فروا من جنود المرتزقة ، الذين كلفهم " محمد علي " بالقضاء على أتباع المماليك في أنحاء القاهرة . و طوال يومين عصیبین ، داهم الجنود الألبان المرتزقة البيوت و الدكاكين ، و فتكوا بكل من إعترض طريقهم و نهبوا و سطوا على كل ما وصلت إليه أيديهم من أموال
و لم يتوقف الهرج و القتل و النهب إلا بخروج الوالي " محمد علي " رفقة إبنه " طوسون " و حاشيتهما و جنودهما ، ليضع جدا للفوضى آمرا بقطع رقبة كل من يستمر في النهب و القتل أو السطو .
انتهت مذبحة القلعة مخلفة 1000 قتيل من أمراء و جنود و أتباع المماليك ، عدا عدد غير محدد من المصريين الذين لا ذنب لهم سوى قرب مساكنهم من أحياء المماليك المستهدفة . علقت رؤوس بعضهم ک " شاهين بيك " ( كبير مماليك الألفية ) و " يحي " نعمان بيك " و " سليمان بيك البواب " و غيرهم
جاري تحميل الاقتراحات...