ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

21 تغريدة 107 قراءة Mar 06, 2021
صوت بمجرد سماعه يثير فيك تلقائيًا شجنًا وحنيًا جارفًا لزمن الطيبين، إنه صوت باغز باني وكذلك دافي داك، وبوركي بيغ، وسيلفستر ذا كات، ومئات من الشخصيات الكرتونية الأخرى
إنه رجل الألف صوت، الذي أنقذه باغز باني من الموت
حياكم تحت
ببطء يقترب من مدرسته الثانوية التي لم يعد يحبها كما السابق، "سيكون مستقبلك خاويًا من أي نجاح، كاسمك تماما" قالها أحد معلميه ومضى، لكن ميل بلانك "ميل الخاوي" لم يمض عن هذا الموقف، بل تأثر به كثيرًا، حتى أنه حينما شب، ذهب غير اسمه من "Blank" إلى "Blanc" متخلصًا من خوائه إلى الأبد.
كان بلانك منذ طفولته المبكرة التي قضاها في حي ويسترن أديشن في سان فرانسيسكو، مولعًا بتقليد الأصوات، وابتكار شخصياته الخيالية البعيدة عن الواقع، لم يشي الأمر -على الأقل بالنسبة لمن حوله- بعبقرية فذة أو تفرد، لكنه بشكل فطري وتلقائي كان قد أخذ عهدًا على نفسه ألا يصبح خاويًا.
تخرج بلانك من مدرسته الثانوية عام 1927، ومضى يطرق أبواب موهبته، والتي اجابته بقدرات تمثيلية وفكاهية جبارة، أحالته لأن يكون ممثلًا في إحدى برامج الإذاعة المحلية، وهو لا يزال في سن ال١٩ من عمره، لم يمض كثير من الوقت حتى غادر ولايته إلى لوس أنجلوس، بحثًا عن النجاح في هوليوود!
لم يستغرق أكثر من عام في تلك الولاية الجديدة حتى تزوج بإستيل روزنباوم، ثم لم يمض أكثر من عام آخر على زواجه حتى مهدت له الزوجة طريقًا إلى بعض البرامج الإذاعية في هوليوود، فانضم إلى ذا جاك بيني شو وأتاح له انضمامه هذا أداء عديد من الأدوار بحرفية مطلقة، لكنه بعد لم يتعد عتبة الإذاعة
أتاح له عمله الإذاعي استعراضًا تامًا بل جارفًا لموهبته الرائعة في التمثيل والأداء المسرحي الهزلي، لكنه لم يلق الاهتمام الكافي به حينما قصد استوديو وارنر برذرز للرسوم المتحركة، حيث رفُِضَ انضمامه من قبل مسؤول الصوتيات نورمان سبنسر بحجة وجود أصوات تمثيلية كافية
لكن للقدر كلمته ليموت سبنسر، ويحل مكانه المخرج الموسيقي كارل ستالينغ، وهو الأمر الذي دفع بلانك للتقدم مرة أخرى، أخيرًا اقتنع به أحدهم، وقدمه إلى عدد من المخرجين،الذين أبدوا انبهارًا بقدراته الأدائية العالية، فكانت شخصية الثوم السكير، أولى الأدوار التي سطع بها نجمه في سماء الكرتون
انطلق بلانك كالبرق، ليؤدي عديد من الشخصيات المهمة التي مثلت علامات فارقة في تاريخ الرسوم المتحركة، فمن منا لا يعرف باغز باني ذلك الأرنب الفكاهي الذي رافقنا طوال طفولتنا بلكنته الغريبة ومن منا يمكن أن ينسى "تويتي" طائر الكناري الصغير المضحك، الذي لم يعرف الكبر أبدًا.
هل لنا أن ننسى كذلك دافي داك البطة السوداء؟! ذات المظاهر المتعددة واللتغة المستفزة، والتي لطالما ظهرت كصديقة لـ باغز باني، كل هذه الأصوات وأكثر كان يؤديها شخص واحد هو ميل بلانك؟! مشكلًا أصواته بينهم جميعًا بتمايز تام، فلكل شخصية صوتًا مختلفًا و"لزمة" تميزه.
خلال رحلته أبدى بلانك قدرة أدائية خارقة، في فيلم يحمل شخصيته بوركي بيغ، حينما استطاع تأدية 1000 صوت لسلحفاة ادعت قدرتها على ذلك، سجل بلانك سبعة منها، ومن ثم عدلت تلك الأصوات تقنيًا لتُخِرج بكل هذا العدد.
قدم الرجل عديد من الشخصيات الكرتونية الأخرى مثل بيبي لا بيو و سيلفستر ذا كات، والذي كان أقرب لصوته الحقيقي، بينما أصعب الأصوات التي أداها كانت يوسيميتي سام، فقد كان صوتًا حادًا شديد الصعوبة، في حين كانت أكثر شخصياته مرافقة له هي دافي داك، التي استمر في أدائها لأكثر من 52 عامًا.
منذ وقت مبكر فطن بلانك لقيمة صوته ومهاراته التمثيلية، لذلك لم يتوان في حفظ صوته بالطرق القانونية، ففي فترة تعاقده مثلًا مع شركة Warner Bros نص عقده على ضرورة ذكر اسمه ضمن شارات الأعمال، في وقت لم يكن يحظى رفاقه بمثل ذلك، وهو أمر ساهم كثيرًا في حصوله على مزيد من الأعمال.
في 24 يناير من عام 1962 وبينما بلانك منهمكًا في أداء خطط أعماله، متنقلًا من استوديو لآخر، إذ اصطدمت سيارته بسيارة أخرى يقودها طالب جامعي، حادث شديد القوة، نجا منه الطالب، لكن بلانك كانت حالته سيئة إلى تلك الدرجة التي نقل على إثرها إلى المستشفى، حيث وصفت حالته بشديدة الخطورة.
كسر ثلاثي في ​​الجمجمة تركه في غيبوبة تامة، فضلًا عن كسور أخرى في الساقين والحوض، ابنه وزوجته يحاولان إخراجه من دوامة هذه الغيبوبة، لكن كل المحاولات تبوء بالفشل، كل الطرق قد قطاعها من أجل سحبه من تيار سكونه المميت، لكن لا أمل، لقد مر نحو أسبوعين دون أدنى استجابة من بلانك.
بعد مرور نحو 14 يومًا على تلك الغيبوبة استنفذ الجميع محاولاتهم في مناداته وحثه على الاستفاقة، بيأس شديد دخل الطبيب وقال له "باغز باني، كيف حالك اليوم؟ صمت مطبق، ثم ميل بلانك يقاطع غيبوبته ويرد بصوت "باغز باني" قائلًا "ميييه. ما الأمر يا دكتور؟"، كان الأمر أشبه بمعجزة.
أنقذ باغز باني صديقه ومؤديه الصوتي، لقد كان ميل بلانك مجتهدًا ومحترفًا إلى تلك الدرجة التي عاش فيها شخصياته وانسجم معها بشكل كلي، ولحسن الحظ ظلت كامنة في عقله الباطن، بعيدة عن إصابة الدماغ التي لحقت به حينها، كل هذا جعل بلانك يستشعر إشارة النجاة الأخيرة قافلًا مرة أخرى نحو الحياة
خلال فترة تعافيه التي استمرت لنحو ٧ أسابيع حاولت الشركات المنتجة الاستعاضة عنه ببعض المؤديين الآخرين لكنهم لم يكونوا مقنعين، وهو أمر اضطرت معه هذه الشركات إلى جلب معدات تسجيل خاصة داخل غرفته في المستشفى ولاحقًا في منزله، حيث باشر عمله بكل حرفية وحب لباغز باني وبقية شخصياته
في سنواته اللاحقة واصل بلانك إنجاز عديد من أفلام الرسوم المتحركة التي لا تزال خالدة حتى اليوم، مثل دافي داك: الجزيرة المدهشة، وباجز باني ورود رانر، وغيرهما، وبجوار ذلك أسس شركته الإعلانية الخاصة مع ابنه نويل، والتي استطاعت إنتاج ما يربو على 5000 آلاف إعلان تجاري في تلك الفترة.
كان بلانك مدخنًا شرهًا، تذوق سيجارته الأولى في سن التاسعة واستمر على ذلك حتى ال٧٧ من عمره، حين مرض وشخصت حالته بانسداد رئوي مزمن، حيث أقلع أخيرًا عن التدخين، لكن بعد سنوات قاطعه سعال شديد أثناء تصوير إحدى الإعلانات، وأخذت حالته في التدهور حتى مات وعمره 81 عامًا، تحديدًا عام 1989
مات بلانك تاركًا وراءه تراثًا ضخمًا وغزيرًا من الأعمال الصوتية ذات البصمة الواضحة على النطاق العالمي، ولا يزال صوته حتى الآن يستخدم في كثير من الإصدارات الرسومية الحديثة، ولا يزال صوته كذلك يحي فينا كثير من المشاعر والذكريات، ويفجر فينا حنينا جارف إلى مواضع صبانا وماضينا الجميل.
ختاما : احكوا ذكرياتكم مع شخصيات الكرتون المحببة لكم

جاري تحميل الاقتراحات...