Hisham Elmahdi
Hisham Elmahdi

@drhzagalo

36 تغريدة 125 قراءة Mar 05, 2021
ايوة.. دعهم يجوعوا..
عموماً بعتبر نفسي راجل ملول في ما يخص قراءة الكتب، خصوصاً اذا كان الكتاب من النوع العاوز تركيز شديد ومراجعة مستمرة جانبية (خارجية) لشرح مصطلحاته المعقدة.. و بوقف قراءة الكتاب طوالي اول ما تقع لي فكرة الكتاب المركزية.. (١)
دة غير انه بتتعبني خالص الزخارف اللغوية و الحشو الزائد -في نظري-. و الحاجة الاخيرة دي بالتحديد عندي من زمن الطفولة، فلما رجل المستحيل يدخل في عراك، طوالي بتجاوز السطور البتتكلم عن تفاصيل العراك و امشي للخلاصة بتاعة المعركة كانت شنو.. (٢)
الحاجة دي ما اتغيرت كتير لما كبرت شوية، فكنت بكره نجيب محفوظ لأنه بيكتر من الوصف للمشهد (نسيم، طبيعة، منظر..الخ) وكان بيأسرني توفيق الحكيم لأنه بيركز اكتر على الافكار (حتى مع غرابتها و تطرفها احياناً).. (٣)
مهم الواحد برضو يقول إنه إحتمالية انه افرغ من قراءة كتاب روائي كاملاً اكبر بعشرة مرات او اكثر من قراءة كتاب فكري جاف؛ لكن في نفس الوقت الرواية الجاذبة عندي اكتر ما بالضرورة عشان حبكتها او اسلوب سردها، بالعكس تماماً، (٤)
الرواية البكنكش فيها بتكون نوع الرواية البتدفعك للتوقف عن القراءة كل فترة و الثانية لتتفكر في الفكرة او القول المطروح.. خلاصة؛ الافكار عندي جاذبة اكتر من الاسلوب البلاغي، وفي الاسلوب البلاغي كزول بيهتم باستيعاب الفكرة بيجذبني الاسلوب السلس و الواضح والغير معقد (٥)
حاجة مهمة مفروض في قراءة اي كتاب مهما كان انه الواحد يدخل عليهو بصورة عادلة و حقانية، وما يدخل بغرض محدد (زي مثلاً يكون هدفك تعزيز الفكرة او دحضها)، وفق افكاره المسبقة او ايديولوجيته البيؤمن بيها، وعليه يفترض تكون/ي شايل قلمك و تصحح و تعلق على الهامش بصورة حيادية.. (٦)
المقدمة الفوق دي جايبها كتمهيد عشان اتكلم عن كتاب (غير روائي) خلصته من الألف الى الياء لأول مرة من زمن طويل.. وكونه الكتاب دفعني انه اكتب عنه، ما بالضرورة يعجب غيري.. فتقريباً قبل اسبوع، تاقاني اخونا و بوصنا د. محمد عبدالرحمن في بوست قديم في الفيسبوك يعود للعام ٢٠١٦ (٧)
و البوست كان زي مراجعة review ابتدائية (غير مكتملة) اكثر من كونه نقد critique لكتاب صدر ايامها، وهو كتاب (دعهم يجوعوا) وكاتبه هو مجاهد خلف الله (القيادي بحزب بناء السودان).. و حتة انه في حزب بناء السودان دي عرفتها تقريباً بعدما قرأت نص الكتاب و اتكلمت فيهو مع اخوي ابوالعباس (٨)
فهو النبهني للنقطة دي مع انه محمد كان موضحها في التاق، بس ما انتبهت للصفة.. البوست بغض النظر عن محتواه، لفت نظري انه المعلقين عليهو وقتها هم زبدة شباب الثورة الظاهرين ومعروفين، ناس امجد فريد و مدني عباس و غيرهم.. فكونه الكتاب عمل الضجة دي كلها وقتها، (٩)
اعترف اني ما سمعت بيهو خالص قبل البوست دة، فدة كان في حد ذاته دافع انه امشي افتش الكتاب و اقراه عشان اشوف نخبتنا دي بتفكر كيف و بتحلل كيف عطفاً على رأيها في الكتاب؛ وقد كان، فالكتاب بصورته الالكترونية متوفر في مكتبة kindle unlimited التابعة لامازون.. (١٠)
العرض الجاي تحت بخصوص الكتاب دة عرض زول شارع ساي، لا اقتصادي ولا سياسي، بالتالي ح يكون زي ابداء الرأي البنشوفه في GoodReads.. (١١)
طيب، بالنسبة للكتاب.. اول حاجة لو بدينا نذكر في ايجابيات الكتاب بنقول انه العرض بسيط و سلس و بلغة واضحة لا تقبل التأويل، و الكتاب نفسه يصلح ان يكون فرشة قاعدية للفهم البسيط حول مصطلحات اقتصادية متداولة وكتيرة، وهو بالتالي يحقق رأي كاتبه انه الكتاب لرجل الشارع العادي، (١٢)
وليس للمتخصصين في الاقتصاد، فهو لا يتبني افكار اقتصادية جديدة تحتاج ان يتناولها الخبراء ولكن يستعرض افكار ونظريات معروفة و يضعها في ميزان السودان الاجتماعي/الاقتصادي في محاولة لتلمس مناطق الخلل البنيوي وسبب فشل نهضة بلدنا الحديث.. (١٣)
الكتاب عموماً في سهولته و سلاسته بيشبه لي سلسلة كتب for dunmies المشهورة.. وانا بصورة عامة اتمنى اي سوداني يقراه بالجد..
القارئ للكتاب سينتبه لصفات سايكولوجية عند الكتاب، فواضح انه شجاع لدرجة بعيدة قد تصل للتهور في طرح افكاره للدرجة اللي ألبت عليه رأي النخبة، (١٤)
و يمكن لأن فكرة الكتاب ببساطة "انعدام ثقافة العمل" عندنا كسودانيين في حد ذاتها فكرة قد تكون مؤلمة عند نخبتنا السياسية التي لا تحتمل لمس موضع الالم، فزي ما بيقول صاحبنا رامي كامل انه السياسي عندنا -في الغالب- زول عاطل عن العمل عايش بالسياسة.. (١٥)
وبالتالي ومع طبيعتنا السودانية المجاملة كلام زي دة ما بيتبلع بسهولة. وفي الحتة دي تحديداً -مع اتفاقي مع الكاتب في خلاصته- الّا انه ممكن نقول انه الكتاب بيحتاج شوية دعومات من مختصي مجالات تانية زي علوم النفس الاجتماعي و غيره، لكن دة بأي حال لا يقلل من جهد الكاتب او وجاهة طرحه (١٦)
لو استعرضنا الكتاب بصورة فصول و ابواب.. فالكتاب بيجي في ثلاثة فصول (اجزاء) رئيسية.. الجزء الاول منها يستعرض مفاهيم الليبرالية و الرأسمالية و الديموقراطية و علاقاتهم السببية و المشتركة (١٧)
يعرض تلكم العلاقات في شكل رسوم بيانية توضح العلاقة بين الوضع الاقتصادي لتلك الدول و مؤشرات الدموقراطية فيها مع التعريج على استثنائية الدول الريعية (الخليجية). ويغوص بعدها في تأكيد تلك العلاقة بين الوضع الاقتصادي و السياسي باخذ امثلة نموذجية لدول افريقية تشترك في نفس المقاربة (١٨)
وهنا برضو بيعرج على النظم الاسلامية و الشيوعية وادعاءتها الاقتصادية.. وختام الجزئية دي شرح موسع لمفهوم الشرعية السياسية و انواع الشرعية..
في الجزء الثاني؛ شرح مفاهيم العمل كقيمة، ثم البطالة و انواعها و تأثيرات البطالة على الاقتصاد خصوصاً ارقامها الحالية في السودان.. (١٩)
وفي نفس الجزء بيشرح الكاتب ليه شبه الوضع الاجتماعي/الاقتصادي في السودان بالشيوعية.. وختام الجزء موجز تاريخي عن التعليم في السودان، ودور التعليم في النهضة و مشاكله الحالية و كيف يمكن بتغيير نظام التعليم العالي و خصخصته وتركيزه على التقني/الفني ان يقود لنهضة اقتصادية و سياسية (٢٠)
الجزء الثالث و الاخير بيشرح كيف يمكن للرأسمالية من حل مشكلة الهوية في السودان، وكيف ان الرأسمالية تعالج مشاكل كالعنصرية .. و يرى الكاتب ان انفصال الجنوب بالرغم من تسببه بنكسة اقتصادية الا انه يمكن ان يكون محفز مناسب لتطبيق الرأسمالية.. (٢١)
طبعاً الكتاب بصورة عامة تلخيصه انه مشكلتنا اقتصادية بصورة عامة في ثقافة العمل لدينا، و انه طبيعة المجتمع تاريخياً كمزارعين ورعاة تجعل العمل عندنا في حد الكفاف و القناعة وانه بالتالي ما عندنا دافع كبير للعمل و الثراء، (٢٢)
وبرضو بيتكلم عن كيف انه اتكالية الافراد الخريجين في العائلات على اقاربهم و ذويهم العاملين و المغتربين وبالتالي اختيارهم للعطالة.. وانه الدافع الوحيد للعمل عند الفرد البالغ -غالباً- يكون الرغبة في انشاء اسرة منفصلة.. (٢٤)
الافكار في الكتاب ممكن نقول انها بتضرب في العصب الحي عشان كدة من الطبيعي ان يقابل الكتاب بحالة رفض واسعة؛ فرسالته كالدين الجديد الذي يخرج الناس من دين ابائهم.. والواقع ان الكاتب يبدو انه كان متوقع الهجمة الشرسة لذلك نجده نقل مقتبساً جان جاك روسو (صاحب كتاب العقد الاجتماعي) (٢٤)
في صدر الكتاب بقوله: {و سأسأل عن كوني أميراً أو مشرعاً حتى أكتب في السياسة، و سيكون جوابي كلا، ولذا أكتب في السياسة، ولو كنت أميراً أو مشرعاً ما أضعت وقتي في قول ما يجب أن يصنع، بل سأصنع ذلك أو أسكت} -(٢٥)
ناس كتار علقت على الكاتب انه الرأسمالية فشلت في العالم زي الشيوعية وانه العالم مشى لطريق ثالث او زي ما سموه الليبرالية الاجتماعية، او النموذج النوردي (الاسكندنافي) او ما يسمى بالديموقراطية الاشتراكية/الاجتماعية Social democracy.. (٢٦)
وصحيح انه الكاتب ما تطرق للنموذج دة تحديداً بصورة مباشرة لكن الكتاب فيهو تلميحات واضحة للنموذج دة.. وانا، كزول ما متخصص في سياسة ولا اقتصاد، وزول شارع ساي، شايف انه الطريق الثالث دة ذاتو ما منفصل عن الرأسمالية.. (٢٧)
فالدول القاعدة تطبق في النظام دة ويمكن الى حد ما الدولة الانا قاعد فيها (كندا).. فبقدر اقول الطريق الثالث دة رأسمالية اكتر من شيوعية.. فالنظام الثالث دة ظهر في الدول الاصلاً وصفت انها دول رأسمالية مش في الدول اللي كانت شيوعية، ولم ينشأ مطلقاً كنظام منفصل مستقل في حد ذاته (٢٨)..
والنظام الثالث دة على وجاهته و جاذبيته لا يخلو من متطلبات غير موجودة عندنا حالياً، ولا يمكن تطبيقه بمعزل عن اقرار مبادئ الرأسمالية.. وعشان اكون واضح اكتر واتأكد من وضوح كلماتي المختارة ح اشرح شكل النظام الثالث دة بصورة عمومية كزول شارع ساي.. (٢٩)
بداية في مصطلحين بيتشابهوا شديد.. اولهم الاشتراكية الديموقراطية democratic socialism وثانيهم الديموقراطية الاشتراكية/الاجتماعية social democracy.. الاولى دي نوع من الاشتراكية المخففة و يدعي منتموا الحزب الشيوعي السوداني انهم بيروجوا للنظام دة.. (٣٠)
وهو مختلف عن الديموقراطية الاجتماعية واللي هو المقصود كدول الرفاه الاسكندنافية (السويد، النرويج، الدنمارك) و الى حد ما بريطانيا وكندا. وفي البلدان دي السوق بيكون حر، لكن الدولة تتكفل بالعلاج و التعليم الاجباري و اضافة لتوفر مساعدات اجتماعية كتيرة للعاطلين او العاجزين عن العمل(٣١)
بصورة تكفل ليهم عيش كريم.. اها النظام دة بيقوم في تمويل الخدمات المجانية دي والمساعدات (زي ما قال باشمهندس مجاهد في كتابه) على ضرائب عالية جداً خصوصاً في ضرائب دخول الافراد.. (٣٢)
بالتالي الشخص اللاجئ وقاعد في واحد من البلدان دي و بيقبض في المساعدات الاجتماعية بتاعة البطالة و مساعدات اجتماعية لاطفاله بعددهم بيكون حاسي انه الحاجة دي جنة الله في الارض اذا ما كان عنده تبصر كافي و التزام مبدأي بفهم مصدر القروش دي، اللي بيدفعها غيره الشغال و ملتزم بعمله. (٣٣)
وبالتالي مشكلة انظمة دولة الرفاه بتاعة ال social democracy دي انها بتعتمد على انه المجتمع يكون ملتزم بشغله، لكن لو المجتمع اغلبه فكر انه يقبض المساعدات الاجتماعية و يقعد في البيت (ودة غالباً ممكن يحصل عندنا)؛ ح يقل دخل البلد اللي اصلاً جاي من الضرائب - (٣٤)
البيدفعوها الناس الشغالة -حصراً- و بالتالي بانخفاض الدخل الضريبي للبلد، المساعدات والمنح الاجتماعية ح تقيف او تقل بصورة او بأخرى و ح يعاني الجميع. و الكلام دة بيرجعنا للفكرة الرئيسية البيقوم عليها كتاب (دعهم يجوعوا) واللي هي فكرة وجيهة و واقعية؛ وما شايف سبب للاختلاف حولها (٣٥)
[زيادة عدد افراد المجتمع الشغالين و منتجين عن طريق تبني سياسات رأسمالية (سوا كانت مخففة ولا صارمة)]..
دعوة للجميع لقراءة الكتاب الجراحي..
-انتهى

جاري تحميل الاقتراحات...