Abdullah Almuqate, MD عبدالله المقاطع
Abdullah Almuqate, MD عبدالله المقاطع

@almuqate_at

10 تغريدة 26 قراءة May 17, 2021
"لا اله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"
ابتلى الله ابن آدم بحرية الاختيار، وميّزه بالعقل عن بقية خلقه المسيرين لعله يعينه على توجيه دوافعه ورغباته بما يتوافق مع مبادئه وأخلاقه، وأهداه الضمير الذي يرشده فيرضى عنه إن أخلص ويلومه ويوبخه إن أخفق.
ولأن الأخلاق لا تُكتسب إلا بالممارسة على أرض الواقع، ولقصور في سجاياه اقتضتها حكمة المولى عز وجل، فإنه لا مناص من الزلل والوقوع في المحاذير، وهذا - بظني - هو أول درس تعلمه أول نبي آدم عليه السلام.
إن الكلام عن كليات الأخلاق سهل للغاية، حتى إن السافل تجده يمتدح الكرم والإخلاص والصدق وينبذ بلسانه الحقد والحسد ونكث العهد، لكننا الإنسان يجد نفسه في معترك الحياة مُواجَه بمواقف لا يستبصر عواقبها بسهولة ولا يتيسر عليه إطلاق الأحكام بجزم ويقين، لتداخل النوايا المتضاربة في النفس
التي تحجب عن العقل الجواب الذي يريده (أو لا يريده)، تاركاً إياه منكشفا بين تردد وحيرة.
إن المنطق الأخلاقي - وله منطق بلا شك - لا يتخلف عن المنطق الصوري الذي يعالج القضايا العلمية التجريبية، لأنه لا يبنى إلا على إخفاقات متتالية.
إننا في ثقافتنا - واليوم تحديداً - نسينا طبيعة الإنسان هذه، فأصبح تقنص الأخطاء وكثرة الحديث عنها ونشرها عُرفاً يعوض به السافل عيب خُلقه وبلادة ذهنه، أصبح للقول قيمة فوق العمل ابتداءً، حتى وصلنا مرحلة لم يبق من القول فيه إلا الكليشيهات والشعارات.
فلا عجب من أن يصبح الإنسان مشوهاً مزدوجا ذو هوية منفصمة منفصلة منسلخة عن الواقع وعن ذاتها، وأصبح كل صادق متسامح مع ذاته ومحيطه موصوم بالعار، ومتنفس لضمير كل إنسان مريض يكن في صدره الحسد والحقد لكل ما هو حق.
هناك عدة حلول أراها ضرورية لمعالجة النفاق الذي نعيشه ولا يرضي أحداً، منها ألا نتساهل مع التجاوزات الأخلاقية بحجة أننا لسنا ضحايا بها. من نمّ غيرك عندك قد ينمك عند غيرك. ومن أخلف بأمانة غيرك سيأتي اليوم الذي يخلف بأمانتك، ولا تلومن يومها إلا نفسك.
ولكن هناك بظني ما هو أهم. بما أن الأخلاق الكريمة لا تأتي إلا مع التجارب (والتربية داخلة في هذا الاصطلاح)، وبما أننا بطبيعتنا مهما بلغنا من العلم والحكمة لن ننقى من الدنس، علينا ان نترك مساحة معقولة للاخطاء، وأن نتسامح مع كون الألم جزء لا يتجزأ من أي علاقة صادقة ووطيدة.
وهنا أستحضر أيام المراهقة التي لم أترك فيهم جرما لم أرتكبه، ولا مصيبة لم أكن ضلعا فيها، ولولا لطف الله وستره وتسامح الناس والمسؤولين في وزارتي الداخلية والتعليم لكنت الآن خريج سجون بدل أن أكون طبيبا على وشك الحصول على خامس شهادة عليا.
لكن ذلك لا يعفي المرء من المسؤولية، فالمساحة تلك بطبيعة الحال تتقلص مع تقدم العمر. كسر القانون في سن الـ١٥ من الممكن أن يُعلل على أنه "طيش شباب" وسوء تقدير. لكن الفعل ذاته في سن الـ٣٥ له اعتبارات مختلفة تماما. وقس على ذلك كل الأحكام الأخلاقية.

جاري تحميل الاقتراحات...