شرطٌ ضروري (ولكن ليس كافياً بالضرورة) من شروط الطبيعة الإنسانية: هي العلة الجامعة التي تفسّر علة اعتبار بعض الاقترانات الحسيّة علّية بينما تُعد اقترانات أخرى مجرد تلازم زماني مكاني.
ولهذا عند هيوم إنه من المحال على الإنسان الإحاطة بطبيعته. ومن سخرية القدر: محال على هيوم قول ذلك.
ولهذا عند هيوم إنه من المحال على الإنسان الإحاطة بطبيعته. ومن سخرية القدر: محال على هيوم قول ذلك.
ولماذا نقول بذلك؟ إننا نعلم أن الإنسان يدرك أن سبب ضوء القمر هو ضوء الشمس، لكنه لا يدرك أن الليل سببه النهار أو العكس. ما السبب من هذه المفارقة؟ لقد كان هذا إشكال مناهضي هيوم في عصره، على رأسهم الاسكتلندي توماس ريد.
هذا الإشكال برأيي ضعيف، ولذلك لم يتطرق إليه كانط إلا لإظهار هزالته. هيوم لم ينكر أننا لا نحتاج مبدأ السببية. ولم ينكر أن الإنسان يدركه بالفطرة. بل إن هيوم يقول لنا أننا لو انطلقنا من النظرية المعرفية التصورية Representational theory of knowledge أسوة بديكارت
فإننا لن نجد تصوراً للسبب ولا للأثر/النتيجة - ولذلك يستحيل تصور التصديق. هيوم لا ينكر أننا [ندرك] العلية بل ينكر أننا [نعرفها]. ولأن هيوم لا يسلّم بالعلم الحضوري كما يقول المتكلمون، فإن العلية تصبح مجرد "أداة" ذهنية، أو جزء من module، كالإبتسامة، أو الضحك، أو الضجر.
إنك لا تضع ضحكتك أو جوعك في قياس منطقي، فلماذا تضع مبدأ العلية؟
(وعلى هذا أبني نقدي لمفهوم "القبلي الكانطي" الذي بُني على خطأ منطقي (equivocation)، وقد أتطرق لذلك لاحقاً).
(وعلى هذا أبني نقدي لمفهوم "القبلي الكانطي" الذي بُني على خطأ منطقي (equivocation)، وقد أتطرق لذلك لاحقاً).
طبعاً في نهاية المطاف أظن أن أصل الخلاف ليس في ضعف أو قوة المقالات والأدلة، بل يرجع لتصوّر سابق لأي مقالة نظرية. سمّه حدس إن شئت. هل العالم واحد أم متعدد؟ هل العالم ثابت أم متغير؟ هل الأخلاق موضوعية أم لا؟ مخطئ من ظن بأن هذه أسئلة التفلسف بالمطلق؛ بل هي تجلي لميول تُنشأ الأسئلة.
وبهذا نضع عليها ختم "الوجدانيات"، فيفتح علينا باب النسبية، فيقول كل إنسان ما يشاء، وكلنا على حق، أليس كذلك؟
فلنسلّم بأن ما تقدم في نهاية المطاف مما يشعر به الإنسان لا مما يعقله،فما المشكلة؟ ألا نشترك بين بعضنا البعض بالنطاق الوجداني؟ أليس يسراً علينا أن نتكلم عن الغضب أو السعادة؟
فلنسلّم بأن ما تقدم في نهاية المطاف مما يشعر به الإنسان لا مما يعقله،فما المشكلة؟ ألا نشترك بين بعضنا البعض بالنطاق الوجداني؟ أليس يسراً علينا أن نتكلم عن الغضب أو السعادة؟
وهذا ما قصده هيوم عندما قال "سيظل العقل عبداً للعواطف/الوجدان"، وطبّقها وليام جيمس أيضا فقسم الفلاسفة تقسيماً نفسانياً (إما مرهف الحس أو جلف). تذكرون أننا قلنا أنه لا مفر لنا من مبدأ العلية؟ إذاً لن ندعي أنني لن نعتمد عليه في تحليلنا القادم، لأنه دون العلية فإنه ليس للتحليل معنى.
لكننا بدأنا نرى كيف يمكن للذهن أن يرتب مدركاته بشكل منظم. قلنا أنه من دون العلية أيضاً لا يمكننا أن نعيش. ولكن هل هناك فرق بين الحياة والموت؟ ما نراه هو أن كلنا (تقريباً) بشكل عام نفضل الحياة على الموت. حتى عندما يفارقنا حبيب، فإننا نتمنى رجوعه لا لحاقنا به.
لأننا نعلم أن نزعة البقاء هي غريزة لولاها لفنى الإنسان، ولأن البقاء حق، فإن كل شروطه حق، ومن ضمن ذلك العلّية.
وإذا كنتم منتبهين لتفاصيل شرحي فإنه على البعض منكم أن يتساءل: أثبت هيوم بأن طبيعة الإنسان تُدرك على مستوى وجداني، فلماذا تقول بأنه من المستحيل الإحاطة بها؟
وإذا كنتم منتبهين لتفاصيل شرحي فإنه على البعض منكم أن يتساءل: أثبت هيوم بأن طبيعة الإنسان تُدرك على مستوى وجداني، فلماذا تقول بأنه من المستحيل الإحاطة بها؟
إنني عندما أشعر بألم في بطني فإنني بداهةً أحيط به تماماً (وإلا متى أحيط بالشيء تماماً؟)
وهذا سؤال معقول. لكن العواطف التي يتحدث عنها السائل هي عواطف لها شروطها الموضوعية، فأغضب لظرف ما، وأحزن لأمر ما، وهكذا، وهذا تابع لقانون السببية، لكني لا أستطيع أن أسأل عن علة قانون السببية.
وهذا سؤال معقول. لكن العواطف التي يتحدث عنها السائل هي عواطف لها شروطها الموضوعية، فأغضب لظرف ما، وأحزن لأمر ما، وهكذا، وهذا تابع لقانون السببية، لكني لا أستطيع أن أسأل عن علة قانون السببية.
ومع ذلك فباستطاعتنا أن نسأل عن علة الابتسامة، أو علة الضحك، أو علة الجوع، وغيرها. فكيف نوفق بين الأمرين؟ نجد أن الطبيعة البشرية عصية على الفهم، حتى أننا نعجز عن تقرير مفهوم "الطبيعة" المقصود بشكل واضح ووافٍ، وهذه هي لعنة الجهل التي على الفيلسوف أن يتعايش معها.
جاري تحميل الاقتراحات...