بدور عبد المنعم عبد اللطيف
بدور عبد المنعم عبد اللطيف

@BidourMoneim

10 تغريدة 17 قراءة Mar 07, 2021
إحباطات مغترب
خرج من بوابة قاعة المطار .. تلفح وجهه موجة هواءٍ ساخنة قد خرجت لتوها من جوف شمس الظهيرةِ اللاهبة .. يتجه نحو السيارة.... لهفته وشوقه تسابقان خطواته .. هنا المنبت .. هنا الوطن .. بين جدرانه ترقد ذكرياته .. طفولته .. أهله.. وعشيرته.
السيارة تأخذ طريقها نحو حي "العرضة" بمدينة "أم درمان" حيث منزل الأسرة..
ذراتٌ من غبارٍ عالقة في الجو تتسلل عبر تجاويف أنفه.. تُعاجله "عطسةٌ" مفاجئة لم يفلح منديل الورق في احتوائها.. إبتسامةٌ كبيرة ترسم نفسها على شفتيه .. أعشقها بغبارها و"كتاحتها" .. بحرِّها وشمسها ..
أعشقها بمشاقها و"تلتلها" .. أعشقها بكل ما فيها ومن فيها.
السيارة تسير ببطء فاقم منه رتل العربات أمامها.. من على يمينه وعلى امتداد البصر تنتشر تلك الأبنية الشاهقة .. عمارات .. أبراج سكنية.. ومنازل متعددة الطوابق.
وسط تلك "الغابة الإسمنتية" يرقد حلمه الكبير .. بيته .. حلمه الذي أعانه على تخطي مرارة تجربة فصله من الخدمة – في العهد البائد - تحت مسمى "الصالح العام".
ولكن هاهي ذات المرارة تعاوده من جديد، وبصورةٍ أشد عنفاً وقساوة .. أبناؤه الذين ظن أنه قد زرع "حلمه" في وجدانهم .. تجدهم الآن يلفظون حلمه .. حلمه ما عاد له مكان بين أحلام قد حفرت لنفسها مكاناً في بلادٍ أخرى .. تمور في داخله نيران الغضب .. عقوق الأبناء قاتل .. يقتل النفس والروح معا
يتبدد غضبه مثل غيمةٍ قد أفرغت حزنها دميعاتٍ على أرض الأشجان .. ولكنهم معذورون .. ليس من العدل أن أحملهم "وزر" ظروفٍ قد وضعتهم فيها رغماً عني..وانقضت إجازته القصيرة.
في طريقه الى المطار تساوره رغبة مُلحّة في أن يلقي على "حلمه" نظرة الوداع .. في "حوش" المنزل كان هناك "الخفير" وزوجته يجلسان على عنقريب "مهتوك"، وقد إنبسطت أساريرهما وهما يرقبان "حفيداتهما" يتبارين في لعبة "الحجلة".. يتجه نحو مدخل المنزل .. يُدخل المفتاح في القفل...
تتسارع دقات قلبه.. يعتريه حزنٌ مفاجئ..تتجمد دواخله.. يُخرج المفتاح قبل أن يُكمل دورته..يغادر المكان.. تنبعث من تلفزيون غرفة"الخفير" موسيقى تعزف ألحاناً جنائزية.. ألحاناً جنائزية تشيعه إلى بلادٍ بعيدة حيث ترقد أحلام أبناءٍ لن يطمع يوماً ما أن يحملوا عنه أعباء شيخوخته وما يصاحبها
من عللٍ نفسية وجسدية.
تلك هي النهايات المأساوية التي عايشها ويعيشها كل من فارق الديار أملاً في حياةٍ كريمة وفرص عمل لا موضع لها بين شبكات المحسوبية ومافيا الفساد. عددٌ مُقدّر من أسر المغتربين بالخليج قد استقر في أمريكا..كندا.. أستراليا.. نيوزيلندا..والدول الاوربية، بعد اكتساب
جنسيات تلك الدول، بينما ظل رب الأسرة على رأس عمله بالخليج ،ذلك أن فرص العمل في تلك البلدان شحيحة أو ذات مردود مالي ضعيف. وبعد انتهاء عقد عمل رب الأسرة بالخليج يغادر ليلحق بأسرته حيث مقره النهائي.

جاري تحميل الاقتراحات...