ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

17 تغريدة 120 قراءة Feb 24, 2021
هنا العام 410 م، حيث روما محاصرة من كل اتجاه، ولكي تعبر محنتها فرض القوط الغربيين المحاصرين لها بعض الشروط، من بينها دفع 2200 كيلو من الذهب و14 ألف كيلو من الفضة، و1600 كيلو من الفلفل الأسود، نعم كما قرأت تماما الفلفل الأسود!!
حياكم تحت🌹
مدينة ساكنة غير قادرة على الحركة، تتناثر فيها أعداد لا حصر لها من القتلى، لقد استغل الجنود الرومان غياب المحاربين الجرمان عن عائلاتهم، واستهدفوهم وجاءوا بمذبحة بالغة الوحشية، راح ضحيتها جمع غفير من النساء والأطفال والعجّز.
انتفض ألاريك قائد القبائل الجرمانية وملكهم، مستجمعًا أطراف جيشه من أوله لآخره، وراحت جمرة الانتقام تدفعهم دفعًا تجاه روما المركز التاريخي للدولة الرومانية، حاصروها واختاروا أن يقطعوا عنها كل سبل الحياة أملًا في انتقام يكافئ ما تحويه صدورهم من نيران.
على جانب آخر أراد ألاريك ألا يحمله الانتقام على تحدي الإمبراطورية الرومانية بكامل مقدراتها، لذلك عاد خطوة إلى الوراء، ووضع شروطًا على الطاولة من أجل فك الحصار، من بينها دفع الرومان لما يلي: 2200 كيلو من الذهب 140 ألف كيلو من الفضة، و 1600 كيلو من الفلفل الأسود.
كان القوط الغربيون يعانون من مجاعة بالفعل، لكن لم يكن طلبهم الفلفل الأسود بغرض الأكل، بل لأجل قيمته المادية الفائقة التي تجاوزت حينذاك قيمة الذهب ذاته، بل أن الناس في أوروبا وحتى بدايات القرن الخامس عشر كانوا يتعاملون به فيما بينهم كعملة مادية تمامًا.
لم تكن طرق التجارة حينذاك قد خطت ذاتها بذلك الوضوح التي هي عليه اليوم، إذ لم تتوفر بعد لأوروبا تلك المعدات أو السفن أو حس المغامرة الذي يعينها على الإبحار بعيدًا، واستكشاف العالم من حولها، فقط كان أقصى ما تعرفه على خارطة السفر هي المنطقة العربية.
وفي المقابل كان العرب فيما قبل القرن الخامس عشر الميلادي، ينشطون وبشدة في مجالات التجارة، إذ أنهم يتوسطون المسافات ويعلمون جيدًا ما يخبئه خلفهم الشرق وبالأخص الهند من كنوز وثراء، لذلك احتكروا كثيرا من السلع وبالأخص تجارة التوابل، وحاولوا بشتى الطرق ان يبقى سر التوابل خفيا
في هذا الشأن اختلق التجار العرب بعض القصص التي تدعم احتكارهم للقرفة وتبعد الناس عن التفكير في جلبها، حيث نسجوا أسطورة الطائر الشرس العملاق الذي يصنع عشه من أعواد القرنفل، ومن ثم يتحايل عليه التجار مبعدين إياه عن عشه عن طريق بعض الطعام، كي يقوموا في الأخير بجمع القرفة المرغوبة.
إنه درء وقطع للطريق على الفضوليين الراغبين في الوصول إلى مصدر التوابل وأصلها، وفي حين تستمر وساطة العرب واحتكارهم للتوابل لتزيد قوتهم التجارية و فرصهم في الثراء، يقابل ذلك انبهار من المجتمع الأوربي لهذه النوعية العطرية من النباتات السحرية !
لم تكن التوابل في أوروبا أقل قيمة أبدًا من الذهب والأحجار الكريمة، فقد كان الناس يوروثها أبنائهم ويوصون بها لمن يفضلون، كما كان ينظر إليها على أنها سلعة تنتمي لأثرياء القوم، أما الفقراء والفئات المتوسطة فلم يكن لهم فيها أي نصيب، لذلك كانت محل فخر ومسوغ للتمايز الطبقي.
اشتدت الحاجة لتلك التوابل في أوروبا خصوصًا مع ضعف عمليات التجميد ونقص معايير النظافة فيما يتعلق بالطعام، الأمر الذي يؤدي إلى فساده سريعا، وبدون التوابل أنت في ورطة حقيقة، إذ لا تستطيع إخفاء تغير نكهة الأكل غير الطازجة أو الذاهبة تجاه الفساد.
فيما قبل القرن ال١٥ كان ميناء الإسكندرية بمصر هو مركز التصدير الرئيسي لكل هذا التوابل، وفي مقابله كانت دولة البندقية هي مركز الاستيراد في أوروبا، وهي المتحكمة في أسعارها وفي توزيع الحصص، وهو ما أثار حنق دول أخرى مثل البرتغال وأسبانيا واللذين قررا أن ينفكا عن هذه التبعية التجارية.
في تلك الأثناء وتحديدا عام 1492 أبحر الإيطالي كريستوفر كولومبوس بدعم وتمويل من التاج الإسباني، وغرضه الأساس هو إيجاد ممر بحري يصل إلى شرق آسيا، أملا في ملامسة ثرى الهند من أجل تأمين حاجيات أسبانيا من القرنفل والتوابل الثمينة، لكنه (كما تعرفون) ضل الطريق واصطدم بيابسة مجهولة.
إنها الأمريكيتين والعالم الجديد الذي سيغير اكتشافه كثير من موازين القوى في العالم، ليس هذا فحسب بل سيخلق صراعات وفظائع، وسينمو عنه كثير من التغييرات الإيجابية في أنماط العيش البشري، فدونه لم نكن لنتعرف مثلًا على الذرة ولا الطماطم ولم نكن لنتعرف على البطاطس.
بعد فشل كولومبوس في الوصول إلى الفلفل الأسود والقرنفل أو بمعنى أدق الهند وجاراتها، مولت البرتغال خطط المستكشف فاسكو دا غاما لإيجاد طريق بحري يربطهم بالهند مباشرة من أجل التوابل الثمينة وباقي منتجات الشرق، شق الرجل طريقه ملتفًا حول أفريقيا وواصلًا في الأخير إلى هدفه.
بوصول جاما إلى الهند وجدت أوروبا أخيرًا طريقًا بحريًا مباشرًا يقودها إلى الهند بلد الكنوز والتوابل، ومن ذلك الحين تغيرت خارطة العالم كليًا، إذ لم تكتف دول أوروبا بالتبادل التجاري، بل استجدت في ديدنها مسألة الاستعمار وبدأت كل بلد أوروبي تقتطع لذاتها بلدًا مشرقيًا لتنهب مقدراته
هوس الغربيين بالتوابل دفع ثمنه أهل الشرق ، الكثير من الفضائع والجرائم وانتهاب الاراضي تمت طمعا في التوابل !
ختاما
أخبروني عن أكثر التوابل قربًا لذائقتكم ؟

جاري تحميل الاقتراحات...