جوآهِرُ العِلمِ ¬
جوآهِرُ العِلمِ ¬

@K_TheRebel

28 تغريدة 16 قراءة Feb 24, 2021
(ذكر قصة يوسف عليه السلام.. إخراجه من الجبّ، وقصته مع امرأة العزيز، وسجنه، وتأويله الرؤى، وتمكينه في الأرض)
بعد أن ألقى إخوة يوسف أخاهم في الجبّ، ثم عادوا إلى أبيهم عشاء يبكون فقالوا: {ياأبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب} [يوسف: 17] . فقال لهم أبوهم:
{بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل} [يوسف: 18].
ثم قال لهم: أروني قميصه. فأروه.
فقال: تالله ما رأيت ذئبا أحلم من هذا!، أكل ابني ولم يشق قميصه!، ثم صاح وخر مغشيا عليه ساعة، فلما أفاق بكى بكاء طويلا فأخذ القميص يقبله ويشمه.
وأقام يوسف في الجب ثلاثة أيام، وأرسل الله ملكا فحل كتافه،
ثم {جاءت سيارة فأرسلوا واردهم} [يوسف: 19] ، وهو الذي يتقدم إلى الماء، {فأدلى دلوه} [يوسف: 19] إلى البئر، فتعلق به يوسف، فأخرجه من الجب، و {قال يابشرى هذا غلام وأسروه بضاعة} [يوسف: 19]، يعني الوارد وأصحابه خافوا أن يقولوا اشتريناه فيقول الرفقة أشركونا فيه فقالوا: إن أهل الماء
استبضعونا هذا الغلام.
وجاء يهودا -خير إخوة يوسف، وهو الذي منعهم من قتله وأشار بإلقائه في الجب- جاء بطعام ليوسف فلم يره في الجب، فنظر فرآه عند مالك في المنزل، فأخبر إخوته بذلك، فأتوا مالكا وقالوا: هذا عبد آبق منا.
وخافهم يوسف فلم يذكر حاله، واشتروه من إخوته بثمن بخس، قيل عشرون
درهما، وقيل أربعون درهما وذهبوا به إلى مصر، فكساه مالك، وعرضه للبيع، فاشتراه (قطفير) وقيل (أطفير)، وهو العزيز، وكان على خزائن مصر، والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العمالقة، قيل: إن هذا الملك لم يمت حتى آمن بيوسف ومات ويوسف حي، وملك بعده قابوس بن مصعب، فدعاه يوسف فلم يؤمن.
فلما اشترى يوسف وأتى به إلى منزله، قال لامرأته، واسمها راعيل: {أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا} [يوسف: 21] [فيكفينا] إذا [هو بلغ و] فهم الأمور بعض ما نحن بسبيله، {أو نتخذه ولدا} [يوسف: 21] ، وكان لا يأتي النساء، وكانت امرأته حسناء ناعمة في مُلك ودنيا.
فلما خلا من عمر يوسف ثلاث وثلاثون
سنة آتاه الله العلم والحكمة قبل النبوة، وراودته راعيل عن نفسها وأغلقت الأبواب عليه وعليها ودعته إلى نفسها، فقال: {معاذ الله إنه ربي} [يوسف: 23] يعني أن زوجك سيدي {أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون} [يوسف: 23] ، يعني أن خيانته ظلم.
فجعلت تذكر محاسنه وتشوقه إلى نفسها، فقالت له: يا
يوسف ما أحسن شعرك!
قال: هو أول ما ينتثر من جسدي.
قالت: يا يوسف ما أحسن عينيك!
قال: هما أول ما يسيل من جسدي.
قالت: ما أحسن وجهك!
قال: هو للتراب.
فلم تزل به حتى همّت وهمّ بها، وذهب ليحلّ سراويله، فإذا هو بصورة يعقوب قد عضّ على إصبعه، يقول: يا يوسف لا تواقعها إنما مثلك ما لم تواقعها
مثل الطير في جو السماء لا يطاق، ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات وسقط إلى الأرض.
وقيل: جلس بين رجليها فرأى في الحائط: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} [الإسراء: 32] . فقام حين رأى برهان ربه هاربا يريد الباب، فأدركته قبل خروجه من الباب فجذبت قميصه من قِبَل ظهره فقدّته،
{وألفيا سيدها لدى الباب} [يوسف: 25]- وابن عمها معه، فقالت له: {ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن} [يوسف: 25] .
قال يوسف: بل {هي راودتني عن نفسي} [يوسف: 26]، فهربتُ منها، فأدركتني، فقدّت قميصي.
قال لها ابن عمها: تبيان هذا في القميص فإن كان قُدّ من قُبُل فصدَقَت، وإن كان قُدّ
من دبر فكَذبَت، فأتي بالقميص فوجده قد من دبر فقال: {إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم} [يوسف: 28] .
وقيل: كان الشاهد صبيا في المهد. قال ابن عباس: "تكلم أربعة في المهد وهم صغار، ابن ماشطة امرأة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم".
وقال زوجها ليوسف: {أعرض عن هذا} [هود: 76] أي
ذكر ما كان منها فلا تذكره لأحد، ثم قال لزوجته: {استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين} [يوسف: 29]
وتحدثت النساء بأمر يوسف وامرأة العزيز، ولما بلغ ذلك امرأة العزيز، {أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ} [يوسف: 31] يتكئن عليه [من] وسائد، وحضرن، وقدمت لهن أترجا وأعطت كل واحدة منهن سكينا لقطع
الأترج، وقد أجلست يوسف في غير المجلس الذي هن فيه وقالت له: {اخرج عليهن} فخرج - {فلما رأينه أكبرنه} - وأعظمنه - {وقطعن أيديهن} بالسكاكين ولا يشعرن، وقلن: معاذ الله {ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم} [يوسف: 31].
فلما حل بهن ما حل من قطعهن أيديهن وذهاب عقولهن، وعرفن خطأهن فيما قلن
أقرت على نفسها، وقالت: {فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين} [يوسف: 32] . فاختار يوسف السجن على معصية الله فقال: {رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن} [يوسف: 33] . {فاستجاب له ربه فصرف عنه
كيدهن} [يوسف: 34] . ثم بدا للعزيز من بعد ما رأى الآيات من القميص، وخمش الوجه، وشهادة الطفل، وتقطيع النسوة أيديهن في ترك يوسف مطلقا.
وقيل: إنها شكت إلى زوجها، وقالت: إن هذا العبد قد فضحني في الناس يخبرهم أنني راودته عن نفسه، فسجنه سبع سنين. فلما حُبس يوسف أدخل معه السجن فتيان من
أصحاب فرعون مصر، أحدهما صاحب طعامه، والآخر صاحب شرابه، لأنهما نقل عنهما أنهما يريدا أن يسمّما الملك، فلما دخل يوسف السجن قال: إني أعبر الأحلام.
فقال أحد الفتيين للآخر: هلم فلنجربه.
قال الخباز: {إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه}
وقال الآخر {إني أراني أعصر خمرا} فقال
فقال لهما يوسف: {لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما} [يوسف: 37] . كره أن يعبر لهما ما سألاه عنه، وأخذ في غير ذلك وقال: {ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار}[يوسف: 39] وكان اسم الخباز مخلت، واسم الآخر نبو، فلم يدعاه حتى أخبرهما بتأويل ما
سألاه عنه، فقال: {أما أحدكما} ، وهو الذي رأى أنه يعصر الخمر، {فيسقي ربه خمرا} ، يعني سيده الملك، {وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه}، فلما عبر لهما قالا: ما رأينا شيئا!، قال: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} [يوسف: 41] . ثم قال لنبو، وهو الذي ظن أنه ناج منهما: {اذكرني عند ربك}
الملك، وأخبره أني محبوس ظلما. {فأنساه الشيطان ذكر ربه} [يوسف: 42]، غفلة عرضت ليوسف من قبل الشيطان فأوحى الله إليه: يا يوسف، اتخذت من دوني وكيلا!، لأطيلن حبسك. فلبث في السجن سبع سنين.
ثم إن الملك، وهو الريان بن الوليد بن الهروان بن أراشة بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام
بن نوح، رأى رؤيا هائلة، رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، ورأى سبع سنبلات خضر وأخر يابسات، فجمع السحرة والكهنة والحازة والعافة فقصها عليهم، فقالوا: {أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين - وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة} [يوسف: 44 - 45]- أي بعد حين - {أنا أنبئكم بتأويله
فأرسلونِ}[يوسف: 45] . فأرسلوه إلى يوسف، فقص عليه الرؤيا، فقال: {تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون - ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون - ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون} [يوسف: 47 - 49]، فإن البقر
السمان: السنون المخاصيب، والبقرات العجاف: السنون المحول، وكذلك السنبلات الخضر واليابسات، فعاد نبو إلى الملك فأخبره، فعلم أن قول يوسف حق، فقال: {ائتوني به}.
فلما أتاه الرسول ودعاه إلى الملك لم يخرج معه وقال: {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن}، فلما رجع الرسول
من عند يوسف سأل الملك أولئك النسوة فقلن : {حاش لله ما علمنا عليه من سوء}، ولكن امرأة العزيز خبرتنا أنها راودته عن نفسه، فقالت امرأة العزيز: {أنا راودته عن نفسه}.
فقال يوسف: إنما رددت الرسل ليعلم سيدي {أني لم أخنه بالغيب} في زوجته. فلما قال ذلك، قال له جبريل: ولا حين هممت بها؟
فقال يوسف: {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء} .
فلما ظهر للملك براءة يوسف وأمانته قال: {ائتوني به أستخلصه لنفسي}. فلما جاءه الرسول خرج معه، ودعا لأهل السجن وكتب على بابه: "هذا قبر الأحياء، وبيت الأحزان، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء" .
ثم اغتسل ولبس ثيابه وقصد الملك، فلما
وصل إليه و {كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين}. فقال يوسف: {اجعلني على خزائن الأرض} . فاستعمله بعد سنة، ولو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته، فسلّم خزائنه كلها بعد سنة وجعل القضاء إليه وحكمه نافذا، ورد إليه عمل قطفير سيده بعد أن هلك، وكان هلاكه في تلك الليالي، و
قيل: بل عزله فرعون وولى يوسف عمله، والأول أصح لأن يوسف تزوج امرأته، على ما نذكره.
ولما ولي يوسف عمل مصر دعا الملك ريان إلى الإيمان، فآمن ثم توفي، ثم ملك بعده مصر قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن فاران بن عمرو بن عملاق، فدعاه يوسف إلى الإيمان، فلم يؤمن، وتوفي يوسف في
ملكه.
ثم إن الملك الريان زوج يوسف راعيل امرأة سيده، فلما دخل بها قال: أليس هذا خيرا مما كنت تريدين؟
فقالت: أيها الصديق لا تلمني فإني كنت امرأة حسناء جميلة في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في حسنك فغلبتني نفسي.
ووجدها بكرا، فولدت له ولدين إفرائيم ومنشا.
نقلها لكم تويتر - جوآهِرُ العِلمِ 📚- من كتاب - الكامل في التاريخ - لابن الأثير الجزري.

جاري تحميل الاقتراحات...