22 تغريدة 102 قراءة Feb 24, 2021
(22)
ثرثرة فوق النيل
"لم يبدع الإنسان ماهو أصدق من المهزلة"
كان لرؤية العبقرى نجيب محفوظ مدى يتخطى الزمن و قدرة فائقة على قراءة كف مصر و شعبها و نحن بالفعل أمام مهزلة واقعية نحياها فى كل جيل و ليس وقت خروج الفيلم للنور عام 1971، رغم ان زمن كتابة القصه كان عام 1966 اى قبل هزيمة
يونيو بعام كامل و لان خروج هذا العمل وقت الحقبة الناصرية كان من أصعب ما يمكن فاختار القائمين عليه خروجه وقت حرب الاستنزاف، محورية العمل الدرامى تتلخص في حدث وحيد..ألا وهو فكرة التغييب المتعمد للشعب.خلينى اقول و بكل أريحية ان الفيلم يصلح لكل زمان و لكل حاكم بلا استثناء
يبدأ الفيلم ببطلنا الرئيسي و المغيب الأكبر (أنيس زكى) عماد حمدى الموظف "الحشاش" دائما و المسطول دائما و الحكيم دائما أيضا فالجوزة لا تفارقه و تفكيره الشارد بعد رحيل زوجته و ابنته جعلوا منه وحيدا لا يري اى بصيص امل ، و دى رؤية انيس للحكومة وقتها (و تمشي حاليا كمان) و رأيه فيها
انيس ييمثل غالبية الشعب وقتها اللى خرج من هزيمة يونيو و هو مكسور و من كتر الكسور فقد الامل بعد ما حس ان كل شى حواليه كان بيكذب، حتى مديره بيكذب و الجميع بيشترك في خداع الشعب و تغييبه و بنشوف مشهد عميق لانيس و هو بيكتب تقرير مطلوب منه و لكن بقلم فارغ من الحبر..و من المضمون
حالة الانفصال التام بين الشعب و القيادة بتتضح بشكل فاضح فى مشهد عبقري صممه حسين كمال المخرج لما انيس بيقابل تلميذه رجب القاضي (احمد رمزى) اللى بيدعو انيس لزيارة العوامة الخاصة به و بيمروا امام احد اكشاك الجرائد اللى ناشره خبر مفاده استئناف القتال على الجبهة و قتال عنيف بالمدفعيه
أنيس بيدخل للعوامة اللى هى بتمثل مصر في الفترة دى، مصر المتأرجحة على مياه ساكنة بلا حراك ، و مشهد الجسر المتصل بين الارض و بين العوامة بيركز عليه المخرج كوسيلة للدخول في عالم التغييب و اللى فيه إسقاط موجه بشكل عمدى للحقبة الناصرية و هنشوف النخبة المثقفة منفصلة تماما عن الواقع
النخبة هنا فيها الفنان و الكاتب و المحامى و الموظف و كلهم بيمثلوا المواطن المنفصل عن هموم الوطن و المغيب كما ارادت له الحكومة، و بما ان انيس حشاش قديم بيتم تعيينه مسؤول عن "الكيف" فى لحظة اسقاط عبقرية مقصود من خلالها السخرية اللاذعة من حقبة ناصر..و حقيقى الحوار موجع رغم انه ساخر
يرتفع اطار الفيلم ليصل لنقطة ساخنة على مستوى الحوار العام للفيلم و بدء من اللحظة هنشوف كسر للتابوهات اللى عانى منها جيل كامل و اجيال اخرى قادمة ، مشهد عبقري بين انيس و بين عم عبده خادم العوامة؛ اللى بيهنى انيس بمناسبة عيد الهجرة النبوية
شوفوا عبقرية الحوار فى اقل من 20 ثانية
ترتفع حرارة الإسقاطات بدخول ضيف جديد للعوامة و هى سناء (ميرفت امين)الطالبة الجامعية و اللى هيركز المخرج على كلام مكتوب على جانب رجلها (الحب لا الحرب) كإشارة لعدم انخراط الشباب وقتها فى قبول فكرة الحرب بعد ان سقطت الأقنعة ، كذلك تبرير فكرة تناول الحشيش في مناسبة دينية..الحوار قاسى
اسقاط فنى مماثل لايامنا الحالية هنشوفه للمخرج اللى بيتعامل معاه رجب القاضى و هو مثال للسبكى في ايامنا الحالية، لا معنى و لا مضمون و هنشوف اغنية الطشت قالى كمثال صارخ على مشاركة السينما حالة التغييب العمدى للشعب و إدخاله في دائرة السقوط المدوى و بالتالى انعزاله بعيدا عن الواقع
دايرة الاغتراب بتتزايد و ايقاع الفيلم بيوصل لدرجة جنونية من مواجهة الواقع..سناء بتسأل المحششين:انتوا مش بتخافوا من البوليس ؟
يرد عليها عادل أدهم بالترتيب :
احنا مش بنخاف من البوليس او الجيش او الإنجليز او الأمريكان" و الدلالة هنا على فكرة سيطرة الانظمة الأمنية على الحكم و عدم
وجود دافع للخوف اصلا بسبب القبضة الأمنية القوية وقتها، و يرتفع المستوى النقدى القوى للتاريخ فى الفيلم و هنروح لفاصل ساخر بيروح فيه ابطال العوامة و يزوروا تمثال رمسيس الثاني و بنشوف تهكم غير طبيعى من ابطال الفيلم على شخص رمسيس الثاني ، كلها محاولات لجيل حاول كسر التابوه بكل اشكاله
و أثناء عودة المساطيل بيصدموا فتاة ريفية بسيارتهم و بيهربوا بدون ما يساعدوها و بتموت الفتاة الريفية و بيدور حوار داخل العوامة بعد رجوعهم..و بيحملوا الحكومة المسؤولية عن وفاة البنت لان الحكومة ما علمتش "الفلاحين "قواعد المرور " و يتحول الموقف لكوميديا ساخرة تفيض بفكرة التغييب
الصحفية (ماجدة الخطيب) بتزور العوامة و بتحلل شخصية كل فرد من الموجودين و بتقع المفكرة اللى كتبت فيها كل معلوماتها عن افراد العوامة فى ايد انيس اللى بيبدأ يفوق جزئيا من الجوزة و الحشيش بعد ما شاف اللى مكتوب عن شخصية كل واحد منهم و حس انه لازم يفوق..زى ما كلنا لازم نفوق برضه
انيس هو المتحدث بلسان الشعب ..هنشوف مقارنه ظريفة بين تقنين " الخمر" و تجريم الحشيش
و ان الحكومة لو عاوزة تقنن المحرم هتقننه
و بيطلب انيس من الحكومة تقنين الحشيش حتى لو هيدفع عليها ضرائب
(استجابت الحكومة لطلب انيس و قامت بفعل مشابه و هو قانون التصالح في مخالفات البناء )
العوامة هى حال مصر فى وقت ما..او اوقات ما و فى وقت الحرب مفترض ان البلد بتلاقي أولادها بيساندوها و بنشوف مشهد غارة جوية و اللى فى العوامة فى عالم اخر منفصل بيوضح لنا لأى مستوى انفصل المواطن عن وطنه و اصبح غير مبال
🔞 يحتوى على مشهد قد يكون غير مناسب لفئات عمرية معينة
انيس بيزور الجبهة مع سمارة بهجت الصحفية و هناك بيشوف مآسي الحرب و المبانى المحطمة من اثر المدافع و اثار الحرب فى كل مكان و بيبدأ يرجع لعقله و يسترد كيانه بعد ما حس انه فعلا مغيب و لما بيرجع لسمارة و تسأله كنت فين يجاوبها بعمق و ألم : كنت فين؟ احنا اللى كنا فين!
يالعمق الكلمات
من تلك النقطة تبدأ رحلة الاستفاقة و الرجوع للوعى ..انيس بيبدأ يدور على نقطة العودة و يحس انه كان مغيب و يدخل في مواجهة مع باقي الفريق و يقولهم ان الفلاحه ماتت و لازم نسلم نفسنا ( بيحمل طبعا حقبة ناصر مسؤولية الهزيمة) و هنا بيسخر منه الجميع و بيعتبروه مجنون لأنهم رافضين الاعتراف
بمسؤليتهم عن قتل الفلاحة البسيطة، يخرج انيس و سمارة من العوامة و هو بيردد الفلاحة ماتت و لازم نسلم نفسنا. .عبده حارس العوامة بيفك السلسلة اللى بتربط العوامة بالأرض عشان يسيبها تمشي فى الميه بدون توجيه و كأنه بيقول اننا و نتيجة التغييب اللي عشانه كان لازم يكون عقابنا اننا نمشي مع
التيار على غير ذى هدى و نخسر إرادتنا في توجيه حياتنا بدفة قائد يقدر يوصلنا لبر الأمان و فى نفس الوقت انيس بيمشي يصرخ في وجوه الناس..فوقوا و تفضل صرخته تتردد في نهاية الفيلم عشان تقولنا اننا محتاجين نفوق من اثر التغييب اللى عشناه او اللى لسه عايشينه و إلا هيبقي مصيرنا هو العوامة
خلاصة الفيلم: الجوزة او اى وسيلة اخرى هى وسيلة من وسائل التغييب كانت بتستعملها انظمة عديدة لتغييب شعوبها..زمن الحكم الرومانى كان الإمبراطور كومودس يواجه صراخ الجوع الصادر من شعبه من خلال تنظيم مباريات المصارعه الوحشية لالهاء الشعب عن الثورة ضده و لكل حاكم طريقته في تقديم نفسه
و لا اقصد حاكم بعينه و لكن هناك مرحلة مرت بها مصر كانت اشبه باللعنة التى طال أثرها كل شئ فسقطت الاقنعة و حاكم اصدقاء الأمس أعداء اليوم بعضهم البعض و انتهى الأمر بنهاية مأساوية لا تختلف كثيرا عن نهاية العوامة..
كثيرون يثرثرون فوق النيل حتى الآن ..بلا عوامة.
تمت.

جاري تحميل الاقتراحات...