anas ghanayem
anas ghanayem

@AnasGhanayem2

23 تغريدة 198 قراءة Feb 20, 2021
عشرة ملاحظات سريعة بعد تجربة اليوم الأول على الـ (clubhouse) من علم النفس إلى السياسة...
1- يتحدد عمق هويتنا ووجودنا الإنساني في "الصوت" بما هو عتبة أولى في تشكّل ذواتنا، وتكوين علاقاتنا بالآخرين، وبالعالم الكونيّ الكبير.
وقد هدي التطبيق لاستثمار (حساسية البشر للصوت) كعلامة يمتاز بها. وشرح هاته النقطة يطول، ويحسن بمن يحبّ الاستفادة العودة لكتاب (ساميا ساندري، الصوت بوابة الكون) والكتاب أطروحة إناسيّة متداخلة التخصصات، تشرح لمَ "في البدء كانت الكلمة" أو لمَ كان الصوت جوهر وجودنا كبشر!
2- اعتماد التطبيق على الصوت، تجاوز أهم ما يثقلنا على برنامج مثل الـ zoom؛ أي "الصورة"، ومن المعروف اليوم في علم النفس بأنّ ما بات يعرف بـ (إعياء الزووم "zoom fatigue") سببه الأساسيّ أو يكاد محاولة اختزال وجودنا في لقطة الوجه أو ما بت يعرف بالإنجليزيّة بـ "living headshot"
3- قوام المنصة على قاعدتين:
- الدخول من غير استئذان.
- الخروج بهدوء. (وهي العبارة التي تنصب لك داخل أيّ غرفة نقاشيّة "leave quietly")
- في سياق سايكولوجيّ محض، الدخول من غير استئذان والخروج بهدوء، يعرّضان المرء لـ"خطر الفضفضة للغرباء"، أي تحويل المنصة إلى أريكة فرويديّة كبيرة...
(البارحة دخلت غرفة نقاشيّة لدقائق، فيها خمسة أشخاص، أحد الحمقى طلب من المشاركات -وهو الذكر الوحيد- الحديث عن أصعب وأشد تجربة مررن بها! ولولا أنّ الفتيات فيهّن من رجحان العقل والنباهة لوقعن في أحابيله وتفاهاته...)
خطر الفضفضة للغرباء، فيه ٣ مشاكل أساسية:
الأولى: جهل من هو أمامك بفنيات، وتقنيات، وأخلاقيات العلاج والدعم النفسيّ. وهذا بدوره قد يزيد من مشاكلنا ومعاناتنا، وقد يورّطنا فيما لا نحسب، ولا نحبّ. ويزيد أيضًا من احتماليّة ظهور ما يعرف بـ (المشاكل علاجيّة المنشأ "Iatrogenesis")
الثانية: من المحتمل أن يعبر المستخدمون عن عواطفهم السلبية عبر الإنترنت لإنشاء روابط اجتماعية حميميّة، وتشير دراسات (الفضفضة المشتركة "Co-rumination") إلى أن تبادل التجارب السلبية يمكن أن يعزز الروابط العلائقية،
لكن في الوقت نفسه، ونظرًا للتحكم الذي توفره إعدادت الإنترنت للعرض الذاتي للمرء، فإن الأفراد يقدمون أنفسهم بشكل أكثر شيوعًا بطريقة اجتماعية مرغوبة أحيانًا (أي بشكل إيجابي).
وعلى ذلك، فإن غياب الإشارات غير اللفظية والقدرة على التحكم التي توفرها الإعدادات عبر الإنترنت تسهل أيضًا (تنقيح "disinhibition") هذه الصورة اعتمادًا على الانطباع الذي يريد لمرء تحقيقه!
ثالثًا: الفضفضة المواتية، والسهلة، لكلّ أحد، ليست إلّا تعبيرًا عن ذواتٍ هشّة، كليلة، لا ترغب في حلّ أزماتها حقيقةً، وإنما الرغبة في التسوّل العاطفيّ، والثرثرة. وعلى ما يقول نيتشه (من يكشف للغرباء عن مشاعره، كمن يكشف لهم عن قفاه!)
5- يشخّص المعالج النفسي كارلوس سترينجر، أزمة عالمنا المعاصر، والبحث عن المعنى في القرن الحادي والعشرين في عنوان كتابه (الخوف من ألّا تكون معروفًا "The Fear of Insignificance")
عالم ما بعد الإيديولوجيا، الفردانيّة، وتفكك القيم الكبرى، والعيش في المدينة، والغرق في سيولة قاتلة،
لفّها دعاية الليبرالية تجري على ألسنة دعاة التنمية البشرية (أنت قادر، وبإمكانك...الخ) بحيث يبقى المرء لاهثًا بحثًا عن ذاته، بين الأضواء، وعلى مسارح المنصات الاجتماعيّة، خلاف أجداده الذي وجدوا أنفسهم في سياق يقيهم هذا الظمأ الوجوديّ كما شرحه سترينجر بطريقة ذكيّة.
على الـ (clubhouse) تدخل من غرفة لأخرى، ومن نقاش لآخر، حتّى تقول للناس أنا هنا، أنا لست غفلًا، أو غمرًا، وكأنيّ بابن ندبة العبسيّ وهو يقول: (تأمل خُفافًا إنني ذلك)
وعلى أيّة حال، الخوف من"الهامشيّة والمغمورية"(التي كانت طلب العلماء والعارفين على الدوام -راجع كتاب الحكمة العربيّة)
ليس إلّا تعبيرًا عن علمنة أو دهرنة الخلود الحقيقيّ الذي بشرّت به الأديان! وهل كان العربيّ يفزع من الهجاء إلّا خوفًا من انطماس الذكر بعد الموت، وكفرًا بالحياة الأبديّة، الحقيقيّة، التي فيها الذكر الحسن حقًّا؛ وذلك بأن تكون من زمر الراتعين في رياض الجنان المونقة!
6- يخلق التطبيق لدى مستخدميه "وهم الأهميّة". في البداية تنتابك "مشاعر التقدير السلبيّ للذات"، لأنك لم تتلق دعوة بعد، وحين تتحصل عليها، تذرع الغرف الصوتيّة من أقصاها لأقصاها، في محاولة لإرضاء نشوتك، وفحولتك بأن صرت مهمًا، تتلقى الدعوات، وتحادث الرجال في الدين، والسياسة، والأعمال.
7- جزء كبيرٌ من هاته الغرف الصوتيّة، ليس فيه إلّا الضجيج، والصخب، والمرافعة عن المعادن! فتجنّب السفه، واحرص على ما ينفعك (حضرت البارحة ثلاثة نقاشيات رائعة)، واطرح كل ما لا يسرّك أنْ تراه في صحيفتك يوم أخذ كتابك بيمينك!
8- الرهان السياسيّ على هاته المواقع، لا أؤمن به، ولا أراه معقولًا، بل محض وهم، وذلك ليس على قاعدة (خوارزميات الاضطهاد"Algorithms of Oppression")كما شرحتها صوفيا نوبل أو (فقاعة الترشيخ"Filter bubble") كما شرحها إيلاي بيرسير،
وإنما على قاعدة "قوة الطرد المركزي" التي تعوق تشكيل جمهور، أو مجال عام هابرماسي، كما شرح ذلك بيونغ تشول هان في كتابه (...في السرب "in the swarm") بشكل ذكي وفريد. (أقوم بكتابة مراجعة لهاته الكتابات الثلاث، وستنشر عمّا قريب على مجلة بحثيّة...)
9- التقسيم الطبقيّ، والإثني، والجندري، والعمري حاصل في كل التطبيقات، لكن في هذا التطبيق الامر أكثر جلاءً ووضوحًا، إذ التقسيمات الطبقيّة تنبني عادة على تجربة المستخدم، ونمط المعاش اليوميّ، والسياقات الشخصيّة، التي تجعلك أهلًا لدخول هذا التطبيق؛ والامتناع عن ذاك،
في حين ينطوي هذا التطبيع على شرط ما قبل إنسانيّ، متعلق بالتقنيّة أساسًا (أن تكون من جماعة أو عشيرة IOS)
10- أخيرًا، الإغواءات المفرطة لهاته المنصات تقتل استعدادنا الطبيعي والبدهي للعيش وفق إيقاعاتنا الخاصة، دون تطفّل منها، أو محاولة جعلنا جزءًا من جمهورها. ونصيحتي لا تدخل هاته المنصات من غير تحديد لما تريد منها بالضبط، والله أعلم
* بعض النقاط تحتاح لبسط، وشرح، وهو ما لا طلاقة لي عليه هاهنا، وقريبًا سأناقش هاته النقاط في نقاشيّةٍ بسيطة على منصة (clubhouse)

جاري تحميل الاقتراحات...