معاوية الرواحي
معاوية الرواحي

@MuawiyaAlrawahi

21 تغريدة 757 قراءة Feb 20, 2021
#تيسير_النجار:
التقيتُ به في نهاية رحلتي في سجن الوثبة، أيام الانتظار الحارق للحكم القضائي الذي سيحدد حياتي بعدها. كأي سجين آخر، وصل تيسير لعنبر 9 زائغ العينين خارجا من الانفرادي الذي ملأ فؤاده بالشوق إلى أُنسِ الإنس حتى لو كان ذلك في السجن، طارت الأخبار، ثمة صحفي في العنبر.
لم نأخذ وقتا طويلا لنصبح أصدقاء، واحتفت العقول القارئة بتيسير وانضم إلى عائلة المظلومين وإلى جلسات النقاش اليومية التي تحدث في أي مكان نحل به، طاف المكان حاملا قلمَه حيثما ذهب، معه دفتر صغير وعقله الحاد لا يتوقف عن التساؤل والنقاش، ماذا حدث؟ ولماذا حدث ما حدث؟
يبكي كالطفل، يذكر عائلته دائما، يتهم نفسه بأنه خذلهم، جُرح الأب والزوجِ الذي حمله معه إلى النهاية، يعتذر لهم في كل اتصال، واللوعة لم تفارقه، إيه يا صديقي وقد ظننتك أنك ذهبت للحياة أقل ندما، غادرتها يا صديقي وبقي ظالموك، ألا لعنة الله على الظالمين!
يصل صحفيٌ إلى عنبر تسعة، عنبر الأمن والقتال اليدوي، وسقوط الدماء والأسلحة المخبأة في الأماكن السرية، في أشد أزمات العنبر اشتدادا يصل تيسير ليكتشف حقيقة أخرى من حقائق المكان المرَّة، منع الكتب، والجرائد، والتوقف عن الوجبات، والعقوبات المفضلة لسجّاني الوثبة.
أسوأ الظروف تلك كانت أفضلها، نعم، من منظور سجين قضى شهورا في الحبس الانفرادي شكّل العنبر له كما شكل لنا أجمعين مساحة حريةٍ أكبر من القبر الانفرادي، يبكي كالطفل مع كل ربع ساعة ينال فيها حق الاتصال بعائلته، مرة كل أسبوع، مرتان بالكثير، ويلوم نفسه كل ثانية تمضي، لماذا حدث ما حدث؟
أية صاعقة حدثت له؟ عرض عملٍ يصله من بلاد الأحلام، لم يكن يحسب حسابات لمنشور عابر في الفيس بوك، لم يكن يعلم أنها مكيدة، إنه عرض عَمل قبله وهو يفكر في عائلته أولا وأخيرا، العائلة التي لم تغادر لسانه ووجدانه، لم تغادر عقله وقلبه، ذهب لما ظنه حلما ليبدأ بعده كابوس النهايات المروّعة.
عرض وظيفي انتهى بمكيدة، يتصلُ بهلعٍ بكل من يمكنه أن يساعده، لا هواتف ترد عليه، إنه في السجن، وأي سجن؟ سجن أمن الدولة؟ وأي أمن دولة؟ حيث اجتمع المغرد والصحفي والداعشي وسجناء القاعدة مع الإخوان، تهم في تهم، قليل منها واضح وبقيتها في غموض شديد، لقد بدأ جحيم الذاكرة والحياة!
"أنت ذكي جدا، ومتهور" هكذا وصفني، دفعة واحدة كأنه يعرفني منذ خُلقت، أعادت له الكتابة بعض هدوئه، واحتواه محيط الأصدقاء في العنبر، كانت فرحته عارمة عندم كُلِّف بجلب الكتب من مكتبة السجن الشحيحة، وياللمفاجأة، مجموعتي القصصية "إشارات" وجدت طريقها للعنبر!
أي عالم صغير نعيشه!
منشور في الفيس بوك، ثم مكيدة عمل، ثم سجون أمن دولة، هكذا يمكن لحياة إنسان أن تصل لنهايتها في عالمنا العربي، قبح الطغيان الذي يستر عورته بالصمت، حقيقة أخرى من حقائق عالمنا المفزع، ونهاية إنسان بريء ماتَ حاملا دمعته شاكيا لله مرتاعاً من مخلوقاته.
عانقني مودعا، هذه آخر ذكرى بيننا، وأنا أستعد للعودة لعُمان بعد حكم البراءة، نصحني أن أخفف من تهوري وأن أدرس ما أفعله قبل فعله، غرق في حزنه كثيرا، ومرَّت محاكمته كما مرّ باقي السجناء، بالترقب واللهفة، ومن أجل منشور في الفيس بوك قرر إنسان في حق إنسان أن يقضي ثلاث سنوات في السجن!
تكتب زوجته في الفيس بوك عسى أن تصل رسائلها له، تهنئه بأن ابنتهما تحقق حلمها، ستمتهن الطبخ وتسعى لأن تكون [شيف] في مكان كبير، يبكي كلما اتصل بهم ويعتذر ظانا أنه خذلهم، ما أبشع ما يفعله الطغيان بإنسان!
ما أقبح ما حدث لك يا تيسير، ما أقبح ما يحدث! ما أقبح هذه الحياة!
تدهورت صحته،ومن الذي لم تتدهور صحته في عنبر الأوبئة والأمراض الجلدية والفيروسية، من الذي ستبقى صحته في عنبر انتظار المستشفى لأسبوع؟ من الذي لم تتدهور صحته في سجنٍ مات في سجين وهو مقيد يتوسل الحراس لعلاجه؟ من الذي لم تتدهور صحته في تلك المتاهة الملعونة؟
ألا لعنة الله على الظالمين!
عاش تيسير أحداث العنبر الكُبرى، ولم يجد سعادة في تلك الحياة بعد اتصاله بعائلته سوى ما تيسر من كتب المكتبة، وما استطاعه بعد الصلاة والقرآن من حروف يكتبها، عنبر الحزن والغضب، عنبر الحكايات الأليمة، عنبر سجناء الأمن الذين لا حقوق لهم، هُناك عاش تيسير النجار وبقي مسجونا للأبد.
خرج وحمل السجن معه، كان عقل تيسير النجار قويا ويتحمل الكثير، قلبه خذله، كان الشقاء فوق طاقته وهو الذي قبل بالوظيفة من أجل عائلته يكدح على رزقها، لم يكن يعلم عناد المكائد، ولم يكن يدري إلى أي مدى يتسيد الحقد مدن الصحاري الحارقة والملح الطارئ. بقي سجينا حتى آخر أيامه! أي حتف هذا!
ماذا أفعل بنصائحك الآن يا صديقي؟ ماذا عساي أن أقول؟ بأي حزن أعزي عائلتك؟ هل سأكرر جملتي الدائمة [عاقبة الصبر خير] لمن سأقول هذه المرَّة [هانت]، ما الذي سيهون يا صديقي في غيابك؟ ما الذي سيهون وما بقي لنا منك إلا الذكرى؟ ما الذي سيهون يا صديقي المظلوم؟ ما الذي سيهون؟
بعد خروجه من السجن، كتبت زوجته خبر إطلاق سراحه، ليتني تواصلت معه أكثر، ليتني استطعت أن أهون عليه، كان حزينا، مثقلا بالهموم، ومحاصرا، ليتني فعلت شيئا، ليتني قلت شيئا، ليتني لم أقصر حياله، ليتني سمعته، ليتني كلمته، ومن عساه سيفهم غيرنا ما الذي مر به، أنا آسف يا صديقي، آسف للنهاية.
ومات تيسير النجار! صحفي عنبر 9 مات! حمل غصته إلى الله محتفظا بوجوه ظالميه، مات! هكذا بكل بساطة رحل إلى ربِّه، مظلوما، كسيرا، كظيما، مصادر الحق في أن يشتكي بمن ظلمه، وأن يبوح بحكايات ظالميه وجهنم التي يخبئونها عن العالم، بوفاتك لقد خسر العالم القبيح قلبا جميلا يا صديقي.
رحمك الله أيها القلب الطاهر، فرّج الله عن كربة ذويك، قل لله كل شيء أيها المظلوم النقي، قل لله عنهم، وأنت ترفل في جنة الرحمن قل لله كل شيء عن من ظلمك، أعان الله عائلتك، فطر الحزن قلبك وقتلك من سجنك، ألا لعنة الله على الظالمين، لعنة الله على الظالمين.
سجنٌ وغرامة، أي مغرم ثقيل هذا؟ ومن الذي يساعد الذين افترسهم الظلم البشري؟ صرخاتٌ أم عون في الفيس بوك كانت تشهد على هذا الخذلان البشري اللئيم، لقد خذلناك يا تيسير، خذلناك، وعسى أن يقتص الله من جميع من خذلك، لم يكن عقلك ضعيفا يا صديقي، ولكن قلبك الطاهر لم يحتمل، فرحلت!
وماذا أقول الآن لنفسي يا صديقي؟ ليتني اتصلت بك، ليتني راسلتك أكثر، ليتني فعلت شيئا، ليتني ساعدتك بأي شيء، ماذا أقول الآن؟ فارقتنا يا صديقي وكنا قد اطمأننا عليك، وظنناك ستشفى وستكون بخير وستعود أقوى، لم يحتمل قلبك كل هذا فرحلت، دنيا كؤود! لعنة الله على كل ظالمٍ فيها.
وداعا يا صديقي، وداعا، سنلتقي في رحمة الله، قل لله كل شيء، قاضي السماء، قاضي كل العباد، قل له كل شيء، رزقك الله جنّاته، وعوض عائلتك بعدله ورحماته، حلمت أن ألقاك ولكن الله كتب لنا لقاء مختلفا عن ما أردنا يا صديقي، قل لله كل شيء يا صديقي، قل لله كل شيء.
رحمك الله وأعان عائلتك.

جاري تحميل الاقتراحات...