أسوأ أيام حياتي كان سببها شخص #ثريد
أواخر عام 2017 وبداية 2018 كانت أسوأ أيام حياتي، كنت طالبة في الولايات المتحدة الأمريكية، وفوق صعوبة الغربة والدراسة؛ كنت اعاني من اكتئاب شديد، كنت اصارع أفكار الإنتحار بشكل يومي والخروج من الشقة للذهاب للجامعة كان من أصعب المهام اليومية
للأسف الشديد صادف إنه سائق الحافلة التي تقل من شقتي للجامعة كان شخص عنصري، وكل يوم يبذل قصارى جهده ليترك بصمته السوداء القاتمة على يومي، لطالما أيقنت انه فقد اينه في حرب أمريكا على العراق ولذلك يكره العرب والمسلمين، لكن ما ذنبي أنا خصوصاً اني كنت أحاول جاهدة ان ألطف الجو بيننا
كنت الأسوأ في التحصيل الدراسي نظراً للفارق الشاسع بين ما درسته في السعودية وما كنت ادرسه في الولايات المتحدة الأمريكية، كنت امشي مطأطأة الرأس من الكسر وقلة الحيلة التي أشعر بها بسبب الاكتئاب، كنت أرفض جميع عروض الصداقات لأني لم أؤمن اني جيدة كفاية لأكون صديقة
كنت اسكن وحيدة في شقتي الباردة جداً بفعل برودة الشتاء والوحدة المريرة التي كانت تحيط بي، كنت لا أعد الطعام إلا مرة في الأسبوع وآكل جميع وجباتي بمفردي، وللتغلب على الوحدة كنت اقوم بتشغيل مقاطع يوتيوب لأشخاص يتحدثون مع بعضهم
حتى شقتي لم تكن فارهة، كانت قليلة الأثاث والموارد، فيها قطعة واحدة من كل شيء، وبالرغم من وجود طاولة للطعام كنت اتناول وجباتي في زاوية غرفة المعيشة متقوقعة على نفسي كجرذ صغير يحاول حماية آخر قطعة جبنة يمتلكها
خروجي من الشقة كان معجزة تحدث كل يوم، فبسبب الاكتئاب أصبح ارتداء ثيابي كل صباح؛ كأني ارتدي حلة عسكرية ثقيلة من الحقبة الأموية، ارتدي درعي بالكامل وكأني ذاهبة للموت كل يوم حتى فقد الموت هيبته
كنت كل صباح اتناول قهوة أمريكية سوداء بدون إضافات ومن ثم اخرج من شقتي مسرعة قبل أن تسيطر علي وحوش أفكاري وتجبرني على الاستسلام والبقاء في الشقة لوحدي ألعن وحدتي وقلة حيلتي
كان الطريق من شقتي لمحطة الحافلات من اطول الطرقات التي قطعتها في حياتي، وخصوصاً انني كنت ارتدي حلة ثقيلة تقيني شتاء منهاتن، كان الممر الضيق مكاناً مناسباً لتراكم الثلج وكنت الوحيدة التي تمشي فيه كون معظم سكان المدينة يملكون مركبات خاصة بهم ولا يحتاجون للسير وركوب الحافلة
كنت انتظر الحافلة كل يوم والثلوج تغطي كاحليَّ والبرد يتسلل خلسة ليصل إلى أعمق نقطة في قلبي، كان صراع الأمس لازال مرسوماً على وجههي وعلامات الإرهاق ظاهرة للعيان مما جعلني فريسة سهلة للمفترسين
كنت اركب الحافلة كل يوم بأمل ان يصبح سائق الحافلة صديقي كونه الوجه الوحيد الذي اراه واعتدته كل يوم، لكن نظراته الباردة وتجاهله لتحيتي الصباحية كانت لآمالي بالمرصاد
ليس هذا فحسب بل كان يشدد الخناق علي عن طريق طلب مال إضافي لركوب الحافلة، رغم اني أملك بطاقة تمكن حاملها من الذهاب والعودة بدون دفع سنتاً واحداً، لكنه كان يصر على أن ادفع دولاراً ونصف في كل مرة اركب فيها الحافلة
كنت اظنه مجرد عجوز سيء الطباع أجبر على العمل في الجو قارص البرودة وعلي ان اتحمل، لكن لم يدم اعتقادي هذا طويلاً حين رأيت انعكاس ابتسامته المرحبة بالآخرين على المرآة، ليس هذا فحسب بل إنه لم يطلب من الآخرين دفع الدولار والنصف الذي كنت ادفعه!
فقررت بكل ضعفي وهواني وغربتي أن اتصدى له، وعندما أتى اليوم التالي ورفضت دفع المال له بحجة امتلاكي لبطاقة الجامعة مثلي مثل بقية الطلاب؛ اشتد غيظه مني وبات يصرخ في وجهي عند كل فرصة وبأي مناسبة
لم يكتفِ بالصراخ فقط بل كان يتأخر علي كل صباح حتى يتمكن البرد مني، حتى في أحد الأيام تعدى أذاه كل توقعاتي
في تمام الساعة 7، بدأ أثقل الأيام التي مرت علي، كنت اصارع فشلي الدراسي والاجتماعي وأحاول جاهدة أن لا اسقط وارضخ لهما، وعندما ركبت الحافلة وهممت بالجلوس؛ ضغط سائق الحافلة على دواسة البنزين بكل قوته وانطلقت الحافلة بسرعتها القصوى رامية بجسدي الضعيف المتهالك على الأرض بآخر الحافلة
كانت السقطة مؤلمة جداً وما جعلها مؤلمة أكثر؛ كانت نظرات العجوز الخرف الذي أحس بالنصر لاسقاطه لي، شعرت بالألم يعتصر في صدري لكني كفكفت دموعي وبالكاد استطعت النهوض، ولم يتوقف يومي السيء عند هذا الحد للأسف
كنت متوجهة للمكتبة لحل معضلة أحد التكاليف الذي انتهى بي الحال بعدم إكمال حله، ثم توجهت لاجتماع مع فريق مشروع أحد المواد الدراسية، فهددوني بالطرد من المجموعة لعدم كفائتي في العمل معهم
كنت مضطرة لركوب الحافلة في ذلك اليوم العسير لسبب بسيط جداً وهو أني لم أكن أملك المال الكافي للذهاب إلى الجامعة، ووسط معمعة صراعي الوجودي اسقطني احدهم متعمداً كسري
كان لدي أيضاً امتحان لأحد أصعب المواد الدراسية، وما حال عائقاً بيني وبين حل جميع الاسئلة هو اني بلغت ذروتي في الاحتمال وكانت دموعي تملأ زوايا عيني لدرجة تعذر علي قراءة اسئلة الامتحان
وفي تمام الساعة الخامسة عصراً قررت العودة مبكراً لشقتي، كان هدف عودتي لشقتي بسيط جداً، وهو انني احتجت إلى مكان استطيع الانهيار فيه بدون أن اكون على مرأى ومسمع من أحد، كل ما اردته ذلك المساء هو العودة لسريري والبكاء حتى الموت
لكن قدرتي على الاحتمال كانت قد بلغت نصابها وللأسف الشديد انهرت باكية في الحافلة، لكن من رحمة الله بي أن تغير سائق الحافلة، كانت سائقة الحافلة امرأة طيبة جداً ولا تتدخل في شؤون الآخرين، فقد كنت ابكي بكل ما أوتيت من قوة دون أن تلتفت إلي أو تسألني ما إذا كنت بخير ام لا
كنت الراكبة الوحيدة في الحافلة على غير العادة وكأن الله أراد لانهياري أن يبقى طي الكتمان، كانت رحلو العودة للشقة طويلة جداً وقاسية، لكن كان من الممكن أن يكون ذلك اليوم أقل ثقلاً وأكثر خفة لو رد علي سائق الحافلة تحية "صباح الخير" لكنه حياني بطريقته التي تركت اثرها في قلبي لليوم.
ملخص القصة، عندما يقول لك أحدهم صباح الخير؛ رد له تحيته بتحية أفضل منها، وابذل كل جهدك في ذلك، فربما ابتسامتك وتحيتك اللطيفة هما من سيصنعان الفرق وكل الفرق في حياة الشخص الذي يقف أمامك
جاري تحميل الاقتراحات...