د.صغير العنزي
د.صغير العنزي

@arab14361

12 تغريدة 19 قراءة Feb 19, 2021
طلب مؤلفو كتاب التحرير العربي-صناعة جامعة الملك سعود- أن يتجنب الطالب الصيغ المتكررة والجامدة، مثل: "دخل يرغي ويزبد كالجمل الهائج"، وهذا طلب مقبول لكن ماذا اقترحوا عليه بديلا؟
سأناقش اقتراحهم، وفكرة "ما يشيل الحمول إلا ظهور الجمال"، وملاحظات أخرى حول استدعاء المشبه به.
١-كان مقترحهم البديل: "دخل غاضبا"، وهذا هو المبدأ الذي حوّل به بعض سلفهم من دارسي البلاغة العربية البلاغة إلى قواعد بلا روح.
المقترحون لم يعيشوا مشاعر البدوي لحظة هياج الجمل وغضبه الهادر الذي يمثل عنده أعلى نموذج غضب وعنف وإرهاب، وببساطة جاء البديل زنيم العلاقة بالمستبدل منه.
٢-أنا لا أنقد وجاهة طلب الاستبدال لكن أنقد غرابة البديل، فنحن لا نفرض مجرد نموذج لغويّ، وإنما نفرض مع اللغة نموذجها من السلوك والثقافة والمشاعر أيضا.
فحين أعبر عن مشهدٍ استدعى عند القديم هياج الجمل مزبدًا ومرعدا بجملة باردة "دخل غاضبا"، فأنا هنا لم أمحُ جملة بل محوت مشهدا بأكمله.
٣-استدعاء المشبه به عند العربي المبدع -لا المقلد قديما وحديثا- يأتي من امتلاء نفسه به، لحظة التعبير، ومن كونه النموذج الأعلى الذي يقترحه للمشبه، فيخالط روحه ومشاعره، يستوي هذا في الضعف أو القوة، فمثال الضعف تفصيلات "القطاة" في شعر العامري: كأن القلب ليلة قيل يغدى بليلى العامرية..
٤-تأملوا تنويع العامري على القطاة في هذه القصيدة الشجية الراجفة، وقيمة كل إضافة، وتدركون سرّ استدعاء العربي للمشبه به الحيّ الذي تمتلئ به نفسه، ويعايشه تجربة وإحساسا، فمع كل إضافة على المشبه به مشهد مباشر لهذه النفسية المملوءة بالرعب والضعف وإرهاب المستبد وجنون رجفة مفاجأة الخبر.
٥-والحال نفسه في تشبيهات القوة، فالجمل يمثل النموذج الأعلى المشاهَد للعربي في الجنس، والتحمل، وعنف الغضب، والقدرة على مواجهة شراسة الحياة الصحراوية المجدبة والمخيفة.
ومثلما هو مثال القوة هو مثال الإنقاذ وخلاص الحياة ودرع الأخطار.
إنه رمز الفحولة التي يتوق العربي القديم لتمثلّها.
٦-وحين يأتي معاصرٌ لم يعش هذه التجربة، ولم يعد الجمل يملأ أفقه كله كما كان يملأ أفق العربي القديم أو البدوي قبيل الاستقرار، ثم يجعله مثالا يردده، فهو هنا لا يبعد في تلفيق شعوره عن صدق شعور مؤلفي كتاب التحرير العربي، فالاثنان لم يعيشا التجربة، والاثنان يفقدان الإحساس بعمقها.
٧-ويقترب من هذا تشبيهات المعاصرين للمرأة بالظبي جسديا، مع أن أي متأمل يدرك أن المرأة جسديا تفوق جمال الظبي، والعربي القديم استدعى صورة مركبة للمرأة، فهو مع رقة المرأة التي يتوق إليها، يعجبه شرودها ونفورها وخوفها، ويكره جرأتها وإقدامها، وكان الظبي أكثر الحيوانات تمثلا لهذا المجموع
٨-ثم جاء المقلد المعاصر، فاختزل شبهها للظبي في جسدها، وأزال أهم ملامح الصورة الأخرى، وتواطأت هي معه على القبول حسب شروط المواطأة في العنف الرمزي، وصار عقدا مقبولا بين الطرفين، مع أن أي انفكاك من سطوة سلطة السائد تكشف أن الصورة حين تفقد بعض أجزائها تتضاءل حد التلاشي.
٩-والأمر نفسه ينطبق على تشبيهات الذئب الذي تجاوزت الشعر إلى أن نسمع الصغير حين يعجبه فعل زميل له يناديه: "يا ذئب".
هي مشكلة التناسخ، فلا يعجب بالذئب إلا صحراوي يخطف لقمته، وينهب حاجته بلمح البصر، ويكر ويفر، فلا يتمكن منه راصدوه، كما أنه يشارك الصحراوي في نحوله وجوعه ومعاناته.
١٠-إذن، فتشبيهاتنا لبعضنا بالذئب لا تعدو أن تكون واحدة من اثنين:
-تناسخ وعجز عن أن نخلق نماذجنا التي تمثل واقعنا المعاش.
-أو أننا لا نعيش واقعنا، وإنما نعيش في الماضي بروح الخطف والنهب والغارة اللامحة...
سلطة النماذج تستعبد العقول، وأبشع الرق رقّ الأفكار، لأنه لا تحرر في ضوئه.
١١-قديما، حين أدرك أبو نواس سطوة التقليد وأنه "ليس لمتأخر أن يخرج عن مذهب المتقدمين"، اشتغل اشتغال ناقد محترف، فكانت ثورته على الأطلال- وخلافًا لادعاءات مشوهيه في هذه النقطة تحديدا-ثورة على استنساخ الأفكار، على أيقونة الطلل المستعبدة، كان ناقدا ثقافيا حرّ التفكير.

جاري تحميل الاقتراحات...